مِن رحِــــم الموت / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء*
بواسطة مسارب بتاريخ 21 أكتوبر, 2014 في 12:34 مساء | مصنفة في متعة النص | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 2154.

وجه الأرض موحش؛ دمار وخراب؛ التّجارب النوويّة، الحروب الأهليّة، أسلحة الدّمار الشّامل، الحرائق… ضاقت الأرض ذرعا، فضربت الزّلازل، وانفجرت البراكين، وانهار القطبان، والتهمت السّواحلَ الفيضانات… تقاتل النّاس وتناحروا لسبب ولغير سبب. غدا الموت لا يتعدّى وصفه بالفعل العادي. يأكلهم الموت بلهفة رعناء كما يأكلون الطّعام. امتزجت حمرة الدّم بزرقة البحيرات، عكّرت صفاء الوديان، أنتنت سواد الآبار… الهواء موبوء، الماء مسموم، الأمطار الحمضيّة تستنزف شريانَـي الحياة. الإنسان غريب في عالم صنع بيديه، الإنسان ذلك المخلوق الموسوم بالجشع والأنانيّة صنع الآلات العملاقة لتتحدّاه. تَسافل حدّ أصبح مسخا، سرطانا ينخر جمال الأرض، لا وصف يقارب وصف الأرض غير وصف عجوز تحتضر تضافرت عليها العلل؛ مسلولة الصّدر، منخورة العظم، مجدورة الجلد… عائدات الرّعب، والقهر، والموت، والدموع من نصيب المحرّكين لخيوط اللّعبة الخبيثة وحدهم، والمتنافسين على سيطرة العالم، الذين صنعوا السّقوط، والانهيار، والخيبة، والضّعف، والحتف، فالدّمار الشّامل… الذين ما لبثوا إلاّ قليلا وأفنت أنسالهم في أصلابهم  الإشعاعات النّوويّة، وأبلت أجسادهم أمراض بقدر اعتمادهم على غيّ التكنولوجيا؛ وخنوعهم لهيمنتها؛ الأطعمة المعدّلة جينيا، الإضافات الكيميائية، المعادن المشعّة، اللّدائن السّامّة… بدأت الحرب من أجل ما يستحقّ القتال من أجله حسب أطرافها، ثمّ أصبحت الحرب من أجل الحرب. نسي النّاس الله فتعدّدت المعبودات، تحوّل الإنسان إلى آلة بيولوجيّة غاية في القبح، والبشاعة، والفظاعة، والخسّة، والدّناءة، والوضاعة… الأرض تحترق… ارتفع معدّل حرارتها بدرجة كلّ ثلاثة أشهر. تزاوج الموت والزّمن بعقد طرديّ، الجثث مركومة في زوايا الشّوارع والممرّات، تحت الجسور ولا مكرم  لها، جفّت المقل من دموعها، تعفّنت المدن ولم تسلم الأرياف، ولا القرى. هاج الذّباب الأزرق، عادت الأمراض والأوبئة المنقرضة ذات التّاريخ الأسود تجتاح الأجساد الهزيلة الضّعيفة المنهوكة النّاجية من الحروب… في بضع سنين أباد البشر ما ظنّه مُبقيه؛ إذ سعى بالذي حسِبه مُنجيه من الفناء فأفناه مستثنيا واحدا من كلّ مليون من سكّان البراري…موجة برد اجتاحت المشارق، و المغارب لأسابيع، هطلت أمطار طوفانيّة أيّاما غسلت الأرض من ذنوبها… ثمّ عادت الشّمس تشرق ضاحكة السّنّ باسمة المحيّا… فيما نسوة يعشن على جزيرة عذراء وسط أكبر المحيطات في مبنى تربّع على أعلى هضبة صخريّة فيها، بالأحرى مركز أبحاث بني وصمّم خصّيصا من أجل أبحاث متطوّرة في علم الجينات والهندسة الوراثيّة بعيدا عن القوانين  والمنظّمات التي تمنع التّجارب على البشر. اصطفين بعناية ودقّة فائقتين وفقا لمعايير عالية الجودة؛ السّلالة النّقيّة، سلامة السّجل الصّحّي الشخصي والعائلي، صفات جسديّة في حدود المثالية، التّحصيل العلمي العالي. واحدة عزباء من كلّ دولة من دول العالم اختطفن في ظروف غامضة. وتمّ الأمر سرّا لا يعلم به إلاّ قلّة لم تمض سوى بضعة أشهر وبتواطؤ من رئيس الحرس؛ كهل لم يلعب في طفولته، ثمّ وهب عمره لألوان العَلم، بعد أن أبهره سحر أجملهنّ وأصغرهنّ سنّا، فأغرم بها. سيطرن على المكان، قتلن فريق البحث والأمن جميعهم وهم أشدّ حرصا منهنّ على قتلهنّ، أطلقن سراح حيوانات المختبر؛ زوج أرانب، زوج قطط، زوج دجاج، زوج فئران وحيوانات أخر تزامنا مع الفترة التي انقطع فيها اتّصال الجزيرة بالكفّة الأخرى من العالم، لا بث إذاعيّ أو تلفزيونيّ، لا هاتف، لا شبكة اتّصالات، فأدركن أنّ أمرا جللا قد حلّ بالجهة الوصيّة على هذه النقطة من الأرض والقائمة على المشروع. وبات