الثلجنار تجربة جديدة في الزجل (منشورات بيت الشعر في المغرب، وتقديم الأستاذ أحمد لمسيّح) ومضات حرة لم يسبق لي أن قرأت مثلها، فتح جديد إذن للجزائري عبد الرزاق بوكبة والمغربي عادل لطفي.
العنوان مركب من كلمتين لتشكيل كلمة جديدة “الثلجنار” لم تعد تشبيهاً للثلج بالنار (الثلج نار).. صارت كلمة جديدة قائمة بذاتها، تقول إن الحياة مبنية على التناقضات أساسا.. ولا يمكن للحياة أن تكون غير ذلك.. وإلا ما عادت موجودة أبدا.. وعلينا نحن البشر وعي ذلك والعمل على تحقيق الانسجام بين هذا التناقض الذي لا بد منه.. هكذا هي الحياة حسب هذه التجربة.
في المجموعة نجد فعلا هذا العناق.. بين شاعرين ونصين.. يمثل أحدهما (عبد الرزاق) الثلج/ الماء/ البرودة، ويمثل ثانيهما (عادل) النار/ الحرارة/ الحرق.. الثلج/ الماء يطفئ.. والنار تشعل.. وكلاهما/ كلتاهما يؤدي/ تؤدي دورا ضروريا في الحياة.. الحياة هكذا.. داخل وخارج/ ميت وحي/ حاكم ومحكوم/ هكذا هي.. إنسان أيضا، صرامة عقل وسهولة عاطفة.. كره وحب.. اقتراب وابتعاد.
الثلج يذوب ليسقي الأرض فتنبت.. النبات يصير هشيما.. النار تحرق الهشيم لتعطي الشعور بالدفء لمستعملها الذي يقوم بدوره بعملية السقي للإنبات.. هكذا هي دورة الحياة في المتن.
تنقسم المجموعة إلى قسمين: تلوين الثلج – كتاب النار. – تلوين النار للجزائري لعبد الرزاق بوكبة
الثلج بياض، لون محايد، تظهر الألوان فيه على حقيقتها.. النار حرارة، تناقض الجمود، تناقض الحياة أحيانا.. أحرقت عبر التاريخ الكثير، أشياء وبشرا وكتبا أيضا.. لهذا هي كتاب فعلا، يمكن أن نقرأ فيه الكثير من ذلك المحترق. يلون عبد الرزاق ثلجه/ ثلجنا بالكثير من أشياء الحياة ولحظاتها.. يشير بدءا إلى أن الثلج ورقة.. والورقة تحيل حتما إلى الكتابة.. والكتابة حرارة حياة، فعل، حركة، لا جمود/ سكون.. لهذا يهديها (الورقة) إلى الصيف فصل الحرارة/ الحركة/ الحصاد.. في الومضة حركة كلام تنتقل بنا من الجمود إلى الحركة/ الحياة.. كأنه الثلج وقد مسته الحرارة فذاب ليسقي الأرض ويكون الحصاد.. في الومضة أيضا جوع يفتت الورقة.. الجوع يدفع حتما بصاحبه إلى الحركة/ الفعل لإيجاد ما يزيله من طعام، والصيف هو فصل تجميع ما سيكون ذلك الطعام: الثلج ورْقه كبيره
فتتها جوع الشتا
لمِّيتْها
وهْديتْها
للصيفْ باشْ يكتب حمْتو.
تناسق عميق بين كلمات وجمل الومضة.. الثلج أيضا يؤجج الحياة في الأرض.. يصفعها لتنهض من سباتها.. ولأن الاخضرار زهو الأرض/ زهو الحياة يسقيها فيكون الاخضرار والسلام: الثلج
صفعه بيضا
على خد الأرضْ
باش يخضارْ
بقول أيضاً:
الثلج فوق راس لحمامه: سلام بارد.
التناسق التام هنا أيضا.. البياض، الحمام رمز السلم والسلام.. يسقط الثلج على الكثير من كائنات الحياة وأشيائها.. يأتي الدب صديق الثلج الأبدي.. تأتي الصلاة.. الصلاة تحيل إلى الصِّلة/ الصِّلات.. والثلج صلة بين التراب والماء.. بين التراب والسماء.. بين التراب والبحر.. والحياة صِلات.. فوق الدب يصير الثلج فقمة.. والفقمة تحيل إلى البحر.. في الصلاة يصير حيرة.. والحيرة تحيل ربما إلى السماء.. ألا يلجأ المسلم وهو يصلي إلى السماء يناجيها ويبثها آلام الأرض وما آلت إليه حالها من فعل هذا الإنسان/ خليفة الله في أرضه وفق معتقدات المؤمنين بمختلف الديانات؟: الثلج
اللي في صْلاتي
حيره تْفتش عْلى روحْها.
