خرائط الهاوية / قصة قصيرة / عفيفة أم الشيماء *
بواسطة مسارب بتاريخ 7 نوفمبر, 2014 في 10:30 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1305.

والدتُها مكوّمة على سّرير يئطّ منذ يومين لنفاذ دوائها، تُلملم وسادتها الرّثّة أنينها، على ارتفاع شبر من رأسها زجاج النّافذة مكسور، ينفخ زمهريرا، ينخر عظامها الهشّة… أشياء من شاكلة الخنجر تحزّ خاطرها وهي تقصد الجارَة الثّامنة تستدين منها ما تعيد به إلى أمّها بعض عافيتها.

من غير موعد مسبق التقتْ صديقتَها الحميمة التي ما اتّخذت من بعدها صديقة وهما تعبران ذات الشّارع؛ لأوّل مرّة منذ افترقتا زهاء عقد من الزّمان بعد رحيل هذه الأخيرة. تحاضنتا بقوّة، تعانقتا… أبهرها ما رأت منها من تبدّل الحال.. تساءلت: أين تلك الطّفلة الشّعثاء المهزولة، التي ما انفكّت تدافع مخاطها وهو يغلبها، ونعلها المرقّع؟… نظرت إليها في دهشة؛ ما أجمل ما صارت إليه!؛ جسدها المنحوت؛ لا بدّ أنّها تمارس السّباحة أو ما شابه، قُصّة شعرها المتموّج اللّامع، أظافرها، بشرتها، وجهها المرسوم النّاعم تنْبئ عن عناية كبيرة، وخبرة أكبر، عطرها الذي يصيب صخرا بالدّوخة، سترتها الجلديّة، سروالها  الأقرب إلى دهان على الجسد منه إلى لباس، حقيبتها الفاخرة… مسحت على شعرها المتقصّف باستحياء، نزلت ببصرها إلى يديها الجافّتين؛ معصميها الموصومين بآثار “الطاجين” من شيّ “خبز المطلوع”، أظافرها المهترئة من الغسيل اليدوي، وزواياها المسوَدَّة من كشط الدّخّان العالق بالقدور الذي يخرج بقدْر اللّهب من فرنهم المتهالك يوميا… سريعا أخفتهما خلف ظهرها…

 غاصتا على متن حديث ذي شجون في بحر الحرائق، والنّكبات، والنّكسات، وتبادلتا أطراف الأنين. عرفتْ أنّها حصلت على عمل يدرّ عليها من الرّبح وافره، ولم تفصح لها عنه، وأنّها أقرب ما تكون فيه إلي نجوم الشّاشة… سألتها: كيف حال أمّك؟

– هذا الدّواء في يدي لها، إنّها تعاني من داء السّكريّ، وأصيبت مؤخّرا بارتفاع الضّغط بعد موت أخينا الوحيد، إلى هشاشة العظام كما تعلمين… تفقّدت الوقت على معصمها، قالت: هذا رقمي في الخدمة، لا تتردّدي إن احتجت لأيّ شيء! أنت أكثر من صديقة. وانصرفت تعتذر لضيق وقتها. تبعتها بعينيها مشدوهة، مذهولة حتّى نأتْ وتوارت. عادت إلى البيت وصورتها لا تفارقها… صاحبة سقفهم الذي يثقل الشّتاء أكتافه، ويضنيها الصّيف تطرق الباب، جاءت للمرّة ما بعد الصّبر بأشواط تترجّاهم الإيجار… إنّها ساعة الاعتصار والاحمرار، وما حصلت عليه اليوم من فُتات مقابل تنظيف بيت العجوز الثّريّة سدّدت به دين البقّال المكدّس. لطالما تمنّت عملا يحفظ ماء وجوههنّ ويسدّ بعض خلّتهنّ ويستر سوءاتهن. الغاز والكهرباء قُطعا منذ يومين. لا جهة رسميّة قبِلت تشغيلها لانعدام مؤهّلاتها، ولا أيّ جهة أخرى… حتّى سعيها الحثيث لتعمل منظّفة في أيّ مؤسّسة عموميّة باء بالخيبة؛ عشرات الأسماء على القائمة الإضافيّة. قرّرت الاستنجاد بصديقتها تسألها مساعدتَها في الحصول على عمل ولو مؤقّتا. سَرّها الطّلب، ورحّبت بها:

_ أنت أكثر من مناسبة، وربّما أوفر حظّ منّي… كيف لا! وأنت الفاتنة التي تُغرق النّاظر إليها… لا تحملي همّ مستواك الدّراسيّ، أميطي ما استطعت من الأذى عن وجهك، ضعي أجمل ما عندك من ثوب! سآتي لأخذك بعد نصف ساعة.

زفّت الخبر ساخنا إلى والدتها، لم تصدّقها حتّى عادت آخر المساء قليلة الكلام، غائبة البسمة بعد تقييم المؤهّلات، واختبار الأداء الذي اجتازته بتقدير ممتاز. استغربت الأمّ حالها، سألتها: ألم يقبلوك؟

حرّكت رأسها بفتور، وبنبرة التّيه والجفاف ردّت: بلى!

- ولم لا يبدو عليك الفرح؟ ألم ترغبي في العمل منذ سنوات؟! أم أنّ راتبها هزيل؟

- بلى! راتبها مُغر جدّا! وإنّما هذا عمل لم يرد على خاطري يوما.

- ما هو؟

- إنّها شركة خاصة جدّا في المدينة المجاورة لتفصيل الملابس للبدينين، والأقزام، والمعاقين، والعميان، وعليّ بذل قصارى الجهد… أنا ضمن فريق المناوبة اللّيليّ.

