رأيت ” السعدي ” * أمامك فجأة ودون سابق إنذار بقامته الفارعة وعباءته الناصعة البياض كنت تستمع ذاهلا لدعواته الشجية وهي تنثال قبسا منه ومن ذرات روحه المسافرة …سألك قائلا كيف لم تظل حيث كنت بين وهاد قريتك رابضا في أفيائها وشعابها السحيقة تتشمم عطن الأبل وروث البقر…تسامر ثغاء الضأن وصوت الديك في الأفجار الضمأى إلى ضوء الصباح دون أن تسرح بعيدا أو تتطلع إلى ماهو أبعد من ناظريك…. ؟ ما خطبك…. ؟ لماذا جئت المدينة في البدء ولم تخش شيئا أو تتردد خوفا ورهبة من دبابيس ” العشق” حين أشعلت فيها القناديل التي أحرقت عيناك … ؟ ياه كم كنت ساذجا ومندفعا ومثاليا يا “ودادي”… ! … لم يغفروا لك أبدا هذا النزق و التجديف في الآتي لتهيل عليها من روحك و أنفاسك ما شاء لها أن تكون فتتضوع “حبلا من مسد “ ومن ضياء ….هل حسبتها لعبة ” كسراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء ” …من أنت أيها المغامر التائه في الدروب الكبيرة عليك .. ؟ ألم يكن حري بك البقاء في التخوم النائية أقصى الوجع والعزلة عند منتهى مراعي الطفولة والسهوب الغافية بعيدا عن الأضواء الكاشفة … ؟ كنت تحمل رأسا يابسا مثل أجدادك المدججين بوميض النخوة والإباء الذين نال منهم التعب والجوع والرفض ما نال وواجهوا المحتل بصدور عارية دون أن يرتعش لهم جفن أو تسقط دمعة حراء من مآقي أعينهم …فلما شققت عصى الطاعة عنهم ” أقبل بعضهم على بعض يتساءلون ” …قيل لك لا تتعب نفسك كثيرا لا بأس أن تتمتع بالضياء الذي نرسل أشعته إليك …سنسمح لك فقط بإشاعته بين الناس والعالمين …نحن الوكلاء …السلطة لنا والنص لنا والمدينة لنا ولنا كل ما تراه وما لم تر …سحبت جسدك العليل ثم مسحت العرق المتفصد عن جبينك رافعا عنقك المتطاول عنان السماء ساخرا منهم ومن غيهم والأغلال التي يعلقونها على عتبات المدينة …كنت تريد أن تطل على العالم والناس بنفسك دون واسطة أو دليل ..سمعتك تردد قول ماكسيم غوركي ” جئت لهذا العالم لأختلف معه ” …كنت تجهل ” أسماء الحب المستعارة ” *و فنون الدهاء والكلام المغشوش المعلب في جمل عربية منمقة من دون سجية أو احتمال صدق …تعلمت من سير الأولين أن تصرخ بأعلى صوتك دون وجل أو خوف….لعلك تذكر في زمن” أرفع راسك يا أبا ” أياما قليلة بعد حلول ” عيد الكرامة ” حين رمت الشرطة أغراضك البسيطة وكل ما حوته مكتبتك في عراء برنادة* …جهزت عود الثقاب وقارورة بنزين لتحرق كل ما تبقى لك من أثاث مهترئ عاقدا العزم على التوجه إلى مقر البلدية لتنتحر حرقا على أسوارها حينئذ كان البوعزيزي لا يزال صبيا يحبو في شوارع سيدي بوزيد …هدأ من روعك المارة والفضوليون ….همس أحدهم في أذن صاحبه وكان على مايبدو من فئة المتعلمين ذكرني بمحنة التوحيدي سأله من التوحيدي؟ أجاب قائلا هو فيلسوف عربي يقال أنه في لحظة يأس وعوز أقدم على حرق كتبه بعدما علم أنها لم تعد تنفعه ..عدت إلى رشدك “ولولا رحمة ربك لكنت من المحضرين ” …لم تتكئ على جذع شجرة هرمة أو جدار آيل للسقوط … كنت ترى بقلبك الحي لون الصمود والشموخ الذي سمعت عنه طفلا من أفواه الكبار عن الفلاقة والثوار الذين كانوا يعبرون ضفاف قريتك وفلواتها الغائرة في السكون والنسيان ليستلهموا من شيخها العارف بالله سيدي عبد القادر الزنيني بعض عناقيد البركة وزاد التقوى والإيمان بعدالة قضيتهم …هل كنت تكره أحدا أو تحقد على أحد …. ؟ لا …لا….لا …العارفون بك يقولون أنك رجل من صفاء بلغ حد السذاجة عنيد وذو بأس شديد …كنت تحمل طهر القرى وصفاء أبنائها والتكافل الإجتماعي السائد فيها… لم تتخرج من مدرسة أو جامعة برتبة ديناصور أو ضابط أو ديكتاتور بيده عصى أو بندقية يلوح بها هنا أو هناك كأنه أمام قطيع في مرعى مملوك له بحكم الوراثة أو لفيف من الجند المهيئة لطرد الدخلاء وللذود عن المدنية والثقافة والحضارة …كل زادك كان حفنة من بخور الأولياء والصالحين وبعض مبادئ اللغة والنحو والصرف وما ترسب في ضفاف روحك من محن السرد وأحوال النفس ….لم تتعلم من الأدب سوى الكتابة بصدق والنأي بنفسك عن اللغط والثرثرة كنت تردد قول نيتشة ” الأفكار العظيمة تأتي بلا ضجيج” …كانت تبدوا لك الحياة أبسط بكثير من هذا العبث والهوس والجنون الحارق للأعصاب وللوقت والعمر في التيه واللاجدوى ولاتتردد أبدا في الحنو عليهم أحيانا …شعور قوي كان يراودك لأن تتوغل في مخابئ القلوب المجبولة على المحبة والرجاء من دون حساب أو نواح أو رغبة مشتعلة بالبحث عن مجد زائف …ياه أنت ثائر والثوار لا يستهينون بالقدرات العقلية لغيرهم من البشر مهما خجلوا أو صمتوا.. ماذا يعني هذا .. ؟ أنت لا تدري ثم أكتفيت بالصمت والذهول الكبير
*السعدي درويش وزهدي يتهافت الناس عليه لأخذ الحكمة منه
* “أسماء الحب المستعارة ” عنوان مجموعة شعرية للشاعرة منيرة سعدة خلخال
*برنادة حي من أحياء الجلفة جنوب الجزائر العاصمة
الجلفة في 03 أوت2014
* قاص وناقد من الجزائر




