من أجواء ملتقى الجلفة عن راهن الأدب الجزائري في طبعته الثالثة :/ فاطمة بن شعلال*
بواسطة مسارب بتاريخ 3 ديسمبر, 2014 في 09:29 صباح | مصنفة في أخبار ثقافية | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2230.

رغم كل الظروف التي كانت لتمنعني من السفر ، من أسباب العمل والبيت وإصابة ساقي الأيمن …الخ، قررت أن أسافر ، فهذه المرة يمّمني قلبي نحو مدينة الجلفة ولم أندم أبدا إذ طاوعت وجهة قلبي.

لم أتمكن من الحضور  في اليوم الأول للاستقبال بسبب ظروف العمل، مما حزّ في نفسي كثيرا..

و قي اليوم الموالي، قصدت محطة خروبة لسيارات الأجرة ما بين الولايات . كانت الساعة ال10 صباحا. 
وجدت سائق سيارة أجرة ينادي على المسافرين إلى عين وسارة. ولأنني لا أعرف المنطقة ، اعتقدت أن عين وسارة تأتي بعد مدينة الجلفة.
ركبت وانتظرنا حتى اكتمل عدد الركاب، و قبل أن تنطلق بنا  السيارة، كلمت السائق قائلة:

-أنا لن أكمل المشوار معكم إلى عين وسارة، بل أرجو أن تنزلني بمحطة الجلفة.
 -لكننا لن نصل إلى الجلفة ، نهاية مطافنا هي محطة عين وسارة وبينها وبين الجلفة 100 كلم.
. اعتذرت للسائق ونزلت وكانت الساعة ال11 أو أكثر قليلا
وجدت سائقا آخر ينادي على المسافرين إلى الجلفة، قصدته وقال إنه ينقصه راكب واحد وننطلق.
طلبت منه أن يأذن لي بالركوب في المقعد الأمامي بسبب إصابة رجلي التي يجب أن امدها تخفيفا للألم، وكلي يقين أنه سيفعل خاصة أن العادة جرت أن تركب المرأة بجوار السائق إذا كان كل المسافرين رجالا.وقد كان كل المسافرين رجالا.
لكن الراكب في المقعد الأمامي، أبدى رفضا راديكاليا في “التنازل” عن “مقعده” بطريقة جعلني أعتقد للحظات أنه “مقعد” في “البرلمان”.
أمام قلة ذوقه ، قررت ألا أقل نفس السيارة معه.
انتظرت ليكمل ذلك السائق عدد الركاب الناقص وهما اثنان بعدما رفضت أنا الركوب،  ليتقدم السائق الذي يليه في الدور.

استغرق الأمر ساعتين لننطلق – و قد احتللت هذه المرة المقعد الأمامي- وكانت الساعة الواحدة ظهرا.

ورغم أن مدينة الجلفة لا تبعد عن العاصمة سوى ب 300 كلم، لكن الطريق إليها كان سيئا و مزدحما و متعبا وطويلا ، ولم يخفف عني وطأه سوى اتصالات صديقي “بلقاسم شايب” المتكررة ، وهو أحد المنظمين للملتقى، يطمئن عليّ في كل حين.
دخلنا مدينة الجلفة وكانت الساعة السابعة والنصف مساء. وجدت صديقي الافتراضي  بلقاسم شايب ينتظرني على قارعة الطريق ، قبل دخولنا المحطة النهائية.
رحّب بدفء أنساني تعب السفر، وأنزل حقيبتي من سيارة الأجرة ثم ناولني إياها لنسير بضعة خطوات للسيارة التي أقلتنا إلى إقامة الولاية.
أفتح هنا قوسين لأبدي، هكذا على عجل، استغرابي قليلا من حركة صديقي بلقاسم، إذ كيف له لم يلتزم بالايتيكت فيحمل عني حقيبتي، وسلمني إياها فحملتها وأنا أجرّ ساقي المصاب جرّا ؟

طردت الأمر من رأسي وقلت في نفسي : ربما بالنسبة لرجال الجلفة ، أن يحملوا حقيبة سفر ثقيلة عن امرأة يعتبر “عيبا” في عرفهم.
طوال طريقنا إلى مكان إقامتنا لم يكف بلقاسم عن عبارات الترحيب الدافئة التي لن أخفيكم، غطت على برد الجلفة القارس.
وبمجرد ما دخلنا بهو الإقامة، وجدت أصدقاء مبدعين جميلين كثيرين ، لم أرهم من فترة طويلة، كانوا هناك ينتطرون الاذن بالدخول إلى المطعم لتناول وجبة العشاء.
كم كانت سعادتي غامرة وأنا أرى فرحتهم بوصولي وقد هبّ الكثيرون منهم للترحيب بي ، لكنني قلت لهم – وأنا المعروفة بمزاحي- :
– لن أسلّم على أحد منكم الآن لأني على عجلة من أمري، يجب أن أذهب إلى غرفتي و “أبول” أوّلا، فقد كنت على سفر طويل ههههههه.
كان من المفروض أن أتقاسم الغرفة مع صديقتي الشاعرة سلوى لميس لكني لم أجد لها أثرا لحظتها وقد كان المفتاح معها.
بعث الله في طريقي الصديقة المبدعة فاطمه بريهوم، فتحت لي غرفتها ، فوضعت حقيبتي وقضيت حاجتي واغتسلت من وعثاء السفر.
على طاولة العشاء، كان اللقاء طيبا ودافئا. تبادلت مع الأصدقاء التحايا والقبل واستفسرنا على أحوال بعضنا ، لاسيما أن الكثيرين منهم لم أرهم منذ أكثر من 15 سنة.

بعد العشاء، استمتعنا بسهرة غنائية جميلة ثم جمعتنا غرفة علي مغازي فكان الطيب لسلوس، عبد الله الهامل، محمد الأمين سعيدي، سلوى لميس وأنا، نكتنا وضحكنا كثيرا وعادت بنا الذاكرة إلى سنوات جميلة مضت بسرعة البرق. بعدها اقترح علينا الناشر نبيل دادوة فسحة ليلية على متن سيارته، فكان الشعراء : سلوى لميس، علي مغازي ، محمد الأمين سعيدي وكنت أنا.

 كانت السيارة الثانية للصديق عبد الحميد إيزه رفقة الشاعر ميلود خيزار والروائي الخير شوار ، لكنهم قفلوا راجعين إلى مكان إقامتنا لما أخطأوا الطريق لاسيما أن الجو كان ماطرا والإنارة العمومية شبه غائبة.
سارت بنا السيارة على غير هدى، وكنا نستمتع بالاستماع إلى أغان من

مختلف الطبوع، بعد أن حاولنا تهدئة الصديقين سلوى لميس وعلي مغازي اللذين تناوشا لأسباب لا أراها جديرة بكل ذلك الغضب. 

قطعنا مسافة طويلة دون أن نجد محلا مفتوحا أو مكانا يغري بالنزول، فقفلنا راجعين.
رافقت سلوى لميس إلى غرفتنا وظللنا نحكي ونتحدث إلى أن سمعنا أذان الفجر. تذكرت فجأة أن حقيبة سفري موجودة بغرفة الصديقة فاطمه بريهوم،وهي دون شك كانت  تغط في نوم عميق.
استدعيت بعض أنانيتي وقررت أن أدق بابها، فلا يعقل أن أنام دون لوازم النوم من لباس وفوطة وجه وفرشاة ومعجون أسنان.
فتحت لي الباب دون أن تعاتبني على إرباك نومها واتفقنا أن نكمل الليلة معا بغرفتها. بقينا نتحدث ونحكي ونسترجع الذكريات و نرسم الآتي الذي رجونا أن يكون جميلا، إلى أن طلع النهار.
استغرقت أنا في نوم عميق ولم أستيقظ إلا وهي تناديني :
 - فاطمه قومي ، الساعة التاسعة صباحا ونحن ذاهبون إلى دار الثقافة لمواصلة فعاليات المهرجان.
كان صوتها يأتيني من بعيد جدا يشبه كابوسا.
اعتذرت عن الذهاب بسبب التعب وقلة النوم  والألم الذي بساقي ، فطلبت مني أن أقوم لأغلق باب الغرفة على الأقل . قلت لها وأنا أتمنى أن تغرب عن وجهي وتتركني لنومي اللذيذ:

