الوعي بالهوية بين الخطاب الشعري العبري والخطاب الشعري الفلسطيني..نماذج مختارة من شعرمحمود درويش وأبا كوفنر و يهودا عميحاي / د غزلان هاشمي *
بواسطة مسارب بتاريخ 12 أكتوبر, 2014 في 11:55 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1645.

ينتفي الخوف من الآخر حينما تقترب من لحظته،ذلك ما دفعني لكتابة هذا المقال ،فاليهودي في الوعي العربي يشكل هاجسا مسيجا بحدود الأسطرة ولكون هذه الأسطرة تضعف من مقاومة الذات وتعزز من الروح الانهزامية فقد ارتأيت تقديم مقارنة بين الشعر الفلسطيني ممثلا في محمود درويش والشعر اليهودي ممثلا في شاعرين علها تقف على مرتكزات الهوية في الوعي العربي/الفلسطيني والوعي الإسرائيلي اليهودي،ويدخل ذلك ضمن ما سماه المفكر المصري الدكتور عبد الوهاب المسيري بأنسنة العدو لفك عقدة النقص وبيان تهاوي أسس الانتماء عنده،وإذ أقول ذلك فإني أحرر القراءة من الحسم والوثوقية دعوة للقارئ أن يرمم أو يعدل .

يحمل عنوان القصيدة”من هو اليهودي” للشاعر العبري الصهيوني”أبا كوفنر” رغبة في الكشف عن جملة خصائص نفسية وتركيبية لعناصر الهوية اليهودية،وكأن السؤال هو تجديد للحظة مقاومة للغياب وترميم اعتبارات الذات اليهودية علها تعثر في زمن الكشف عن حقيقتها،وحتى وإن تميز النص بالتقريرية في إضفاء مواصفات محددة قد تصل إلى حد التجريد والتعميم ،فإنها تحمل بين مسافاتها المعتمة رغبة في الانتقاء وكأن النبذ هو اعتراف باستقلال الكينونة وبحضور ماثل في ذاكرة النص/اللغة

اليهودي هو من يرغب في أن يكون يهوديا/ ومن هو يهودي رغما عنه

اليهودي هو من يؤمن إيمانا كاملا/ واليهودي هو من يتشبث بعقيدة ممزقة

اليهودي هو من يضع الطليت والتفلين*/ واليهودي هو من يلقي الطليت والتفلين

اليهودي هو من يلقى صعوبة في كونه يهوديا/ ومن يكافح ليكون شيئا آخر

اليهودي هو محتال/ نجح في خداع نفسه

ويقدم الشاعر الأكراني اليهودي توصيفا ثنائيا يستوعب التناقض المؤسس على وعي تركيبي يعترف باعتبارات الذات وينفيها في الوقت ذاته،وكأن التوصيف إدانة لموضعية مشتتة بين ضمير مثقل بالانتماء القبلي/التاريخي ورغبة انتقائية في الانتماء إلى زمن المكوث أو المثول المكاني المرتبط بذاكرة الميلاد والترعرع ،فاليهودي تتساوى إشارات الغير إليه سواء رغب في أن يكون كذلك أو لم يرغب .إن هذا المقطع إدانة للأغيار بسبب كل التشكيلات النمطية والقوالب الجاهزة التي استخدمت في النظر إلى اليهود،حيث يؤكد الشاعر أن العنف التخييلي وصياغة المدرك العام تجاهل السياق ورغبة اليهودي في أن يكون ما يشاء تماشيا مع سياسة إدراكية أو خريطة تخييلية فرضت عن طريق القسر من قبل سلطات رمزية أكبر ،ربما تتمثل في التاريخ والمصالح السياسية العالمية وغيرها……