لا يخلو حديثهنّ من التّساؤل عن سبب الانقطاع؛ أتراه انفجار.. حريق مهول.. قنبلة نوويّة… ذهب خبرهنّ، وانفصلت الجزيرة عن الأرض  بضعة أسابع تمرّ وأوشك الطّعام والماء ينفذان… انطلقت شرارة القتل والتناحر والتّآمر من أجل البقاء، ما فاز بالحياة غير أربعة، زنجيّة من جنوب إفريقيا تعوّدت قسوة الطّبيعة، وصفراء من آسيا بارعة في الفنون القتاليّة، وهنديّة حمراء من أمريكا الجنوبيّة حكيمة، وبيضاء من أوروبّا ذكية تجيد الكلام، أمّا مُخَلِّصهنّ حين رأى شراستهنّ وضراوتهنّ في التقاتل وإصرارهنّ على البقاء اختفى، فرّ ثَورا أسود بلا رجعة. آثرن الاعتقاد أنّه التحق باليابسة الأخرى على يقينهنّ أن لا سبيل إلى مغادرة الجزيرة أو الوصول إليها إلاّ الطّوافةّ والأطراف الثّلاثة للهضبة تطلّ من على ارتفاع أكثر من مائة متر على أمواج المحيط العاتية المتلاطمة  دفعهنّ الجوع والعطش إلى النّزول من الهضبة الصّخريّة الحادّة الحواف والعموديّة الانحدارات عبر الجهة الوحيدة المشرفة على الغابة باستعمال الحبال للبحث عن منبع ماء ومصدر للطّعام في أطراف الجزيرة تسبقهنّ كلبة المختبر أمّا كلبها فقتل يوم المعركة لنهجه نهج براقش… حين وقفن على باب الهلاك وجدن ينبوع ماء عذب، وأشجارا مثمرة  أنستهن أمر ماوراء الأزرق المحتكِر للجهات الأربع إذ لا سبيل إلى الاستمتاع بالحياة، والعيش هناك مقدار جزء من ألف ممّا ينعمن به صرن ينزلن إلى المكان مرّة في الأسبوع للتّزوّد منه بحاجتهم، واستثمار مساحة حوله بزراعة ما أمكنهنّ زرعه اعتمادا على خبرتهنّ ومعارفهنّ في الحياة السّابقة. ثمّ صرن كثيرا ما يقضين اللّيالي الجميلة الدافئة المقمرة فيه بعيدا عن صمت صخور جدران ملجئهنّ، وبرودة معادنه. ما مضى من الزّمن إلا قليله وأجدن طرق الصّيد برّا وبحرا. ليال السّمر والغناء، والهدوء، والأمن، والسّلام، والتّواد، والتّناغم، والتّوافق، والتآخي على هذه البقعة. ألفن الجزيرة وألفتهنّ، أحببنها وأحبّتهن درجة أنّهنّ أعطين أسماء من ذكرياتهنّ الجميلة على بعض الأمكنة منها، وجعلن من أجمل مكان فيها مزارا أسبوعيّا يطلقن فيه العنان لأمانيهنّ وأحلامهنّ، يتلون فيه قصائد الحبّ، والجمال، والسّلام ويخصصنه بكثير من الاحترام والقداسة  بعد عقد من الزّمان، في رحلة استكشافيّة للجزيرة كالمعتاد، ألفَين الرّجل الفارّ قد اتّخذ كوخا، وعاد يعيش بدائيّا… ضممنه إليهنّ كقربة ماء بعد عطش شديد في صحراء قاحلة، وراحت كلّ واحدة منهنّ تفكّر وتقدّر كيف السّبيل إلى الظّفر به، لكنّه اختار البيضاء التي سبته منذ زمن وما برحت فؤاده… رغبتهن فيه وفي النّسل قبل الجفاف تحثّهن على الكيد؛ أوقدت الغيرة في أنفسهنّ، فاحترقن، أضرمت نار الحسد في صدورهنّ، فقرّرن… لكنّهن أبدين لها السّعادة والفرح، وباركن قرانها به   واحدة منهنّ على انفراد سؤال محرق: لماذا لم يهتدين إلى جعل جُرعة الاستمرار المتاحة الوحيدة شركة بينهنّ؟ ألم يكن في وسع صدر ذلك الرّجل أن يسع أربعتهنّ؟ ألم يكن في مقدور ذلك الذّكر، إحياءهنّ، وإرضاءهنّ؟… توسّدت النّفساء إيمانها، ونزيفها تآمرت ثلاثتهنّ عليهما، حملن السّكيّن ولم يُقطّعن أيديهنّ، تسلّلن إليه، وبات مآله مآل  الثّور الأبيض؛ أجرمن بجرم قابيل ولا مِن هابيل بعده… أمّا قرينته فنفذت بجلدها حين أدركت كيدهنّ بعد بحث حثيث أشهرا، وجدنها في كهف تعاني آلام المخاض والولادة… أسعفنها، أخذنها إلى الملجأ… في غمرة الألم، والصّراخ، ولحظات الانقباض والتّرقبّ؛ ملأ فضاء الغرفة وارتدّ بين جدرانها صيحات الإقبال على الحياة… أذهلهنّ ما رأين؛ إنّه الحدث التّاريخيّ الأعظم في حياتهن؛ مساعدة حياة تتفرّع من حياة. لحظتها داهم كلّ يأبى الانقطاع، سكنت تنظر إلى بقاياها المشعّة بالحياة مبتسمة حتّى غفت بلا انتباه… لفظت نفسها الأخير وبصرها باتّجاه مواليدها الثّلاثة؛ ذكرين وأنثى ومطر طوفانيّ يهطل خارجا بلا انقطاع   ….