-اذهبي واتركي الباب مفتوحا. لا أحد سيأتي.
فجأة وأنا نائمة، تذكرت أن الصديق قلولي بن ساعد  كان قد طلب مني خلال السهرة أن أتولى تنشيط وإدارة القراءات القصصية لتلك الفترة الصباحية. 
قفزت من سريري مذعورة ووجدت الساعة تشير إلى الحادية عشر صباحا.
خجلت كثيرا وأنبت نفسي كثيرا لكن الوقت كان قد فات لاستدراك الأمر.
وبكل برودة قلب واصلت نومي وأنا أهدهد ألم ساقي الذي كان فظيعا.
بعد منتصف النهار، عاد جمع المبدعين إلى إقامة الولاية لتناول الغداء. اتصل بي الأصدقاء يطلبون أن أنزل من الغرفة لنتناول الغداء معا، اغتناما للقاء طال موعد حلوله.
تأخرت قليلا ولما نزلت صادفت الكاتب عبد الرزاق بادي ( لا أدري لماذا كنت أناديه عثمان طول الوقت  و لم يبد احتجاجا ههههههه).
جلسنا وتناولنا الغداء معا، وعبّر كل واحد منا عن فرحته باللقاء على أرض الواقع. فعبد الرزاق من الهدايا الجميلة التي منحني إياها العالم الافتراضي على الفيس بوك وكان ذلك أول لقاء واقعي بيننا.
ولا أخفيكم أن فرحتي بلقائه غطت على عدم تمكني من سد جوعي  بصفة كاملة إذ أعدوا لنا طبق السباقيتي الذي أكرهه كما أكره كل العجائن.
بعد الغداء، خلد كل واحد من الضيوف إلى غرفته للاستراحة ، وبقيت أدور كنحلة عمياء علّني أجد من يجلب لي فنجان قهوة لكن دون جدوى،فقد كان يوم جمعة ، وكل المحلات كانت مغلقة لصلاة الجمعة ، كما أن إقامتنا كانت بعيدة قليلا عن وسط المدينة حيث المقاهي، وهذا سبّب قلقا للكثيرين المدمنين على القهوة مثلي.
أشير هنا إلى أنه يوم وصولي وبعد تناول العشاء، تكرم أحدهم وذهب بالسيارة ليجلب لي مشكورا قهوة أزاحت عني تعب السفر.

بعد الغداء و موعد صلاة الجمعة وبعد الاستراحة، ركبنا الحافلة باتجاه دار الثقافة ابن رشد ،حيث جرت فعاليات الملتقى. 
كان اسمي مدرجا في قائمة الشعراء المبرمجين للقراءة في تلك الأمسية.
كانت البداية بمداخلة أدبية ثم توالى الشعراء على المنصة ونثروا علينا عبيرا وزهورا من فلذات قرائحهم.
طول الوقت ، كان همّي كيف سأقرأ على ضوء كان خافتا جدا أنا التي لم يعد بصري يسعفني كثيرا، ولم تعد ذاكرتي تخزّن أشعاري، فقد هرمت.

حان دوري ونادى عليّ منشط الأمسية الذي يبدو أنه لا يعرفني ولا يعرف اسمي حتى ، بدليل أنه خاطبني معتذرا لنطقه اسمي خاطئا.
اكتفيت بأن ابتسمت له وقلت : “معليش”. والحق الحق أقول، أنا أيضا لا أعرفه .

وقفت على المنصة ولم أستطع أن أتبين حرفا واحدا من قصيدتي، ورفعا للحرج وخروجا من الورطة، قلت للحاضرين بالقاعة إنني أدفع ضريبة لون عينيّ الأخضر إذ أنه معروف أن العيون الملونة يخف بصرها أكثر من غيرها في سنّ معينة.