اليهودي هو من وُلِد لأم يهودية/ واليهودي هو من لا يعرف أين قبر أمه

اليهودي هو من حرر نفسه من القيود/ واليهودي هو من قيد نفسه

اليهودي هو من أورث للإنسانية السمك المحشي الأصلي/  وكتاب التناخ مترجما

اليهودي هو من يكتب من اليمين لليسار/ وهو من ينبذه يسار العالم ويمينه

اليهودي هو من تشكلت دائرة إبداعه بحروف مربعة/ ومازال وجوده كائنا في مربع الدائرة (مستحيلا)

ويبقى الوعي المركب والذي يحتفي بمضمونية متجاورة لمتناقضات المثول الموضعي زمكانيا/هوياتيا يحيل على مدرك مصاغ يختلف بحسب مرجعيات الرؤية وتأثيراتها،إذ التحيز كامن في هذه الانتقائية ولذلك تغيب حقيقة الذات بين تهويمات أيديولوجية حسب الشاعر اليهودي ،حيث يصطف الخطابان :خطاب السلطة ـ سلطة التاريخ والسياسةـ و الذي سمته التعالي والفوقية (اليهودي هو من ولد لأم يهودية ـ اليهودي هو من حرر نفسه من القيود…..) ـ وخطاب الحقيقة (اليهودي هو من لا يعرف أين قبر أمه ـ اليهودي هو من قيد نفسه…)الذي يعيد الذات إلى صورتها الموروثة والتي تشكل تعارضا مع التخييلات المسيجة بأيديولوجيا الاصطفاء.وتضيع الذات في حيرتها بين التموضعات الخطابية باحثة عن هوية الثبات لا التشتت،لذلك تنفي عن نفسها أي مركزية تخييلية فاسحة المجال للقارئ حتى يحاكم راهنية تدخلت في ظهور هذا الوعي المركب والذي يختزل اليهود ويجعلهم في موضع انتقاص في مقابل واقع يبدو أكثر تعقيدا.

اليهودي هو من لا يختلف عن بقية أمم العالم/ باستثناء أنه معزول عنها

اليهودي هو من يكرهه الآخرون خفية/ واليهودي هو من يكره نفسه على رؤوس الأشهاد

اليهودي هو من استمات استحضار العالم لبيته/ واليهودي هو من يجب عليه أن يستميت على بيته

اليهودي هو من يستطيع أن يسأل/ واليهودي هو من لا يستطيع أن يسأل

حتى يسمحوا له.

ويحسم الشاعر ارتباكه بين ذاكرة مثقلة بأوهام التموضع المستعار وراهنية تفضح رؤية المختلف لذاته الممزقة وهويته المبعثرة بتأكيد هذه الموضعية المتجاورة ،إذ الانتماء يبدو واهيا للوطن إسرائيل رغم كل ما تروج له من خطابات عن حلم الموضعية المركزية،ورغم ما عرف عنه أيضا من نظرة صهيونية ومشاركته في حرب 1948 ضد العرب والفلسطينيين،إلا أن ارتكازاته الهوياتية تبدو في حكم التلاشي بسبب التناقض والالتباس الواقع في متصور الذات وخطاب السلطة،فعيشه في جيتو منغلق خلق عنده ازدواج الرؤية لذلك يكشف النص عن تأثير السياق في صياغة المدرك العام للشاعر حتى بدت هويته باهتة وانتماؤه لليهود مسيجا بالرفض والمقاومة نظرا للموضعية الهامشية التي وضعهم فيها العالم وللصورة النمطية التي روجت عنهم من قبل أصحاب المراكز،ومن هنا تتضح الرغبة في العيش المشترك في شكل التماس،حيث تضمر الذات استدعاء لشفقة الفلسطينيين حتى يتم تعديل إدراكهم نحو تقبل الحضور اليهودي واعتبار اليهود مثلهم ضحايا الانتهاك الإدراكي.