 

 

 

 

الجمعة 17 اكتوبر 2014

 

 

 

 

 

 

 

* قاصة من الجزائر

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. الأديبة الأستاذة عفيفة أم الشيماء , لها أسلوبها المميز فى الكتابة , وامتلاك ناصية اللغة .. وهذا قد يغريها أحيانا
    بالاستفاضة فى التفاصيل التى لاتخدم النص فى الأساس .. كان فى مقدورها التعبير عن مدى الدمار الذى حل
    بالأرض , بعدد أقل من الجمل .. يبقى تناول الفكرة , والتى تبدو مطروقة من البداية , وهذا يفرض عليها أسلوبا
    مختلفا فى المعالجة من حيث القفلة .. والتى كان يمكن أن تختلف عن النهاية أو القفلة المختارة .. تحياتى .

  2. .. اضافة أولى الى النقد السابق :
    بعد اعادة القراءة للنص , تبين لى أن الكاتبة , وضعت نهاية مخالفة للمتوقع , فالأم الحامل من الرجل الوحيد الذى بقى على
    الجزيرة , وتم التخلص منه على طريقة قابيل , تضع حملها بعد فرار منهن بنفسها وحملها , ثلاثة توائم .. ذكرين وأنثى ,,
    وتموت الأم تاركة توائمها الثلاثة فى رعاية النسوة الثلاث اللائى بقين على قيد الحياة .. وكأنى بها , أى الكاتبة , تقول أن
    الحياة ستبدأ من جديد , بما بدأت به من قبل .. ذكرين وأنثى , فهل يكون هناك قابيل جديد , أم أن هابيل سيأخذ حذره
    هذة المرة .. تحياتى وتقديرى للكاتبة أم الشيماء عفيفة .

اترك تعليقا