خذ منديلا وجفف دموعك على الأيام الخوالي ..سقط القناع لا تتستر ..أروي لي عن الذي مضى ويثير الضجر ..عن حبك لركوب المخاطر والسير عكس التيار ..خطوات صغيرة في اتجاه بحيرة الهموم والإرتزاق على أعشاب الطفولة اليابسة والبعد عن الهم …كانت يوميات فورة البستان ونضج التين والعنب فذات صيف تسلقت الجدران وقفزت إلى وسط الحقل ..سقطت ذرات الطوب من وراء ظهرك ..امتدت يداك الصغيرتان إلى الأجاص ..كنت تشتهيه رغم انعدام طعمه هو بحاجة إلى سكر وحباته تخيف الأمعاء وتثير الندم ..حبات التين مستوطنات للديدان تفتح الواحدة إلى شطرين فتمتلئ رعبا وتولي الأدبار شطر الخردل بلون أبيض شفاف وأحمر حامض يدفع الشهية ينحر مذاقه عصافير البطن المزقزقة فيما البطيخ فيبدوكنسيج عنكبوت أو مندوف قطن احترق من شدة الحر ..لقد وقع ما كنت تخشاه ..خطفك صاحب الحقل من وسط ظهرك ..أذاقك المر ..صفعك ..رفسك ..ركلك ..فجر لك ينابيعا من الدم ..شوه لك خارطة جسدك قلت السجن أرحم والخطب سيطول من حيث لاينفع الندم ..أيام القرى المنتفخة وضياعها تفضح الشقاوة في نفوس الأطفال ..يعيدون الكرة تلو الكرة ولا يعترفون بالندم
-2
أتى الليل مكتحلا بعتمة الظلام ..طردك أبوك لأنك لطمت إبن الجيران ..أخذت قنديلك تعبق ظلك ..وصلت إلى بوابة الجبانة ..طردت مشاعر الرعب إلى خارجها ..دفعت خطواتك إلى الأمام ..كنت بين القبور ..انحرفت إلى شجرة باسقة ..أسندت ظهرك إلى جذعها ..اقتحمت مشاعر الحزن دون استئذان ..عدت مثقلا بالحديث عن الشجرة وملوك الجان ..أتتك جنية شقراء ..رسمت على شفتيك قبلة ..نهرتها ..حفرت لك قبرا فغلبتها بذكر الله ..ذابت في تموجات الظلام ..دخلت شمطاء واختلفت إلى قبر في غفلة منك ..أخرجت صبيا حديث الولادة ..قطعت معصمه ..نزعت أصابعه ولفتها في قطعة مرشوشة بماء الجان ..هشمت لها رأسها بكل ما أوتيت من قوة ولم تنفع معها الحجة وسحر البيان ..أبعدتها عن القبر وأنت مزهو بما فعلت ..سمعت حشرجة بعد حين كانت قادمة من قبر ميت ..استرقت السمع فناداك بلطف ..أخبرك أنهم دفنوه خطأ ..حاولت إخراجه فلم تقدر ..كثر صراخك ..وجدت نفسك أنك لم تغادر الشجرة ومن حولك الكلاب الضالة وأن الذي شاهدته في الظلام وأن أباك طردك حقا بعد اللجاجة والخصام مجرد حلم
-3
شارع مملوء بالمومسات لست تدري لماذا أطلق عليهن اسم ( الخالات) كنتم كأطفال تتطلعون إلى جمالهن وعيونهن المالحات وأفخاذهن السمان ..كانت طفولة مشردة حقا وحين يحل الظلام تصير أبوابهن هدفا للحجرة بكل أحجامها ..ترفع الحجر الكبير فترميها صوب الباب فتسمع لها دويا قويا فيمتزج الخوف بالفرح ..كان الزبائن يتسربلون في ثيابهم المتسخة وعمائمهم الطويلة ويتدافعون إلى الأبواب والنشوة تغمرهم فيما أنتم تشاهدون الموقف بوضوح وأحيانا أخرى ترجمونهم بالحجارة ..كانت تلك الذكريات كعشبة مرة لقد أكلتم الندم والحصرم
-4
” بنت الكار” هكذا كانوا يلقبونها فتاة صغيرة ممشوقة القد ..كانت ترتدي مودة ذلك الزمن ..فتاة هادئة أباها غريب عن القرية يسوق الحافلة ومنها استمد إسمها والأعين تنهشها ..لا أحد يكلمها ولا أحد يقترب منها ..تحدث أحيانا شجارات محسوبة على حبها ..كانت لوحات من الدم تشوه الكثير من الوجوه ربما كنت أحد هذه الوجوه لأنك مولع بالبطولة منذ صباك ..تذكر منذ أن كنت تجمع عظام فك الماشية وتصنع منها مسدسات قاتلة أو تجمع ” سيلان الجبانة ” وتشكل منها سيوف حادة ..كان البطل عادة يطلق عليه ..( لاداعي لفتح أغوار الجرح ) ..وما أكثر المرات التي لا تلعب فيها مع أقرانك حين لا يسند لك دور البطولة ..كنتم تلعبون على حافة الجبل ووسط الأحراش فيما ” بنت الكار” صارت نقطة تحول في حياتكم من ممارسة البطولة في العراء إلى ممارستها في الشارع ..حقا يوميات “القرى المنتفخة “عجيبة …
* قاص من الجزائر




