مسكني من ياقة معطفي المبتل في يوم ممطربشارع يفضي إلى مكتبة كنت دائم التردد عليها منتصبا بقامته الفارعة وصوته البدوي القادم من أقاصي السهوب..لم يخني حدسي فيه فوحده رفيق طفولتي ثامرالذي لازال يذكرني ويتفقد أحوالي ويسأل عني كلما قدم إلى هذه المدينة الباردة لشأن من شؤونه الخاصة ثم قادني إلى مطعم مجاور يقدم وجبات ساخنة مع قليل من النبيذ الأحمر… انتبذنا مكانا قصيا في ركن بعيد عن أنظار الفضوليين حول طاولة مضاءة بمصباح جميل أشبه بالشمعدان يوحي بالهدوء والسكينة ..قتلنا جوعنا اليومي قليلا واحتسينا كؤوس النبيذ على مائدة شهية وضعتها أمامنا نادلة ناصعة البياض ما فتئت تلوك مع زبنائها تأتأتها بلغة هي خليط من فرنسية ركيكة والعامية الجزائرية ..كان ثامر يتلهف لمعرفة أحوالي ….حدثته عني وعن طفولتنا… كان وجعا كبيرا وحنين بعيد يشدني إلى ذلك الزمن الهارب النائي خلف قسوة المدن الصماء أخبرته أيضا أني لازلت كعادتي أنتقل من مؤسسة لأخرى بين قاعات التحرير في الصحف التي عملت بها في مختلف الاقسام ..فبعد تخرجي من الجامعة بشهادة الليسانس في اللغة العربية وآدابها فضلت البقاء في هذه المدينة الباردة برودة العواطف فيها …كانت الرغبة تحدوني في أن أرتبط فيها بأنثى عاشقة للشعر مثلي حالمة بالأجواء المخملية والأحلام النائية البعيدة عن أعين الشعراء والفقراء ..أقضي سحابة نهاري منهمكا في العمل محررا وكاتب عمود صحفي يوقعه مدير الجريدة بأسمه مقابل راتب هزيل أستهلك نصفه بين اختيار ما يلزم من الكتب والإصدارات الجديدة ووالوجبات الغذائية بالمطاعم الشعبية لشارع طنجة الذي يؤمه الفقراء والبطالون والصعاليك القادمين من قراهم البعيدة والنصف الآخر أدفعه لصاحب فندق بائس مثلي ببابا عزون غير بعيد عن ساحة بورسعيد يخلو من المرافق الضرورية والأغطية النظيفة الذي إتخذ من غرفة فيه اقامة لي …كنت لا أملك سوى بذلتين أحرص على إعدادهما كلما دعيت لندوة أو مناسبة ثقافية ..أنا لا أنكر أني كنت محط أعجاب الكثير من الصحفيات والشاعرات لكنه إعجاب لم يتعدى حدود إنبهارهن بحيويتي وجديتي في التحصيل العلمي لمعرفتهن المسبقة بفقري وعوزي فلم يحدث أبدا أن همست إحداهن في إذني بغنج أنثوي ناعم بتلك “اللغة العاصمية” المجففة لأنواء البرود العاطفي والحرمان الصحراوي المخبوء في الأفئدة والأنفس الضامئة إلى لمسة حب أو لغة حنان دافئة تزيل الكرب وتمسح غبار الأيام والليالي المنهكة مثلي المحجوزة للشقاء والفناء ولا انخرطت في سجال عقيم أو أنضممت لتكتل فئوي من التكتلات الكثيرة تحت أي مسمى ..كنت ساذجا ولا زلت أحمل طهر القرى وصفاء أبنائهم والتكافل الإجتماعي السائد بينهم …مدير جريدة الغد القادم من أقصى الشرق الجزائري صاحب البطن المنتفخة والعقارات والأموال الطائلة وجدها فرصة ثمينة فكان يطلب مني مساعدة إبنة أخيه سهام الحاملة لشهادة الدكتوراه في علم النفس العيادي العاملة معنا في القسم الثقافي لتصويب الأخطاء اللغوية لمقالاتها الصحفية فكنت لا أكتفي بتصويب أخطائها اللغوية بل أعيد بناء ما تداعى من قشور الأنباء الحاملة لها ومن لب القول قاطبة …كم من مرة وقفت أمام المطاعم الفاخرة أتشمم رائحة الشواء الشهية ثم سرعان ما أعود أجر خطاي بأسى لاعنا اليوم الذي وجدت فيه نفسي وسط هذه الأمواج البشرية غريبا أو كالغريب الذي لا مأوى له ثم أقف مذعورا تائها متأملا في منظر زجاجات الجعة برؤوسها المطلة عبر ستائر ونوافذ الحانات البعيدة عن قدرتي الشرائية مكتفيا بين الحين والآخر بتناول ما قل ثمنه من النبيذ الأحمر أصبه في جوفي ككهل أصابه الملل والسأم فارتدى معطف الحزن ساكنا أو مسكونا به …لم أعد أؤمن بشئ ولا شئ لدي أخشى عليه من التلف أو الغياب … فعندما كنت صبيا نلهومعا بحارة الزيقم بقريتنا “زنينة ” النائية الفقيرة إلى ربها كنت أشعر فيها بالعزلة والخواء الذي عوضته بالإطلاع المستمر …نلت كل الشهادات التي كانت في متناولي بعلامات عالية جدا ..لم أتحمل الفراغ الموحش الذي يتراءئ لي فيها فغادرتها مجبرا ..هممنا بمغادرة المطعم في منتصف الليل صوب فندق السفير الذي يقيم فيه رفيق طفولتي ..كانت البلد في تلك السنوات العجاف منذورة لحرب أهلية اختلط فيها الحابل بالنابل ولم يعد أحد يفرق فيها بين الجاني والضحية …بين الأخ وأخيه فتلاشى خيط المحبة الذي كان يربط المرء بمحيطه القريب أو البعيد ..رج آذاننا دوي قوي ..وكانت تلك آخرمرة أرى فيها ثامر ساقطا على الأرض مضرجا بدمه المسفوح بلا رحمة ولاشفقة فقد أخطأتني رصاصة الغدر المجنونة واستقرت في جسد ثامر ولم أستفق بعدها إلا وأنا داخل حجرة بمستشفى مصطفى باشا الجامعي وحولي نفر من زملائي الصحفيين ووالدتي تعد لي أمتعتي وكتبي وأشيائي البسيطة للعودة إلى قريتي دامعة العينين وسؤال كبير بحجم الألم يعصف بي متوغلا بداخلي… “لماذا لم أمت بدلا منك يا ثامر… ؟فالموت يخطئ أحيانا
* قاص وناقد من الجزائر





قرأت ( رحيل) . قصة الكاتب والناقد الأستاذ بن ساعد.