وحتى نحل المشكلة، لم أقرأ واقفة كما الجميع بل جلست جنب المنشط حيث كان الضوء أوفر.
قبل الدخول إلى القاعة وجدت في بهو دار الثقافة معرضا للكتاب نصّب على هامش الملتقى، شاركت فيه منشورات الاختلاف ودار أسامة والألمعية.   بالصدفة وجدت نفسي أمام جناح الاختلاف ، أقلب الكتب وأقرأ عناوينها وإذا بصديق مراهقتي والمشرف على الجناح ، العزيز عبد الرحمن عبدي يبادرني بالكلام.
كانت سعادتي عارمة لما رفعت وجهي و رأيته.
كان لابد لمدينة الجلفة أن تجمعني به وتصالحني معه بعد زمن طويل من الغياب والخصام أيضا .
شدني الحنين إليه ، فبقيت أتردد على جناحه ، فأشاكسه تارة وأسأله عن أحواله تارة أخرى.
عند المساء، عدنا إلى إقامة الولاية ، ومباشرة بعد وجبة العشاء، ناداني صديقي الشاعر ناصر باكرية ( وهو زميلي أيضا بالإذاعة، لكن الجلفة هي التي حاكت القرب بيننا)، فأسرّ لي أني مدعوة ضمن بعض الأصدقاء لحضور ما يعرف ب”الحضرة” وذلك في مدينة مسعد التي ينحدر منها الشاعر باكرية.
كان فضولي كبيرا لاكتشاف الأمر، فقبلت الدعوة فورا.

انطلقت بنا سيارات ثلاث:

سيارة  الناشر نبيل دادوة ومعه فاطمة بريهوم  وعلي مغازي، سيارة عبد الحميد إيزة ومعه الخير شوار وسيارة ناصر باكرية ومعه نجاح حدة وعبد الله الهامل وأنا.

كانت وجهتنا مدينة مسعد التي تبعد عن مدينة الجلفة ب70 كلم.

كان  الطقس باردا جدا وماطرا ومضببا أيضا.

ونحن في الطريق، اتصلت سلوى لميس تعاتبنا مزمجرة كيف استطعنا أن نذهب دونها وقد طلبت كما يبدو أن ننتظرها .

راح الجميع يهدئها ويجبر خاطرها واعدين إياها بتعويض الرحلة، كيف ذلك ؟ لا أدري .

وصلنا إلى بيت رجل سمعت يقولون إنه “المقدم”.  إنه  مقدم الحضرة ، قلت في نفسي. ثم سمعت ينادون على رجل آخر : يا الطالب.

كان الأول يرتدي عباءة بيضاء والثاني عباءة سوداء ويلف رأسه  بما أعتقد أنه عمامة وكان يبدو أقل سنا من الأول.

قال لنا ناصر باكرية إن ذلك “الطالب” يقصده الناس من كل فج عميق ومن مختلف شرائح المجتمع.

عند باب المنزل، استقبلنا “المقدم”  ومن معه بحفاوة ودفء كبيرين ، ثم أشاروا علينا نحن النساء بأن ندخل إلى بيت مستقل عن البيت الذي تم فيه استقبال الرجال المرافقين لنا.

وجدنا زوجة المقدم وبنتيه بصدد وضع  اللمسات الأخيرة على وجبة عشاء كانت رائحته فخمة مشهية، زقزقت لها عصافير بطني ،  لاسيما أنني لم أتعش كما ينبغي في الإقامة، حيث قدموا لنا طاجين الزيتون الذي لا أحبه. قلت في نفسي : إن الله رحيم ، عوض عليّ طبق سباقيتي الذي قدموه لنا عند الغداء وكذا طاجين الزيتون ذلك بأكل شهي .

بمجرد ما جلسنا، قدمت لنا زوجة المقدم  طبقا من “الرفيس” اللذيذ .

ثم جاءت وجلست معنا رفقة بنتيها ، نتجاذب أطراف الحديث. حدثتنا الابنة الكبرى وهي أستاذة في اللغة الانجليزية، عن مشاكل التعليم وعن تلامذة هذا الزمن، بينما راحت الصغرى عبير ، وهي طالبة في السنة الأولى جامعي، تعبر عن استيائها من توجيهها إلى دراسة الأدب العربي. قالت إنها كانت تتمنى دراسة الصحافة.

بدت الشاعرة نجاح حدة وكأنها تعرف أهل البيت من ألف سنة، فكانت تحدثهن بطلاقة  وبراحة وبغير تكلف ،  وكذا فعلت فاطمه بريهوم ، لكن بدرجة أقل، بينما ظللت أنا متوجسة ملتزمة الصمت.

 في الحقيقة كن لطيفات جدا ، فاطمأن قلبي إليهن وقد كنت في البداية مرتبكة ، لم يعجبني أمر فصلنا عن أصدقائنا الذكور.

طمأنني صاحب البيت قائلا إن الفصل في الأكل فقط وسوف تجمعنا الحضرة بعد قليل.