ونجد هذا التجاور والازدواج ماثل في نص آخر للشاعر اليهودي”يهودا عميحاي” المولود في ألمانيا والموسوم بـ”الشاطئ والبحر” ولو أنه ينحو ناحية الحسم متخففا من صيغة الضحية أو الاتهام ،إذ يقول:

البحرُ والشاطئ متجاوران , كلاهما
يريدُ تعلَّمَ الكلام , تعلَّمَ قولَ كلمةٍ واحدةٍ فقط
البحر يريدُ أن يقولَ “شاطئ”
والشاطئُ يريدُ أن يقولَ “بحر”
هما يقتربان منذ ملايين السنين ِ من الكلام ,
من قول الكلمة الواحدة
حين يقولُ البحرُ “شاطئ”
وحينَ يقولُ الشاطئ “بحر”
سيأتي الخلاصُ إلى العالم
يعودُ العالمُ إلى الفوضى

إن التعثر ماثل في ذاكرة النص،حيث رغم ما تبديه الصورة من ثنائية متجاورة إلا أن الإرادة تبقى بعدية في حكم المستقبل الذي يحتمل الاستبعاد،ومن هنا فالتموضع هو ما تفرضه طبيعة العلاقة التاريخية بين اليهود والعرب لكن غياب سياسة التعايش وصيغ التفاهم بسبب تلك الصياغات المؤدلجة تفترض هذا التناقض المؤسس على صيغ الاستبعاد والتشكيل النمطي،إذ الشاعر يحسم التجاور المنبني على وهم التموضع المشترك بتأكيد فوضوية المثول ،مما يعني استحالته بالنظر إلى التنميطات الجاهزة المؤسسة على التحيز المتشكل من الميول والرغبات والمصالح ،وهذا دليل على عنصرية الرؤية والتي تشكلت بالنظر إلى السياق الحضاري ومثول الشاعر في مركز الحدث التصادمي إلى أن مات ـ القدس ـ

فكيف تمثل الذات الفلسطينية نفسها؟

في نص”محمود درويش” الموسوم بـ” أنا من هناك” تصبح الرؤية مغايرة ،ففي الوقت الذي يتحدد عنوان نص “أبا كانفر” في صيغة سؤال تعبر عن حيرة وارتباك وبحث عن اعتبارات تلاشت بين مسافات ذاكراتية معتمة،يؤكد عنوان محمود درويش انتصاره للتقريرية المؤكدة للانتماء حيث تتلاشى الحيرة وإن بعد المكان،فأصل التموضع وذاكرته تلح على استحضار لحظة المثول المركزي،وتعاود صياغة الانتماء معبأة بروح المرجعيات لا بالتهويمات والتخييلات الأديولوجية المفروضة من قبل سلطة الخطاب،ومن هنا يتحول التأكيد إلى سلطة في حد ذاته يطارد كل تمثيل خطابي يحاول إقصاء الذات وطردها إلى دائرة التغييب واللاهوية.   

أنا من هناك. ولي ذكرياتٌ . ولدت كما تولد الناس. لي والدة

وبيتٌ كثير النوافذِ. لي إخوةٌ. أصدقاء. وسجنٌ بنافذة باردهْ.

ولي موجةٌ خطفتها النوارس. لي مشهدي الخاص. لي عشبةٌ زائدهْ

ولي قمرٌ في أقاصي الكلام، ورزقُ الطيور، وزيتونةٌ خالدهْ

مررتُ على الأرض قبل مرور السيوف على جسدٍ حوّلوه إلى مائدهْ.

أنا من هناك. أعيد السماء إلى أمها حين تبكي السماء على أمها،

وأبكي لتعرفني غيمةٌ عائدهْ.

