قراءة في رواية ‘ثقوب زرقاء’ للخير شوار المنزع السّوريالي في متاهة السّرد الأزرق / عبد الحفيظ بن جلولي *
بواسطة مسارب بتاريخ 26 سبتمبر, 2014 في 10:59 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1313.

1 يتطوّر فعل الرّواية بتطوّر الحالة الثقافية/المعرفية والتي تُشرك المجتمع كمخيال يرغب في سدّ الحاجة الإنسانية إلى ما هو فوق واقعي، وبالتالي يصبح فعل الرّواية سلوكا من سلوكات الكينونة في تحوّلاتها العميقة التي تشتغل ضمن مجال الإمكان الإبداعي الذي يستضيء بوهج اللغة، وقد تمّحي اللغة في شكلها المباشر القريب متحوّلة إلى دلالات تحيط بالمعنى من حيث هي كينونة قادرة على الحفر في الماورائي في جسد الأشياء لتقولها باللاشيء واللاوجود واللامعنى أو الإشارة السّوريالية. ضمن هذه البانوراما الإنتاجية لفعل الرّواية يتأسّس السياق الذي تفاعلت فيه أحداث رواية ‘ثقوب زرقاء’.
جاء العنوان كتلبية لحاجة الرّواية في تغطية فراغ الإحالة على المافوق واقعي، فالثقوب بطبيعتها تعبّر عن فراغ، والفراغ عادة ما يكون هادئ، إلا أنّ المنحى السوريالي المبني على الحلم وتوتّرات اللاوعي واللاشعور كما جسّدته سواء شخصية الصحفي في الفصل ‘واحد’، أو الشّخصية الرّئيسة القلقة الباحثة عن الذّات والذّاكرة في الفصل ‘إثنان’، يحيلان على نوع من التوتّر، ولهذا كانت الثقوب زرقاء، والأزرق بداية لون الهدوء، لكنّه يحيل على ماقبله وما بعده، فعادة زرقة السّماء تخفي هياج العواصف الماطرة، وزرقة البحر تخفي أمواج التّدمير، وهو ما تترجمه الوظيفة السّردية للثقوب حينما تبدو للشّخصية كأنّها حفر تجذبها إليها وتغرقها في عمقها: ‘..لكن تلك الندوب التي تشبه الثقوب على وجه الرأس سرعان ما ابتلعته ور؟أى نفسه في متاهة وسط الأوحال..’/ص75.
2.
يوظّف الرّوائي الحكاية المتضمَّنة داخل الحكاية الإطار، كما هي في حكايا ألف ليلة وليلة، ويأتي هذا التّوظيف ليوسّع من مجال التخييل، المتواطئ مع حلمية السّوريالية، التي تهدف إلى توظيف مضامين جديدة غير مستقاة من الواقع التّقليدي، فالفصل ‘واحد’ في الرّواية يبدو أنّه لا علاقة له بالفصل ‘إثنان’، لكن نهاية هذا الأخير: ‘وكان ذلك آخر ما شاهد من حياته’/ص90، تكشف عن اتّجاه المعنى إلى النّهاية، بما يؤدّي مفهوم الموت، أي موت الرّاوي/السارد. تضع هذه النّهاية احتمالا ممكنا لفك شفرة الجثّة المجهولة في الفصل ‘واحد’ التي آل فيها التّقرير الطبي إلى أن حالة الوفاة كانت نتيجة الانتحار، ‘وبدا أنّ المنتحر لجأ إلى ضرب وجهه بالسكين في أماكن مختلفة..’/ص15، وما يؤكد التّوافق السردي في احتمال التّواصل بين الفصلين هو المعنى في القرينة السّردية التالية: ‘غير أنه وفي كل مرّة كان يوجّه فيها طعنة في موضع جسد خصمه، كان يتلقاها بدوره في المكان نفسه… وكان لسبب غريب يحرص على ضرب وجه الخصم ليس ذبحا وإنّما غرزا..’/ص90، ما تؤكده القرينة السّردية، هو أن السّارد/الرّاوي كان يضرب نفسه مما يكثف احتمال الإنتحار. تتم هذه الحركة السّردية ضمن مناخ من الأحداث التداعياتية التي لا تفصل بين الواقع والخيال، أي اندماج شخصية السّارد/الرّاوي بين وجودية فاقدة للذاكرة وأحداث تتحرك في واقعه يدركها بين الحلم والواقع، لهذا كان دائم البحث عن الذاكرة: ‘أمسك برأسه لعله يتمكّن من تشغيل ذاكرته التي خانته وقد يتذكر صاحب ذلك الوجه وما يمثل في حياته لكن دون جدوى’/ص44.