 يزعجها مشهد الغروب ويثير في نفسها الخوف والجزع… تمقته… يوحي لها بالأفول، بالموت، بالنهاية، بالانتحار… احمرار قرص الشّمس يؤذن بهجوم ظلام ليل آخر… ترى الظّلام وحشا أسود يطبق عليها فكّيه فلا زحزحة لها ولا حراك… إذا أُشعلت المصابيح الشّاهدة على ضيق الأرصفة، وهدأت الأقدام الصّغيرة، وسكن المبتعدون إلى دفء الأحضان… توارت تحت ملاءة سابغة، استأجرت سيّارة صفراء… تؤدّي عملها بإتقان، ملزمةً عاتقها الطّريّ بحمل إرث والدها الثّقيل؛ أمّ ممراض، وأربعة أخوات، وسمعة لبِسْنها أنتنَ من جيفة…

حين يأذن الفجر بالطّلوع، تؤوب، تضبط التّلفاز على قناة للقرآن الكريم بصوت خفيض، تأوي إلى فراشها، وأوصالها تنبض تّعبا، وجَهدا، يحاصرها طيف والدها، يبلّل الدّمع طرف وسادتها، تتنهّد تكظِم بثَّها، تغمض جفنيها ترجو حلماً سعيداً في منامها تبحث فيه عن أشيائها المسلوبة الملوّنة بألوان أحلامها المغتصبة…

دفعن الإيجار المتراكم، استأنفت الأخت الصّغرى دراستها بعد التّوقّف عاما مقهورة، ما عادت والدتها تمرّ بفترات نفاذ الدّواء، غيّرن أثاث البيت وفرشه… ما عادت بهن خصاصة، تبدّلت حالهن كما لم يحلمن أبدا.

منذ أيّام وأخت أخرى لها تلحّ عليها بالعمل معها في مهنة “التّفصيل” وقد باتت لهنّ أحلام خارج دائرة الأولويات. وفي كلّ مرّة تخبرها:

- إنّه عمل مضن، سيهدّ كاهلك. 

- لستِ أفضل منّي!

وضعتْ ذراعها على كتف أختها، ضمّتها إليها، ثمّ بمرارة قالت: ربّما سأكلّم سيد عملي في أمرك؛ لكن أخشى كلام النّاس عنّا.

- وهل بقي لنا ما يلوكونه؟… ألا يرون أنّ أبصارهم أصابها العمى حين كان ثوبي رثّا مرقّعا، فما بالهم صاروا كلّهم زرقاء إذ حسُن وفخَر!، لمَ لمْ يساعدني أحدهم على استعادة أبي حين استبدلنا بفتاة في مثل سنّي، التقطها من المرقص اللّيليّ، ذهب منذ خمسة أعوام ولن يعودـ، تركنا للمجهول؛ لا طلّق أمّي ولا راضاها… لا أحد  يكترث لحالنا… عانسات نحن لا محالة؛ لا رغبة لشريف فينا!.

ما لبثت إلاّ قليلا وانضمّت إليها أختها. وها هي تلبس اللاّمع المتلألئ الشّفاف، شحيح القماش، تتقاطر سحرا… تصعد المنصّة يكاد وجهها ينفجر دما، تلتهمها العيون من غير التهام، تتعثّر… يستدرك أحد الغلاظ على اليمين وعلى الشّمال وقعتها كما حدث تماما مع أختها يوم اعتلت المنصّة لأوّل مرّة… أغمي عليها من هول ما رأت؛ كلّ تلك الوجوه القبيحة التي تملأ القاعة عن آخرها، من المشرّدين عاطفيا، والمقصيّين من لعبة الحياة… تُشرع لهم أبواب الغواية، والرّغبة على مَصاريعها… يصيبهم هُياج، يرشقونها بقرون بقر “البيزون” الحمراء… ترضيهم، تمتّعهم، تروي عيونهم الظمأى، تلج بهم إلى حصائد الفرح الممسوخ، تسقيهم النّشوة قداحا جافّة، ما دامت أقدامهم القذرة لم تتجاوز عتبة المخرج  وقد دفعوا… تتلوّى كأفعى، تهتزّ كمَمْسوس، ترتعد كقطيطة تحت الأمطار ناظرةً إليهم بقدر ما تحتقرهم تشفق عليهم وفي أعماقها شيء لا يمكن تكذيبه أو دحضه؛ هذا التّشرّد والقحط يجعل للشّبه نصيبا بينهما، ويجمع بينهما في مصافّ واحد، فتألف عيناها المنظر، وقدماها تَناوبَ الحركة على الخشبة في أكبر حانة في المدينة يملكها أشهر أعيانها سرّا… في الكواليس تنتظرها غرفة بستائر الدنتال، وإضاءة منافقة، يدخلها أطولهم يدا… تمقتهم، تمقت حبّها الأوّل فيهم، كلّهم وجه أبيها، وجه نكستها، فجيعتها، بؤسها مذ جرّها من يدها الطّريّة إلى غرفته وأمّها ممدّدة على فرش  الأسقام… تفلّتتْ لكنّ الجبل كان أكبر من الحجر، وسقط دمها من دمه… ثمّ تحترق كالشّمع في حميم غلس الشّهوة، والزيغ رفقة صديقتها الحميمة؛ حتّى إذا ما وضعت خدّها على وسادتها تعود متعبة الفؤاد عجوزته، تتواشقها التّناقضات، وهي ما فتئت تقف على أعتاب شبابها الأولى.

الاثنين  16 سبتمبر 2014

 



* قاصة من الجزائر

 

اترك تعليقا