تعلّمتُ كل كلام يليقُ بمحكمة الدم كي أكسر القاعدهْ

تعلّمتُ كل الكلام، وفككته كي أركب مفردةً واحدهْ

هي: الوطنُ…

ويؤكد الشاعر هذا المثول المرجعي /التاريخي ،حيث تبدو اعتباراته واضحة “لي والدة وبيت كثير النوافذ.لي إخوة.أصدقاء.وسجن بنافذة باردة…………”،إذ يلتقي فيها الوجع والفرح ،ومن هنا تستعيد الذات مرتكزاتها ولو في متخيل الأمور ،وذلك حينما يتحول الوطن والهوية إلى وعي بالممكنات الذاكراتية والخصائص المنبثقة من كوامن الذات واستحقاقاتها التاريخية في ارتباطات المكان والزمان والتي تضفي على المثول الواقعي للأنا تمايزا وانفرادا”لي مشهدي الخاص” بعكس التموقع المشتت بين تمثيلات رمزية تأتي من جهة المغايرة وأخرى واقعية في حكم المتحقق كما في شعر “أبا كونفر”.وفي الوقت الذي يركز فيه الشاعر اليهودي على حالة الفقد التي تصنعها التنميطات الجاهزة يركز محمود درويش على حالة الامتلاك على اختلاف تموضعاتها”مادية أو معنوية”،ومن ثمة فهو يبدو أكثر تجذرا واقتناعا بحدود الانتماء والهوية مهما كانت تموضعاته”مررت على الأرض قبل مرور السيوف على جسد حولوه إلى مائدة” ،حيث لا يهتم بأي ثنائية إدراكية تنتج عن صفة التمثيل أو التنميطات المسبقة ومن هنا تبدو حدود الهوية معلومة لا يسيجها الغموض أو الارتباك أو التعثر.إذن في الوقت الذي يتم الحديث عن الهوية عند اليهود يستدعي الشاعر اليهودي ثنائية التخييل والواقع ،ليكشف عن عدم اقتناع بذلك الخطاب المؤدلج ،ناهيك عن الحديث عن الذات بصيغة استبعاد حيث يصطنع مسافة بينه وبين انتمائه بنفي صفة الأنوية” استعمال ضمير هو”،يستخدم محمود درويش صيغة مثول في زمن البوح حيث ينتزع اعتباراته ويصوغها بالنظر إلى استقلالية الرؤية وانتماء المكان والذاكرة ،وينزع نحو تحريك الفعل حيث يتحول إلى فاعل لا مفعول به”أعيد السماء إلى أمها …وأبكي لتعرفني غيمة عائدة” وإلى مسهم في رسم حدود الوطن “تعلمت…..وفككته كي أركب مفردة واحدة هي الوطن..”.

ولربما هذا التأكيد والوضوح في الحديث عن الانتماء وعن حدود الهوية واعتباراتها يتجلى في هذا النص ،إذ يقول:

 

“أنا من هنا وأنا هنا. وأنا أنا. وهُنا هُنا. إني أنا. وأنا أنا. وهنا أنا وأنا أنا.وهنا أنا. وأنا هنا. إني هنا. وأنا أنا

فالأنوية هنا ترافق المكان/الانتماء وترتبط به ،حيث يتأكد الارتباط مهما اختلفت صيغة التموضع أو تراتبية الطرفين ،وكأن بالوطن يتحول إلى مكون وجودي يتأسس حضوره من متعلق الذات وتتحول الذات كذلك إلى مثول واقعي يتأسس انوجادها على حدود الحرف/الوطن.

في الأخير يمكن القول أنه فيما اخترناه من شعر عبري تتهاوى النزعة الوثوقية حيث التقابل زعزعة لليقين الانتمائي بما هو اعتراف مضمر بآراء الآخر والاهتمام برؤيته وإن تم الادعاء بتجاهلها،في حين تتعزز هذه النزعة في شعر محمود درويش وإن كان بعيدا عن حدود الوطن.كما أن العمومية وحضور المسافة بين الذات والوصف في الشعر العبري توضح عدم معرفة بالأرض الموعودة عكس ماهو واضح في خطاب درويش والذي يؤسس خطابه على وعي أصيل حدوده المعرفة الحقيقية أو الوصف الحقيقي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* باحثة أكاديمية ورئيسة مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية

اترك تعليقا