بعد حوالي نصف ساعة، قدموا لنا طبق الكسكسي بالمرق الأحمر واللحم الشهي، وتلاه طبق التمر باللبن اللذيذ.

غادرنا قاعة الأكل إلى قاعة “الحضرة”  ووجدنا أصدقاءنا هناك.

وجدنا نارا موقدة، ورجالا يجلسون  حينا وحينا يقفون ويضربون على الدفوف ويغنون أغاني فيها ذكر الله وكلمات أخرى لم أكن أتبينها جيدا.

وسط القاعة كان رجال آخرون يدورون أو يرقصون،  وفي مرحلة متقدمة صاروا كأنهم يئنون ثم يصرخون، ومن حين لآخر ترى أحدهم يسقط أرضا فيجري  نحوه رجال من الحضور يسعفونه.

إنها طريقة  للتنفيس عن كل المكبوتات التي بداخل كل واحد منا، قلت وأنا أحاول أن أقنع نفسي، إلا أن الخوف كان قد تمكنّ منّي.

ظل الضرب على الدفوف متواصلا وكذا كل الطقوس المصاحبة له من دوران ورقص و صراخ ، وبين الفينة والأخرى، كان أحدهم يتولى أمر تسخين الدفوف على النار التي كانت موقدة عند زاوية في القاعة.

فجأة ، راح أحد الرجال الذين كانوا وسط القاعة يمارسون تلك الطقوس المدهشة بالنسبة لي، يترنح ويصرخ ويزأر كالأسد ، فسارع إليه رجال آخرون ألبسوه عباءة بيضاء ومددوه على الأرض.

استراح قليلا ثم وقف وسط ضاربي الدفوف الذين التفوا  قياما حوله في حلقة،  وأخذ بعض الرجال يجلبون له لهبا من النار فيبلعها دون أن يصيبه أي أذى ثم يخرج من فمه حجرا يشبه الصلصال. بعدها راح يقوم بإشارات من غاب عنه وعيه ودخل عالما آخر لا نعرفه.

في كل مرة يشير بيده إلى شخص ما ، يقوم أحد الرجال بإحضاره له، ويأتي الآخر طيعا منقادا مسالما. فمرة يفتح قميص هذا و يدخل يديه في صدره ويتمتم كأنه يشق قلبه و ينزع منه شيئا لا يعرفه سواه.

ومرة أخرى ، يأمر ذاك بالانبطاح على بطنه أرضا فيصعد فوق ظهره ويغني ويقفز. ومرة أيضا هو نفسه ينحني ويأمر من طلب بإحضاره بأن يصعد فوق ظهره.

تملكني الرعب إذ فكرت فجأة : ماذا لو أشار الرجل إليّ  وطلب إحضاري  وأجبرت على الانبطاح على بطني ليصعد فوق ظهري ، أنا الضعيفة البنية إضافة إلى ساقي المصاب ؟

ذعرت أكثر لما فكرت في الأمر الثاني المحتمل : يفتح قميصي ويدخل يديه في صدري ؟

قفزت من مكاني وطلبت من صديقي حميد إيزة أن يترك لي مقعده الذي لم يكن  إلى حد ما في الواجهة، وهكذا اندسست بين عبد الله الهامل وبين علي مغازي هروبا من عينيْ ذلك الرجل الذي أصبح يشبه مخلوقات الكواكب الأخرى في غرابته.

الأمر الآخر الذي أرعبني هو كيف سيتمكن ناصر باكرية من سياقة سيارته وهو على ذلك الحال ؟

أجل، فصديقي ناصر  أيضا رقص حتى تصبب عرقا ودخل حالة تشبه الذهول.

لقد تجاوب مع جو “الحضرة” بامتياز  وبدا  فرحا وخفيفا كجناح فراشة.

قررت في قرارة نفسي ألا أعود معه في سيارته اتقاء لأي حادث يمكن أن يحصل بسبب حالته تلك، لكنني في النهاية ركبت معه.

ولسوء حظه أو لحسنه، نادى عليه ذلك الرجل الآمر الناهي ، فتح قميصه ، أدخل يديه في صدره وخاطبه بصوت عال:

- رد بالك، أخطيك من هذي قهيوة، هذا تاي، هذي حبيبات حلوى.. أخطيك،، أخطيك .