صحفي غادر قريته النائية مثل الكثير من أمثاله، ليمارس مهنة الصحافة ” مهنة المتاعب” ـ كما يسميها الصحفيون الجزائريون. واستقرت به الرحلة في الجزائر العاصمة.. وف هذا اليوم الماطر، يفاجئه صديق الطفولة، فيتم بينهما لقاء حار، جدير بالأصداء عندما يجمع بينهم القدر بعد فراق طويل.. يجمع بينهما وجبة طعام
في شارع ” طنجة” المشهور بالعاصمة..
لقاء الصديق اغتنمه الكاتب ليجعل البطل ” مسافرا ” بالقارئ إلى كثير من المحطات التي تخللت حياته: منذ رحلته عن قريته النائية، إلى ظروف عمله، والعلاقات المهنية والاجتماعية التي عايشها مع زملائه ” البطل الراوي ركز أكثر
على علاقاته بزميلاته اللواتي كن يتقربن منه، ليس لإعجاب غرامي، بل لاغتنام
قدرته العلمية والثقافية..
يخرج البطل الراوي مع صديقه ” ثامر” ليرافقه إلى فندق السفير ” ذي السمعة العالية. ما يعني أن الصديق يتبوأ مرتبة عالية جدا. عكس البطل الذي يسكن فندقا وضيعا في “السكوار”؛ ولكن يد الغدر تقرر شيئا آخر.. يهتز المكان برصاص الإرهاب، فيسقط الصديق قتيلا، ويصاب البطل الراوي، ليجد نفسه في غرفة إنعاش
بالمستشفى الجامعي.. وأمه إلى رأسه، وحوله أصدقاؤه وزملاؤه..
عندما يقرأ الواحد نص الأستاذ بن ساعد، يشعر بنوع من “النوستالجيا” تأخذه بشكل لاشعوري، إلى عوالم السرد الجميل، والتخييل الرائع..
ولنبدأ أولا من قراءة العنوان ( رحيل): لفظ في صورة ” نكرة” : ما يعني إمكانية القراءة في معنى حقيقي مباشر ” رحلة الكاتب من قريته النائية إلى العاصمة بغرض الدراسة أولا. وبغرض العمل بعد ذلك” فهو صحفي يحرر عمودا، في جريدة مقابل راتب لا يمكنه من العيش كما يريد.
في معنى “ا.إيحائي رمزي ” يتجلى ذلك في رحلة العمر التي ركبها كل من البطل الراوي وصديقه، واختلاف مصيريهما : البطل مجرد صحفي يشتغل بقلمه وفكره، ليكسب قوته.. الصديق: من خلال احتلاله غرفة ـ أو ربما جناحا في فندق السفيرـ إحالة إلى احتلاله مركزا اجتماعيا مرموقا..
ﮨ. موت الصديق برصاص الإرهاب: رحلة وأية رحلة.. رحل غدرا من غير ذنب.. ربما ذنبه الوحيد، أنه وجد في المكان الخطإ والوقت الخطإ ” تواجد مع صحفي . اللقمة السائغة لأعداء الفكر ـ رحلة إذن لا مفر منها.. ولكن أثرها شديد
إن بالنسبة للصديق ” قتل خطأ”. وإن بالنسبة للبطل” رأى نفسه سببا في موت صديقه العزيز” ..
النص صورة ناصعة عن تلك الفترة المظلمة التي مرت بها الجزائر.. والتي كان
العالم: بعضه يتلذذ بمرأى الدم والدموع تقض مضاجع الأبرياء فيها. وبعضه، يتساءل في خبث” من يقتل من؟”
ولكن البطل الراوي حسم الأمر، وتساءل بدوره” لماذا لم أمت بدلا منك يا ثامر؟”.