الثلج فوق قبر الجد برنوس.. ليس فوق جسده.. جسده في التراب الذي يغطيه الثلج.. كأنه يحميه من برودة الدنيا.. ولأن البرنوس/ الثلج سيغوص في تراب القبر حتما فإنه لن يصل إلينا/ لا نرثه نحن أبناءه: الثلج
اللي فوقْ قبرْ جدي
برنوس ما يتورثشْ.. الثلج فوق قرميد البيوت يتبخر ويصير دخانا.. ترسل الشمس أشعتها إليه في الصباح وتصعد به إلى السماء.. كان في البدء بخارا ثم صار ماء فثلجا، وها هو يعود بخارا.. يا للعبة الحياة.. يا لدورتها.. نهار فليل فنهار فليل.. وهكذا.. بخار فماء فثلج فبخار فماء فثلج وهكذا أيضا: الثلج
اللي فوق القرمود
دخان صابح.. الحياة في الذات أيضا.. كأس الخمرة التي تحضن الثلج فيها تولد في الذات النشوة.. والنشوة فرح وغبطة، حب الحياة.. ينتشي الشارب وبعد لحظات تختفي نشوته.. يسأم، يتعب..إلخ.. لكنه ينتشي بين الحين والحين بالحياة.. مهما مل الإنسان حياته يتعلق بها.. هكذا هو دأبه في الحياة: الثلج
اللي في كاس الويسكي
نشوه ذايبه.. الثلج
اللي فوق الشجرة
تربة هاربه .. هكذا يقول في ومضة أخرى.. الشجرة صعود التراب إلى أعلى.. والثلج نزول الماء.. يختلط الإثنان: الماء والتراب..يلتحمان فتكون الشجرة/ الثمار/ الحياة.. يتوالى سقوط الثلج.. تتعدد الأشياء التي يسقط فوقها.. فوق الإنسان يسقط أيضا.. فوق أصابعه.. تتنمل الأصابع بفعل برودة الثلج.. تصير نملاتٍ تعبانة.. يُنزل بوكبة عينيه إلى الأرض حيث أشياؤها وكائناتها الصغيرة.. تكون النملات القرويات أول ما يرى.. لا شك في أنه قد داعب النملات في القرية بأصابعه.. حملها أحيانا، ورآها وقد صارت لها أجنحة وطارت أحيانا أخرى.. بين أصابعه والنملات علاقة حميمية لا شك.. يسترجعها بفعل تنميل الثلج لأصابعه.. هنا يمتزج الحاضر بالماضي.. هكذا هي الحياة أزمنة تتداخل وتتعانق في ذات المرء/ حياته.. ولأن الشاعر كان يكتب بأصابعه.. ولأن الأصابع تكتب العديد وتوجهه إلى العديد فقد دخلت النملات إلى أكثر وأخطر وسيلة اتصال في هذا الحاضر فصرن فتيات.. الفتيات فتحن للشاعر بريده الإلكتروني فراح يقرأ الرسائل ويكتبها.. الرسائل تواصل.. الثلج تواصل..النمل تواصل.. والفتيات تواصل أعمق أيضا.. قد يولد ذلك التواصل الخيبة.. لكنه يجدد نفسه:
الثلج
اللي في صْباعي
نملاتْ تعبانه.. المكان الذي لا يؤنث لا يعوّل عليه.. هكذا قال الصوفي ابن عربي الثلج/ الحياة أخيرا: الثلج
روح خفيفة
ما تتسمع كيتجي
ما تنشاف كِتروح.. هكذا هي الحياة.. لكن الحياة أيضا لا تتاح بالمعني العميق للإنسان كيما يعيشها إلا إذا تحدى صعوباتها وتسلق جبالها ووقف ملاحظا مكوناتها، متأملا فيها ومفكرا ليراها.. من هنا يكون الجبل المكسو بالثلج ويكون الثلج الذي سيذوب ويشق طريقه ماء عبر السفوح ليسقي السهول.. تماما كما يفعل المفكر/المبدع: يلاحظ ويتأمل ويفكر ويبدع ويبث ما يبدعه فكرا وفنا بين البشر: جبالي
تتسلفْ ثلجك
وتعطيك كانون السْما..
