الفلسفة اليوم هي فلسفة واقع الحياة بكل تفاصيلها ودقائقها، بما في ذلك معاناة الإنسان بجميع أشكالها، ومنها بوجه خاص صحته الجسدية والسيكولوجية، ليس صحيحاً أن البويطيقا منفصلة عن قضايا الفلسفة النظرية والأنطولوجية، حتى وإن بدا ذلك في الظاهر. إن الذين يرفضون البحث البويطيقي، ظنّاً منهم أنه ناتج ثانوي للبحث العلمي في الطب والبيولوجيا، مخطئون، لأن الفلسفة لا تقتات فقط، وهذه المسألة لم تحظَ هذا ما أكده الباحث الأكاديمي الدكتور محمد جديدي، أستاذ الفلسفة بجامعة بعناية فلسفية مهمة فلعلها، تكون كذلك من منظور بويطيقي وإستيطيقي. قسنطينة ، وهو باحث اشتغل بالفلسفة المعاصرة، خاصة الأمريكية؛ البراغماتية، الحداثة وما بعد الحداثة، الفلسفة التطبيقية (البيويتيقا) الترجمة وفلسفتها، حيث تمحور اهتمامه على وجه الخصوص حول مشكلات ومسائل الفلسفة في نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة، كالتجربة الفلسفية والسياسة، الأنوار، جدل الحداثة وما بعدها، مسألة العدالة والحرية وحقوق الإنسان، وكذلك (البيويطيقا)، والجماليات، والأيكولوجيا.
يقول : الدكتور محمد جديدي في حوار له مطول خصصه للمجلة الالكترونية مؤمنون بلاحدود يقول :”… أدعو المشتغلين في حقل الفلسفة إلى الاعتناء أكثر بالبويطيقا، لأنها ستكون موضوع الفلسفة بامتياز في المستقبل إلى جانب البيئة والجماليات. إنها الرهان الذي يتوجب على دارسي الفلسفة إدراكه والوعي به، كما يتوجب على القائمين على أقسام الفلسفة عندنا إدراج فرع البويطيقا ضمن دراسات الفلسفة في التدرج وما بعد التدرج”.
وحول تأخر الكتابات الفلسفية في الجزائر ، يقول الدكتور محمد جديدي يعود تأخر الكتابات الفلسفية بالجزائر، مقارنة بالمغرب و تونس إلى القطيعة على ثلاثة مستويات .. اللغة؛ حيث إن الازدواج اللغوي لم يكن ينظر إليه بنفس النظرة الموجودة في المغرب أو في تونس، باعتباره عاملا أساسيا للتثاقف والتواصل الفلسفي بين الداخل والخارج. فقد بقي الصراع محتدما بين أيديولوجيا تمجد التعريب، وأخرى لا تثمن إلا الفرنسة، ووسط هذا الصراع ضاعت الكتابة الفلسفية، بل إن بعض الأقلام الفلسفية شغلت نفسها بهذه المشكلة ونسيت الهاجس الفلسفي الأهم.
ثانياً: قطيعة التجايل الفلسفي؛ أي وجود هوة بين جيل أول من الباحثين والأساتذة الذين وجهوا عنايتهم للدين وبمعنى أكثر موضوعية في الاشتغال بالفلسفة الإسلامية من دون أن يكون لإنتاجهم أثر مهم على واقع الثقافة الجزائرية، وعدم تواصلهم الفلسفي مع الجيل اللاحق بما فيه الكفاية حتى يمكنوه من الاستمرار ومواصلة النشاط الفلسفي تدريسا وبحثا
ثالثاً: قطيعة تداخل الحقول المعرفية ومحاولة الهيمنة لحقل معين خدمة لمصالح آنية أو أيديولوجية، وتتمثل هذه القطيعة في مزاحمة حقول التاريخ والأدب للفلسفة مع تهميش هذه الأخيرة واستبعادها من دائرة التأثير والنفوذ الثقافي لئلا تمارس دورها النقدي في الفكر والواقع.
هذه القطيعات في واقع الحال كرست جمود الكتابة الفلسفية ولا أقول انعدامها، لأنها بقيت موجودة منذ الجيل الأول للباحثين والأساتذة بعيد الاستقلال؛ أي في نهاية الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وهي الآن تنتعش وتحاول تجاوز تلك القطائع للمساهمة في تقديم ثقافة فلسفية جزائرية كمثيلتها التونسية والمغربية.
و حول موقع فلاسفة الحداثة في المشهد الفلسفي العربي من أمثال هابرماس قال : الدكتور محمد جديدي:
ليس وحده هابرماس من حاز على موقع خاص في المشهد الفلسفي العربي، بما أنه عرف حضوراً متميزاً على مستوى ترجمة أعماله – شأنه في ذلك شأن فلاسفة مدرسة فرانكفورت – وإنما أيضا؛ لأنه حظي بنصيب وافر من البحوث والدراسات الأكاديمية التي قدمت حول فلسفته خصوصا في جامعات المغرب العربي. وكذا نجد لفلاسفة ما بعد الحداثة أيضا حضورا قويا في المشهد ذاته، ويكفي أن نذكر اسم الفيلسوف جاك دريدا أو ميشال فوكو، أتصور أن قائمة طويلة يمكن أن تضم أسماء غربيين حداثيين أو ما بعد حداثيين من فلاسفة التنوع والاختلاف تعج بهم الساحة الفكرية العربية.
وأرى أن هذا الأمر مرتبط بالاحتكاك بالفلسفات الغربية الذي تم في بداية القرن العشرين واستمر إلى غاية منتصفه، وأخذ شكلا مذهبياً مدرسياً، حيث كان تأثر المفكرين العرب آنذاك بتيارات بعينها كالوجودية والماركسية والوضعية والبنيوية، غير أن هذا الاحتكاك انتقل ومنذ ستينيات القرن الماضي وبفعل الأزمات الفكرية وردود الفعل التي صاحبتها في الغرب في بروز حركات التمرد والتحرر من قيود العقلانيات المفرطة وانتكاسة الأيديولوجيات الجماعية المحررة، فتحول الـتأثير إلى نطاق فردي، منهجي. وهكذا شاع هذا الحضور للفعل التواصلي أو التداولي أو التأويلي أو السياسي ضمن خارطة الفكر العربي الجديد
حوار ممتع و شيق فيه الكثير من الحقائق التي تسلط الضوء على التأخر الذي تشهده الساحة الفكرية الجزائرية و العربية عموما و يقدم البدائل في صورة موضوعية لتجاوز الوضع الراهن … وتحقيق رهانات الفلسفة البيوطيقية .تحياتي الدكتور محمد جديدي و انت من كنت أستاذي و تعلمته منه الكثير لك كل التألق و النجاح . .
* شاعرة وباحثة من الجزائر