3.
لعله مما يجعل من المشهد السّوريالي قوي الدلالة، هو الاقتصاد في رسم الحركة، وجاءت رواية ‘ثقوب زرقاء’ مكثّفة سرديا حيث الإقتصاد في اللغة يؤجّج قلق المتلقي كمحاولة لاستجلاء المواقف الغامضة. إنّ معمار الرّواية القائم على ثلاث فصول، يعتبر من جهة التّخطيط الرّوائي الذي يتأسّس على الإثارة النّفسية، وكأنّه يقدّم العقدة في الفصل ‘واحد’ ويحاول فك شيفراتها في الفصل ‘إثنان’، لكن المنطق السّوريالي يدفع بالرّوائي إلى إيجاد المخرج اللامنطقي لسياق الحدث، فيعنون الفصل الثالث ‘صفر’، وكأنّ الجمع بين الفصلين السّابقين أو حاصل ضربهما يساوي لاشيء، وهو ما حاولت أن تبني الرواية حدثيتها حوله، حيث تلغي منطق العادي لترسم نسق اللاعادي، فالصحفي يدخل متاهة اللاكينونة من خلال اكتشافه لوهم حركته الصحفية في كشف ملابساة الجريمة في الفصل ‘واحد’.
ضمن منطق السوريالية، تعيد هذه الرّواية من وجهة نظري طرح تناول الأدب الإستعجالي للأزمة التّسعينية، فالعنف الذي يلفها والذي يتمظهر ككوابيس تلاحق الشّخوص، فالصحفي يكتشف ومن خلال الواقع أنه لم يبادر إلى أي حركة تنم عن متابعة الحدث الجرمي في منطقة ‘الطاحونتين’، الشخصية الرّئيسة في الفصل ‘إثنان’ تلاحقها الرّؤوس المفخخة، والرأس المقطوع الذي يلاحق شخصية بوعلام في الحكاية المتضمَّنة، كلها علامات دالة على حركة سردية تؤول لمظهر عنفي تريد أن تنبّه إليه، والمعيارية دالة تمنح المقاربة التأويلية للعنصر الممكن في الإحالة على العنف التسعيني، وطبقا للميثاق الأدبي بين الكاتب والمتلقي، فإنّ هذا الأخير تقوده المشهدية لتحريك الذاكرة الماضية المتوائمة وحركة السّرد الحاضرة، فالرّواية من هذه الزاوية تؤكد على المسافة الفاصلة بين الحدث وترسيمه إبداعيا، إذ ‘ثقوب زرقاء’ استطاعت أن تقدّم الأزمة العنفية الماضية من منطلق الإثارة النفسية كما تحدّدت مشهديتها عند ألفريد هيتشكوك، لكن برؤيا سوريالية، وهو ما يمنح التناول الإبداعي للأزمة بعده الفنّي الخالص، خلافا لما درج عليه ما سمّي بالأدب الإستعجالي على أهمّيته، حيث استطاع الرّوائي أن يرتب مفاعيل المشهد فوق واقعي المستند إلى الشواهد الواقعية (الشخصية في الفصل ‘إثنان’ التي يتناوبها الواقع واللاواقع).

4.
يتشكّل المعمار الرّوائي في الرّواية كنسيج دال على قلق معرفي يروم الوصول إلى مرتكز حكائي مركزي، لكن التشظي الذّاتي وتشظي المحيط يحوّل المركزية الإنتاجية إلى ارتدادات قائلة وكاشفة ومتداعية لكنّها تابعة لسلطة التدفّق التخييلي للسارد/الرّاوي، الممسك بخيوط اللعبة الحكائية، فيخِفّ توظيف الزّمن والمكان لتغطية الضّرورة السوريالية في الكتابة، فالمشهدية الأولى تتحدّد بالبحث عن سرّ الجريمة، وخلال ذلك يصبح الباحث وهو الصّحفي مستغرقا بالزمن كله، فالزّمن متضمنا بالإحالة على حالة الصحفي المتحرك داخل المشهد والتي تلغي الإحاطات ومنها الزّمنية، لتمكين الهاجس الحدثي من رسم معالم اللحظة السّوريالية.

5.
يؤسّس المشهد السّوريالي في الرّواية للنّزعة العميقة في الذّات الإنسانية والنّزوع نحو المتخيّل واللاموجود لبناء عالم المعيار الصّفائي، فالرّأس المفخّخة والتي تتفجّر من ذاتها، والتي تتعدّد مشهديتها في الفصل ‘إثنان’: ‘ربّما هاجس الرّأس المفخّخة هو الذي جعله يتصوّر مدرسة ابتدائية وقد شهدت انفجارا غريبا..’/ص19، إنّ هذه الحالة تعبّر عن فقدان لمركز التّفكير سواء في الجسد المجتمعي أو الفردي، بدلالة حضور الجثة وغياب مصدر التّفجير، أي الرّأس، فالحضور والغياب لأداة الوجود في العالم، يمثلان حضور جسد دون تفكير في حركته وهو ما يبرهن على عماء العنف، حين يؤول نحو المنزع اللاتفكيري الذي يزيح معول الحوار، وهو ما تتيحه القراءة في الرّأس المفخخة والمتفجّرة بعد ذلك من ذاتها. إنّ اللاكينونة واللاذات يشتغلان وفق منطق الإستغراق الشامل في ترسيم حدود اللحظة الإنسانية بتوهّجها الداخلي، أو معايير دخلنة القيم المجتمعية والفردية كما يرى د.طه عبد الرحمن، أي التهيّؤ الداخلي المستمر للكينونة السارّة والسّعيدة، وهو ما يكمن في حركة السارد/الراوي في المشهد ‘واحد’ خلال بحثه عن الحقيقة، التي تروم تدمير اليقين الوجودي الذي لا يمتلكه أحد، وبالتالي يتأسس هامش النسبي الذي يشارك فيه الكل الإنساني بدلالة أيلولته إلى الشك في نهاية الرواية.
وفي المشهد ‘إثنان’، يتجلى أيضا ذلك الإحساس بدحض اليقين التدميري، حيث طبيعة حركة الفاعل السردي الباحث عن ذاته وعن ذاكرته أيضا، يحيلان الذّات على هامش النّسبي ذو المنزع التشاركي.

 

 

 

 

 

المصدر جريدة القدس العربي

 

 

 

* قاص وباحث من الجزائر

اترك تعليقا