 رغم أنني لا أومن إطلاقا بالسحر والشعوذة،  قلت في نفسي لحظتها : هل يمكن أن يكون صديقي ناصر “مسحورا”  بسبب سحر يكون قد تناوله في قهوة أو شاي أو قطعة حلوى من يد امرأة ترغبه مثلا ؟

قبل نهاية “الحضرة” ، تقدم الرجل الذي كانوا ينادونه ب”الطالب” نحو صديقنا حميد إيزه وسلمه حجرا من ذلك الذي كان الرجل الغريب يلفظه من فمه وطلب منه أن يقسمه علينا نحن الضيوف.

لم أعد أذكر هل فعل حميد ذلك  أم لا، لكنني متيقنة أنني لم أحصل على “نصيبي” من القسمة.

وقبل نهاية “الحضرة” كذلك، راح رجل يلف على جمع الحضور وبيده آنية بها  بخور  ورجل آخر قام برشنا بعطر  كان قويا مستفزا.

قبل مغادرتنا ، قام الضاربون على الدفوف والراقصون  والجمع كله تقريبا ، يتوسطهم الرجل الغريب، يرددون  بصوت عال مقطعا يقولون فيه:

” ألغاو له .. ألغاو له

طيري لخضر لازم  يحضر”

( بمعنى : نادوه ،، نادوه،، طائري الأخضر يجب أن يحضر).

ودعنا مضيفينا شاكرين وانطلقنا عائدين إلى مكان إقامتنا. كانت دهشتي كبيرة لما لاحظت أن ناصر باكرية عاد إلى وعيه بسرعة وكان يسوق سيارته جيدا ، بل راح أيضا يقرأ علينا شعرا ملحونا من تأليفه وخلق جوا مرحا لطيفا.

في الغرفة، واصلت السهر  مع سلوى لميس إلى وقت متأخر جدا ثم ودعتها ورحت لأنام رفقة فاطمه بريهوم.

من فرط التعب والسهر، رأيت كوابيس كثيرة منها أنهم بتروا ساقي المصاب .

فكان أول شيء فعلته بمجرد ما فتحت عينيّ في الصباح، هو تفقد  ساقي، وحمدت الله كثيرا إذ وجدته في مكانه ” ينز ّ” ألما .

حملت صديقتي فاطمة بريهوم حقيبتها وودعتني ، حين علمت أن حميد إيزة الذي وعدنا بأن يصطحبنا معه بسيارته  في طريق العودة إلى العاصمة، قد غير رأيه وقرر أن يظل لحضور حفل اختتام الملتقى تحت إلحاح الصديق بن ساعد قلولي الذي طلب منا أن نظل  جميعا لصباح اليوم الموالي، إذ كان حفل الاختتام مبرمجا على الخامسة مساء.

شعرت بالاستياء ، فقد كان لزاما عليّ العودة يوم السبت لمباشرة العمل الأحد صباحا، وها هو حميد يخذلني ويسلمني ببقائه هناك لوسائل نقل عمومي تتطلب مني حركة كثيرة  و ركوب وسيلة ثم  أخرى لأصل إلى بيتي، الأمر  الذي لن أطيقه بسب ساقي اللئيم.

بقيت بغرفتي أفكر في حل  للعودة بأقل الأضرار،  وأنا كذلك، لم أدر كيف تغير الموضوع في رأسي، ورحت أفكر في ذلك الشاب الوسيم الذي طول الوقت كان يبتسم لي مرحّبا مطمئنا على راحتي ولم أعرف من هو ؟

قتلني الفضول، لكنني لم أجرؤ على سؤاله.

لغز الشاب الوسيم حلّ بعد رجوعي إلى البيت ، عندما شاهدت إحدى صوره على صفحات الفيس بوك، مذيلة باسمه . إنه إذن صديقي الافتراضي  محمد مويسه . شعرت بندم شديد كوني  لم أتعرف عليه ولم أتواصل معه على أرض الواقع هناك  بالجلفة.

