الأرصفة متلفعة بسواد مريب يكسره قليلا ضوء مصابيح خجولة تنتصب أعلى أعمدة اصطفت كعمالقة يؤدّون طقوس الولاء لهذا الليل البارد،كنت أجرّ الخطى مثقلا بشيء لا مرئي، عبرت شارع العقيد لطفي، توقفتُ طويلا في شارع الزاوي دياب و قد قذفتني إلى المكان لحظة تيه سأحدثكم عنها لاحقا، المهمّ أنّني حاولت الإفلات من فكيها لأتأكّد بأنّ الليل لا يغيّر شيئا في المكان،قد يلبسه صمته الذي تكسره القطط و الكلاب المتشرّدة بأصواتها المتمرّدة على هدوء المدينة الطارئ كلّما حلّ الليل ضيفا و هي تعرّي ما سترته المزابل..عدت إلى بيتي كجندي يعيش حالة استراحة من معركة ؛ عدت إلى عمارة لا تنتمي إليّ..صعدت أدراج السلّم الموبوء بأكياس البلاستيك و بقايا الأكل، مزبلة مرشوشة على هذا الهيكل الذي يقودنا إلى شققنا. والدة جاري خالتي الياقوت تلك السيدة الطاعنة في السن و في الوجع، منذ مدّة لم أرها ، ها هو هذا الليل يقذفها إلى طريقي، كما عرفتها دائما كانت تلبس ليزار؛ لباسها الأصيل، و تغطّي رأسها بالغنّاس الذي نسجته بأناملها السمراء،أعرف جيّدا هذه التفاصيل و قد زرتها رفقة ابنها جاري خليفة أكثر من مرّة في بيتها الصغير في الزاوية التحتانية بمدينة تاغيت، رافقتها إلى الجنان أين تقضي معظم وقتها، تنزع الحشائش الضارة ، و تعتني بالأرض.
أذكر أنّها كانت تضع على رأسها الغنّاس الأسود ، و تربط حول خاصرتها حزاما غليظا من الصوف ، تمشي أمامنا في شموخ نخلة صحراوية لها صبر الجمال . صوتها كان يسكب في روحي إكسير الفرح فلا أملّ من غنائها :
باش نبداوْ ذكر الله يا القوم العيانا
بالصلاة على محمد هكاك بغيت أنا.
كنت أشعر لحظتها و كأنّ الشمس أشرقت لأجلها و حنت على سمرتها فتوهّج مبسمها ببريق حفظ للأمومة صدقها ..الرمل كان ينساب من كثيبه من جهة و الجبل الصغير كان يبرز صامدا متأمّلا للجنان من الجهة الأخرى و خالتي الياقوت و الفلاحات يتنقلن كفراشات ربيع بعثه صفاء المكان ..كم كنت أمتلئ طمأنينة بينهنّ. خالتي الياقوت امرأة قوية استطاعت بعد وفاة زوجها أن تعتني بالحقل و أن تربّي أبناءها و أن تعدّهم للمستقبل الذي تحلم به.خليفة الوحيد من بين أبنائها الذي استطاع مواصلة دراسته،سافر إلى مدينة وهران ،التحق بالجامعة هنالك و تخصّص في الصيدلة.موسى الابن الأكبر لخالتي الياقوت ظلّ سندها في الجنان، البنتان تزوجتا و بقي الأصغر إبراهيم يشتغل في البلدية. و ظلّت خالتي الياقوت متمسكة بأرضها تقول: احمدنا ربّي على الماء و على التمر. تقول عن ابنها موسى:
-هو حَوْليَهْ و غنّاسي..
حدّثتنا مرّة عن حلم رأته و هي تحمل موسى في بطنها ، رأت فيما يرى النائم بأنّ والدتها ألبستها الغنّاس، بدا مزركشا بألوان مختلفة. الرؤيا كانت بشرى لها بإنجاب ذكر يكون سندا لها في الحياة، و أنجبت موسى.
موسى هو الذي يفهمها كما تقول، و هو الذي بقي صامدا معها في الزاوية التحتانية. ها هي خالتي الياقوت الليلة أمامي تحاول أن تسدّ أنفها و هي تقف في الطابق الثاني لتأخذ قسطا من الراحة، كي تستطيع مواصلة الطريق إلى شقة ابنها مستندة على ذراع ابنها الأصغر إبراهيم. سلّمتُ عليهما،قبّلتُ رأسها فاجتاحتني روائح الأعشاب البرّية التي تتعطّر بها، و بقيت رائحة القرنفل المجفف عالقة بروحي.. عرفت من الشاب بأنّهما وصلا في هذا الوقت المتأخر من الليل من قريتهما البعيدة لتطمئن خالتي الياقوت على ابنها المريض خليفة الصيدلي . كنت زرته البارحة في بيته و انتبهت إلى غياب الفرّاشية التاغيتية و فراش البراكنو التاغيتي، رأيت كيف أنّه استبدلهما بالسجاد الإيراني و السجاجيد الصينية،الأهمّ أنّني رأيت كيف أنّه يتماثل للشفاء ، قلت له مازحا: أعرف ما بك يا خليفة، أنت بحاجة إلى خبزة بصل من يد خالتي الياقوت، و شربة ماء من ساقية الجنان.
أدرك بأنّ خليفة لن يعود إلى الزاوية التحتانية؛ قال لي ذات مساء خريفي بصوت واهن بأنّه في البحث عن آفاق أوسع، و بأنّ الرمل يخنقه. منذ مدّة بدأ التخطيط للعودة إلى مدينة وهران و الاستقرار بها، أراد أن يقنعني بأنّ الرمل قد يظلمنا، قد يجرفنا مع صخور الأيام فنرتطم بالعدم..و أنا كنت بحاجة إلى رمال تاغيت و سحر قصرها العتيق،لكن هل فعلا أنت ظالم أيّها الرمل؟
——————————————————-
رواية الخابية : صدرت عن المؤسسة الوطنية للنشر و الإشهار
* قاصة وروائية من الجزائر



