قصيدة “والآن ؟ …” لعيسى قارف وجديد قراءتها الكاشفة من منظور العَروض البصري وبلاغة السطـر / أبو الخير عماري *
بواسطة مسارب بتاريخ 23 نوفمبر, 2014 في 08:53 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1616.

(1) كلّ قصائد الحداثيين المبدعين تتوزّع (بوعي أو غير وعي) سطورُها وفقّ معايير متحكّمة في وضع كلّ سطرٍ مكانه .. وفي قراءتي لقصيدة الشاعر الجزائري / عيسى قارف : “وَالْآن ؟ …” ستكتشفون بعضاً من أسرار العَروض البصري وبلاغة السطر لعلّي أمهّد بها لدراسة تكون أشمل عن فكرة العَروض البصري وبلاغة السطر لاحقاً . يفتتح الشاعر نصّه بِأوّل سطوره بكلمة واحدة : “وَالْآن ؟ …” منبورةً وحيدةً بصيغة استفهامية دلّتْ عليها العلامة الموضوعة أو قراءة الشاعر ذاته ، متبوعة بعلامة الحذف بنقطها الثلاث وكأنّي بالشاعر يؤكّد وحدانية ذلك السطر بكلمته الوحيدة تلك تعبيراً عن آنِهِ المتوحّد بين الأزمنة العديدة قبل الواو السابقة على الآن ممّا يثير دهشةً بلاغية تستعصي على تفيئة حرف الواو في أيّ معنى يكون وهو من الأحرف الارتدادية الثلاثة ؛ وكأنّ مبتدأ ما قبل الكلام يشبه المنتهى منتهى “الآن” !! ومعَ “وحيداً كالمتنبّي” ترتبك الحال في إسناد الوحدة إلى أيّهما : الشاعر أم الآن (آن الشاعر) ؟؟ .. لكن الإمعان في تموضعها السطري من حيث بلاغتها المنظورة فإنّ الموصوف حالاً بالوحدة يكون المسؤول عنه دلّتْ عنه وحدانيته وأوّليته في السطر أوّلاً ثمّ السائل المستفهم دلّتْ عنه قرينة التشبيه بشاعر آخر فريد الطراز مثل المتنبّي إذْ هذا الأخير قدْ ملأ الدنيا وشغل الناس ؛ أليسَ من قال : “أنا الطائر المحكيّ والآخرون الصدى” وكأنّي بالشاعر المشبّه نال حظّه من معنى التفرّد والوحدة من المشبّه به !! وفي مقام الوحدة يركن المقطع الشعري وحيداً في أوّل النصّ وفي الواجهة شاعران وحيدان من آنيْنِ مختلفيْنِ غير أنّ تلك الوحدة تمكّنتْ منَ المتنبّي حتّى في كتابات النقّاد فصار بذلك علامة فارقة في سيرورة الشعر العربي قاطبةً ؛ أمّا صاحب النصّ فإنّ وحدته تختلف عن وحدة المتنبّي فهي تنبُّهية بدلاً من كونها تنبُّئية ولا شراكة بينهما سوى تشبُّهية الشاعر بالوحدة . (2) والْآنَ لِفاكهة الناسِ سَأَبكي لِخيانةِ كفّيَّ لِأحلامِ الشارعِ بعد خطانا ، مَنْ يَنثرُ لِلْأطفالِ الْحلوى مَنْ يَخلقُ لي .. فرحَ النظرة أوْ يُرجعُ لِلنبضات الْعسلَ الْهاربَ °°° يمثّل المقطع الثاني من نصّ”والآن” موقع استقلالية الشاعر يخصّ وحدته يمكن شطره إلى حيثُ امتداد الفاصلة حسب إملاءات التوزيع الخطّي للأسطر هكذا : “والْآنَ لِفاكهة الناسِ سَأَبكي لِخيانةِ كفّيَّ لِأحلامِ الشارعِ بعد خطانا ،” فبالإمكان رصفها جميعاً في كتلة نصّية ؛ لكنّ الشاعر مارس على تلك الكتلة التشتيت المرتبط حيث كلّ سطر يرتبط بالّذي يليه أو ما يُعرف بالتضمين في النظم ، والتكرار الملاحظ لحرف اللام يعبّر عن داعٍ من دواعي التشتيت كمعيار بديعي من معايير التحكّم في ظاهرة السطر .. وتحكيم العَروض البصري هنا على نمط هذا التشتيت ووصفه بالناقص أو المخلّ هو لوجود سطر داخل سطر في هذا المثال : “والْآنَ لِفاكهة الناسِ سَأَبكي” وكمال التشتيت يكون بالتوزيع السطري الآتي : “والآن .. سأبكي لفاكهة الناس لخيانة كفّي لأحلام الشارع بعد خطانا” ولخصوصية تطبيق العَروض البصري على قصيدة النثر فإنّ علّة تطبيقه على الموزون تصطدم بإلزامات العَروض السمعي أو الخليلي أو الكِلاسي .. ولا يمكن الوصف هنا بالإخلال ممّا تعلّله بلاغة السطر . وأنبّه هنا أنّ قراءتي ليست لتفسير النصّ والحكم عليه وإبراز جماليات قد تكون موجودة بلْ هي تطبيق لمفاهيم وأحكام من صميم العَروض البصري وبلاغة السطر لا غير ؛ لذلك ترتبط قراءتي بالمنظومة السطرية للنصّ بوصفها تشتيتاً يماهي المنظومة الشطرية في النظم والقصيدة العمودية . والمعلوم سلفاً أنّ الإيقاع يمثّل في قصيدة التفعيلة المعيار الأوّل وأنّ القافية هي نقطة توتّر التشتيت أو فاصلة القطع ولكون هذا المقطع تحديداً خالياً من فواصل القطع الإيقاعية فإنّ نُقط توتّره تنبثق من الفاصلة التكرارية والّتي تصنع موسيقى غير نمطية تختلف عن إيقاع الرويّ . والآن بالانتقال إلى الإملاء الثاني للتوزيع نجد الكتلة السطرية قد تشتّت بالمعيار التكراري السابق وهذه المرّة مع”مَنْ” بحركة وسكون مرّة واحدة أي بفارق عددي ، حيث الأوّل كانت قيمته التكرارية تساوي ت2 وفي الثاني ت1 ؛ هذا الفارق التكراري يُحيل إلى تمرير دلالي متناقص لجعل الغايات المرجوّة من ت2 تفوق توسّلات الشاعر في وحدته للحفاظ على قدرة دافعياته الشعرية السابقة والماثلة والمرتقبة في ت1 … وقد كانت لديه إمكانية إضافة فاصلة تكرارية جديدة كالآتي : “من يُرجعُ لِلنبضات الْعسلَ الْهاربَ” بدلاً مِن : “أَوْ يُرجعُ لِلنبضات الْعسلَ الْهاربَ” حيث الملاحظ هنا تكافؤ “أو” و”من” من الناحية العروضية من خلال الحركة والسكون ؛ وربّما تعمّد ذلك يؤكّد تلك الإحالة المذكورة آنفاً باختزال ت2 إلى ت1 من أجل التمرير الدلالي المتناقص . في الأخير ، ومن وجهة بلاغية ترسمها إملائية السطر فإنّ الشاعر قد تجاوز علامة الترقيم الاستفهامية للانزياح بالجملة الاستفهامية إلى عدمية الاستفهام والتحوّل بنا إلى وصل المعنى معنى البكاء وغائيته فكأنّه يريد أن يقول أنّ بكائي وأنا صاحب البكاء من يتوخّى تلك الأشياء الجميلة والمرجوّة فهو إذاً لا يسأل !! (3) وَالْآنَ ؟ أَعلمُ أنّي لمْ أرسمْ طفلاً يُرضيكَ إلهي .. أَدخلني روحَ امْرأةٍ لمْ تَخلقْها متاعاً لِلْأشياء ! أَدخلْني صلواتِ الْماءْ . °°° هذا هو المقطع الأخير من قصيدة “والآن ؟” .. ينتهي عند “الآن” الثالثة للشاعر وكأنّه استوفى محور الزمن بتلك المقاطع الثلاثة ؛ ففي ماضيه كان وحيداً ووحيداً كالمتنبّي ، وفي حاضره بثّ شيئاً من توجّساته وتوسّلاته ، وهو الآن يقفز بنا إلى مستقبل يطلبه ممّن لديه ينبوع الخلق المتدفّق … مكتفياً قبل ذلك بهذا السطر / اللوحة : “أَعلمُ أنّي لمْ أرسمْ طفلاً يُرضيكَ” في هذا السطر المكتفي يبرز ضميران متّصلان هما : ياء المتكلّم في “إنّي” وكاف المخاطب في “يُرضيكَ”، وبين “أنا” و”أنتَ” مسافة من طفل لم يَكُ فيه بين ماضيه وحتى الآن صورة مشبعة للشاعر/ الرجل ؛ وحالة اللاإشباع أو عدم الرضى المائل شعرياً متجذّرة من الطفولة وهذا ما علمتْ به تلك اللوحة المونولوجية بين الشاعر والشاعر ! ثمّ الوثوب المباشر إلى من يملك القدرة على بعث لوحة جديدة تمكّن الشاعر من البقاء طفلاً قد يكون محلّاً للرضا الممدود مستعملاً شكلين اثنين من التوتّر وفي فاصلتين اثنتين يلتقي فيهما الإيقاع بالتكرار : “.. أَدخلني روحَ امْرأةٍ لمْ تَخلقْها متاعاً لِلْأشياء ! أَدخلْني صلواتِ الْماءْ .” وهذه صورة مدهشة ولوحة فائقة وحال مُرضية أن يكون الشاعر طفلاً بريشة إلهية تُدخله “روح امرأة” نزّهها ربّها عن متاع الأشياء ؛ ليكون محرابها هو مكانه المقدّس لتلاوة صلواته المائية تعبيراً عن القدسية والتطهّر والاستمرار كالّذي يصنعه الماء بامتداد الحياة في مواجهة دائمة للزمن والموات والانجفاف ؛ هذه هي اللوحة الّتي أرادها الشاعر وثوباً إلى المستقبل ، وهذه هي القصيدة الّتي جعلها واجهة الديوان في اختيار دقيق للإيقاع واكتفاء مقصود بإيقاع واحد عبر كامل نصّه من خلال أعمق رويّ مسبوقاً بحرف ممدود باحثاً عن العمق والامتداد خاصّة إذا كان ماء الشعر ينبع من محراب امرأة في شكل متكرّر للدخول !! .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاص وناقد من الجزائر

اترك تعليقا