ولكون الجبل، قمته مكان رؤية ما حوله، ومن كل الجهات فإن الذي يكون في قمته وهو يرى ويلاحظ ويندهش سيحس بالكثير من الغبطة/ لذة المشاهدة.. أكثر من ذلك، يحس بالكثير من السعادة التي تجعله يراها في كل شيء.. السعادة تلك تدفعه إلى إيقاظ تلك الأشياء.. لهذا تأتي جملة التحية الإيقاظية متكررة في مجموعة من الومضات بدء من الغابة: صباح الخير
يا غابة الثلج.. وتتوالى: صباح الخير يا وردة الثلج.. صباح الخير يا روح الثلج.. وكأن الجبل وقد كساه الثلج وبقي فيه بعد أن ذاب في كل ما حوله قد صار وردة بيضاء وسط ما يحيط به.. الثلج وردة.. والوردة روح تعطي للحياة بهاءها حيث توجد: جْبالي تتسلفْ ثلجكْ وْتعطيك كانون السْما.. يا لجمال التعبير هنا.. ومن هنا يأتي الفرح الذي يوصل إلى حد الموت فيه.. ومن يموت؟ الشيخ.. الصباحات..الورود.. الفرح العميق.. كلها ترتبط ببداية الحياة/ النهار/ الفعل.. والشيخ نقيض كل ذلك.. لهذا كان لا بد أن يموت لأنه لا يمتلك قوة ووسائل مقاومة برودة الحياة/ صعوبتها.. لا يستطيع فعل عالم فرحه.. إنه عاجز.. والحياة للفاعلين فيها، لا للعاجزين عن صنعها بأيديهم: من فرحْتو
بْكسوة الثلجْ
مات الشيخ العريانْ
في ليلْ لمْدينه القضية ليست فردية بهذا المعنى.. إنها قضية المجتمع كله في عالم اليوم..ا لمجتمع الجامد البائس اليائس لا يمكنه أن يكون حيا هو أيضا.. لمدينة
اللي غطاها الثلج
ترقد على حكاية سوده
وتصحى على حكايات بلا لون.. لا يمكنها أن تلون البياض.. أن تبدع فيه الفكر والفن.. لا يمكنها أن توجد حضارتها الفاعلة، أو تشارك في حضارة اليوم بتنوعاتها واختلافاتها .. سيلفها السواد ليس إلا.. كأن في الكلام إشارة إلينا نحن هذا المجتمع العربي اليائس البائس الخامل الجامد في ليل استبداده السياسي والاجتماعي والثقافي.. أخيرا: قالت النار
للثلج
نقدر نطمع في لونك؟ ها هي النار تتقدم من الثلج/ نقيضها.. تريد أن تكون لها ألوانها هي أيضا.. فما هي يا ترى تلك الألوان، ألوانها؟.. من هنا ندخل كتاب النار – كتاب النار للمغربي عادل لطفي.. مثلما يستدعي الثلج النار لتدفئة الأمكنة والناس فيها يستدعي ثلج بوكبة نار اللطف/ لطفي.. في النار كتب يقرأ.. في بدء الكتاب إهداء: إليكِ.. إلي.. إلينا.. إلى لا أحد.. البدء أنثى.. منها نخرج كلنا، نباتا وحيوانا وبشرا.. وأشياء أخرى كثيرة لا حد لها.. لا أحد.. كلنا نحتاج إلى الشمس، أشعتها.. وإلا ما كانت الحياة إلا جمودا أبديا.. و: النار
طرف
من الشمس
طرف يتيم.. كلمة يتيم تثير الشفقة، الرحمة في النفوس وتحيل أيضا إلى الألم/ المعاناة.. هل هي معاناة إنسان اليوم حيث تراكمت برودة المشاعر وصار الفرد يتيما فاقدا من يحس به ويبادله مشاعر التآزر الحميمية، وذلك بفعل انقلاب القيم وزوال الكثير مما هو إنساني منها؟.. لا شك.. لهذا نجد الشاعر يشتعل من الداخل ألما.. يبحث عمن يطفئ لهيبه.. يبحث في عينيها.. عيني من؟ أهي الأنثى الآدمية أم هي الدنيا؟ في الحالتين هو يرى ماء الصفاء/ الوضوح/ الحياة.. واضح ما يقرأ في كتاب النار.. لكنها نار الداخل.. نار الأعماق.. ولم يقل الشاعر بأن ذاك الماء قد أطفأ حريق قلبه.. الحريق شرب الماء.. لكنه لم يدل على انطفائه.. على النقيض من ذلك تماما.. زاد التهاب ناره.. وكيف ينطفئ والحال ما نرى عليه
في عينيك
مويهة صافية..