وأنا لا أزال حبيسة غرفتي، تكاثفت فرحتي عندما فكرت أني التقيت   أخيرا الصديق الافتراضي بلقاسم شايب  وعرّفني حميد إيزة على شخص جميل وهو عبد الكريم ينينة، كما تجدد لقائي  بعد طول غياب بالصديق محمد بن زياني و بالشاعر  سليم دراجي الذي لم أعرفه في الوهلة الأولى فاضطر ليقدم لي نفسه ، والشاعر عزوز عقيل الذي ذكرني بطرفة حصلت له معي  أواخر التسعينيات، حيث أرسل قصيدة كتبها خصيصا لي و لبرنامج “شراع الليل” الذي كنت أعده وأقدمه آخر الليل وقتها بالقناة الإذاعية الأولى،باسمي المستعار “سوسن”، و تفاجأ حينها لما أخبرته أن “سوسن” هي أنا .

تذكرنا القصة وضحكنا معا.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، اتصلت بحميد إيزة أستفسر عن موضوع السفر، فطمأنني قائلا: سوف نغادر بعد الاختتام.

عندها،  حملت نفسي  وجررت ساقي إلى أن وصلت إلى دار الثقافة.

دخلت القاعة فوجدت الدكتور سعيد بوطاجين يحاضر ، حاولت أن ألتقط شيئا مما كان يقوله عن جملة السرد السريعة والطويلة والقصيرة … الخ، لكنني لم أفقه من قوله شيئا.

اطمأن قلبي عندما استدرك المحاضر قائلا: أنا أندهش لما أحاضر على طلبتي بالجامعة ثم أسألهم هل فهموا شيئا فيجيبون بالايجاب. كيف لهم أن يفهموا إذا كنت أنا نفسي لم أفهم ما ألقيته عليهم ؟

بعد المداخلات التي انصبت كلها في موضوع النقد و كل تلك المصطلحات التي يتعذر عليّ فهمها، فتح الباب للمناقشة ودلا كل بدلوه ، والحق الحق أقول إنني تعلمت مصطلحات جديدة في مجال النقد والدراسة الأدبيين أضفتها إلى رصيدي الفقير، أنا التي لا أتعامل مع الأدب سوى مطالعة للروايات والقصص والشعر وكذا كتابة للشعر .

تذكرت لحظتها ما أسررت به لصديقي عبد الرزاق بادي من قبل ، حيث قلت له : أن تكون دكتورا في الأدب وموضوع رسالتك العلمية  مثلا: المكان في  رواية فلان ، أو المرأة في شعر  علاّن، أو الزمن في قصص زيد أو عمر، ماذا تضيف بذلك للمجتمع بصورة ملموسة ؟ بينما أنا وبدراستي البسيطة للقانون، أرى أنني أفيد المجتمع، فيكفي مثلا أن أقدم استشارة بسيطة لأي شخص يحتاجها ، أو أكتب عريضة لأحد ما أنقذه بها من جشع المحامين، لأشعر  أني قدمت شيئا ملموسا أفاد غيري.

انتهت أشغال الفترة الصباحية فركبنا الحافلة عائدين إلى إقامتنا . جلس جنبي صديقي عبد الرحمن عبدي  ، فدردشنا طوال الطريق وواصلنا حديثنا على طاولة الغداء.

بعد الاستراحة، عدنا إلى القاعة ، تابعت النشاط إلى غاية الرابعة والنصف مساء، ثم ناداني حميد إيزة معلنا موعد سفر العودة.

حزّ في نفسي أننا لم نحضر حفل الاختتام إكراما للأصدقاء الذين دعونا وتكبدوا مشقة تنظيم الملتقى، لكن لا مفر من التزامات الحياة .

كان السفر رفقة  حميد والخير شوار مريحا رائعا، استمتعنا خلاله بالاستماع إلى أغان جميلة  وإلى عزف العظيم “علاّ”،  وكان للنميمة الجميلة قسطا وافرا في ذلك السفر.

عند العاشرة والنصف ليلا، توقفت سيارة حميد عند باب عمارتي، نزلت ونزل معي الخير شوار الذي رافقني إلى باب الشقة .

دخلت البيت وكان أول شيء قمت به  هو أنني فتحت الفيس بوك، ألقيت نظرة سريعة على ما كتبه الأصدقاء  وتصفحت مجلة “مسارب ثقافية” التي تصدرها مديرية ثقافة الجلفة  والتي قدمها لنا المنظمون هدية جميلة  ثم سلمت جسدي للفراش فتلقفني نوم عميق.

 

 * شاعرة وصحفية من الجزائر

اترك تعليقا