شربها حريق قلبي..
زْنْدت العافيه.. لهذا لا يختلف الشاعر عن طائر العنقاء.. يحترق ليولد من رماد احتراقه شعرا وهاجا دالا على تواصل حياته/ إبداعه.. كأنه يقول: لا إبداع بدون احتراق الداخل/ ألم الشاعر.. لا إبداع بدون تجربة تعانق آلام البشرية في حاضرها، تماما كما عانقتها تجارب الشعراء الحقيقيين عبر تاريخ البشرية.. النار إذن طريق الإبداع.. أليست النار حرارة مقاومة البرودة الثلجية/ برودة الجمود؟ الحرارة هي ما يؤدي إلى الحركة/ الفعل في الحياة.. إنها العنصر الذي يحرك البشر ليعملوا.. والنبات لينمو.. والحيوان لينجب ويعطي.. والآلات لتعمل وتنتج أيضا.. إنها قلب الوجود/ روحه: النار
روح العنقا والروح تنشد الانعتاق من كل ما هو قيد لها.. لهذا هي تشتاق.. والاشتياق احتراق آخر.. المشتاق إليه أنثى أيضا.. إنسانة أو دنيا.. في الحالتين يذوب كلام الشاعر.. يسري في الحياة.. يخرج من جموده ليفعل في الحياة.. تماما كما يفعل الثلج.. يشرق الكلام.. في إشراقه ذاك شمس تدفع إلى الحركة/ الحياة.. هكذا يبدع الشاعر قصائده.. تماما كما تبدع الشمس أشعتها.. وكما يبدع الثلج سيلان مائه.. الدافع في كل تلك الإبداعات هو الحرارة/ النار.. والمبدَع له هو الحياة.. هكذا هي النار: في نار شوقك
ذابت حْروفي شْرق لكلام
ولأن كلام الشاعر هو قصيدته/ قصائده، فإن أية قوة مهما كان عتوها يستحيل أن تطفئ تلك القصيدة، قصيدة/ قصائد الشاعر/ ناره: لقصيدة
جمرة كادْيه
بْغى يطفيها السكات
ماقْدرشْ
يتوالى بعد كل هذا الألم الشاعري المتحدي في الحياة ومن أجلها ما تفعله النار في هذه الحياة: – تذيب الشمعة لتزيل الظلام.. لتفتح الباب للحكي.. هكذا في القرى التي لا كهرباء فيها.. هكذا للشاعر في تلك القرى ليكتب تأمله/ ألمه وأمله.. ليحكي.. والحكايات عسل صغار القرى.. وكبارهم حتى: النار
اللي كْلات الشمعه
كانت طامعه في العسل..
تبدو على الشفائف أيضا.. إغراء تبدو، تماما كما تغري الفراشات.. يحترق الشاعر وتحترق الفراشات.. هذا قدر الإثنين.. هكذا الحياة.. نولد في النار.. نحيا ونموت فيها وبها.. في حضورها وفي غيابها أيضا: على شفايفك نار كادْيه
ترميت فيها
بردت وْسلْمتْ كل كائنات هذا الوجود ،كل أشيائه تعانق النار لتحيا.. ولأن الماء أساس الحياة في هذا الوجود، فهو لا يفعل، لا يحقق وجوده كدافع للحياة في ذلك الوجود إلا بمعانقته النار.. الثلج يذوب بفعل النار/ حرارتها .. يسيل ليسقي ويبعث الحياة في كائنات الوجود.. ومثلما كان ثلج بوكبة ورودا بيضاء على قمم الجبال كانت نار لطفي نوارا ( في الظلام) ظلام الطبيعة وظلام جمود مشاعر الإنسان.. الثلج يذوب ليسقي ما حول الجبل.. والنار تفتح باب الظلام.. تسمح للتائهين الباردين جسديا إلى القدوم إليها ليتدفأوا.. وتفتح القلوب أيضا لتحب وتحيا وتشعر بالآخر.. أوليس الحب باب الإحساس الأول بالآخر؟ أوليس هو رابط الناس ببعضهم البعض حميميا؟ الماء عنصر الحياة الأول.. الحب عنصر الإنسانية الأول.. هكذا يتعانقان ليجعلا من وجود الكائنات حياة مليئة بالفاعلية والسعادة: الما يْلا عطش يعانق النار.. و من هذا المعنى تتوالى الكلمات والجمل التي تحيل إلى الحب.. وتبرز الأنثى مداره.. الأنثى امرأة /دنيا..و.. ما زال شاعلْ كتاب النارْ
* شاعر من الجزائر




