قالت أحبك قلت كاذبة غرّي بذا من ليس ينتقد
هذا كلام لست أقبلــــه الشيخ ليس يحبه أ حد
إن أهم مايميز الكتابة الروائية عموما أنها جنس أدبي قابل للخرق بإستمرار ، ذلك أنها ترتبط برؤية صاحبها للعالم ، فتعكس وعيه وتصوراته له ، لذا جاءت العديد من الروايات معبّرة عن الوضع المتأزم الذي يعيشه الانسان في ظل الخيبات المتلاحقة .
وإذا عدنا إلى رواية ” حب في خريف مائل ” لسمير قسيمي نجدها ضمن هذا الإطار ، فهي من الروايات الوجودية التي ترتكز على مقومين اساسيين هما : الحب / الذات ، وقد جاء نص الرواية بلغة أيروسية فائقة يتضافر فيها الأيروسي مع السردي ، تجعل القارئ مشدودا لمعرفة الأحداث رغم تفككها قصد الحصول على الحياة ، وبذلك نفهم ان الحياة لا تكون إلا بالحب وفيه .
إذ جاءت هذه الرواية لتصور لنا عبثية الانسان في بحثه عن الحب الخالد ، ويظهر ذلك بداية من العنوان الذي جاء عبارة عن رسالة مشفّرة في حالة تسويق ، يتزاوج فيه الإشهاري بالسردي ، بإعتبار العنوان الوجه الحقيقي على صفحة الغلاف ، فهو مرآة للنص تعكس نسيج متنه السردي ، لأن ذات المتلقي تصطدم بالعنوان فتفرز فضولا واغراء إنطلاقا من الكتابة والألوان كأيقونات تحرك مبدأ الدال والمدلول . فأول ما يثير القارئ على الغلاف حذاء أزرق بكعب عال كرمز للأنوثة والغنج وكلمة “حب ” أثبتت بلون أحمر كشعلة ملتهبة دالة على الخطر او كإشارة دالة على التحذير ، ليكون اللون الأزرق دلالة على الخلود وهذا مايتجلى في شخص “نور الدين ” الباحث عن حقيقة حب خالد يفتق به شرنقة الزمن الضائع ، كما أن صورة الحذاء المائل تدل على تعثّر الرجاء في وحل الموت ، وهذا ما تبديه النهاية المأساوية التي فضحتها نهاية القصة بموت الممحبين (قاسم / جميلة ) .
كما ينسج لنا الغلاف خيوطا مع البعد العجائبي متجسدا في “حذاء سندريلا ” ، فهو بؤرة التوتر في إتمام العلاقة الثنائية بين الرجل والمرأة وكأن الحذاء علامة تأنيث تحيل إلى صاحبته المفقودة ، فكما كان حذاء سندريلا سببا في وجودها والبحث عنها فهل سيكون هذا الحذاء على جسد الغلاف جسرا للتواصل بين “نور الدين ” وحقيقة الحب الخالد التي يبحث عنها .
وقبل أن نبحث عن تيمة الحب وأبعاده ، كان لزاما علينا البحث في الأصول الرمزية والميثولوجية للمرأة بوصفها العنصر المشكّل لأعمق تجارب العاطفة الانسانية منذ القدم ، وربما يعود ذلك إلى مرحلة الطوطمية حين أخذ الانسان يلتفت إلى الإخصاب باعتباره سر الحياة ، و أن المرأة هي سر هذا الأخصاب في حياة الانسان (1).
ومن هذا المنطلق نمت فكرة العذراء أم الآلهة وسيطرت على الديانات القديمة فترة زمنية ، ثم ما لبثت أن تحولت المرأة في هذه الديانات بعد تطويرها إلى إلهة تشخّص الأمومة ، ثم تطورت في ديانات الشرق القديم لتصبح رمزا على الأم الكبرى إلهة الخصب والنماء (2).
من ثمة تكون هناك علاقة قوية تجمع بين الحب بوصفه تجربة انسانية غريزية وبين الحب بوصفه تجربة دينية ، هذه الاخيرة التي تكون ( بالنزوع المشترك الذي يجمع بين الصوفي والعاشق نحو الاتحاد بالمعشوق ) (3).
وقد لاحظ المتصوفة أن ( الاتصال الجنسي هو أعمق صور الإتحاد ، ومن ثم وصفوا علاقتهم بالله وصفا غراميا واستخدموا في التعبير عن حبهم للذات الإلهية عبارات مليئة بالرموز الجنسية ) (4).
وبهذا يختلط الجنس والدين في التفكير الصوفي ، ويصبح الحب وسيلة لخلاص الانسان ودخوله عالم النعيم .
من هنا كانت الوجودية رافضة للقواعد والقيم الأخلاقية الخارجية وتصر على أن الانسان وحده من يختار قيمه وأخلاقه داخل إطار حريته ، وكان اهتمامها بالفرد وبالعلم الباطني ، فالحقيقة تكمن في الوجود الانساني والوجود سابق للماهية. كأن نقول أنا موجود إذا أنا أحب . وبذلك تكون الحقيقة مساوية للحياة عند “نور الدين ” إذ نجده يقول
الحقيقة ؟ هذه كلمة فضفاضة جدا ، حتى أنها قد تكون الكلمة الوحيدة التي قد لا تعني شيئا رغم أنها تعني كل شيء ، أراها كجسم لا نهائي الأبعاد ، كل بعد منه مشكّل من أبعاد لا نهائية ، هززت رأسي وقد غمرني شعور بالإكتئاب لم أعرف مصدره .همست ” كالحياة ” ) (5)
فهذه النظرة الوجودية كانت هي الدافع الذي جعلنا نقدم على بسط فلسفة الحب وتمظهراته في هذه الرواية على ان تكون الدراسة وفق ثلاثة أطر على الشكل الاتي :
1/ الحب / الحياة / الوجود : ينفتح نص رواية ” حب في خريف مائل ” على فضاءات انسانية ووجودية تعمل على إعادة الاعتبار لذواتنا الضائعة في عالم مقلوب لا يقبل بالحب إلا عند المراهقين ، وهذا ماثار عليه ” قاسم ” ردا على ” نور الدين ” بقوله : ( لم يكن لطيفا أن نصف الكلام عن الحب بحديث مراهقين ) ( 6 ) . وتتأسس هذه الرواية من بدايتها على إشارات تتعلق بدورة الحياة ، والتي بدورها تشكل البناء الهيكلي السردي حيث نجد الكاتب قسّم روايتَه إلى ثلاثة أقسام وفي كل قسم ثلاثة أعداد ( 3.2.1 ) ، وربما يرى بهذا الترتيب والتقسيم الثلاثي أنّ الحب لا يتجلى إلا في ثلاثة محاور هي
_ الحب يجمع بين الذات والآخر .
_ الحب يجمع بين حاجات الجسد ومتطلبات الروح .
_ الحب يجمع بين الواقع المباشر وتجاوز هذا الواقع .
كما نجد سمير قسيمي قد صاغ لنا هذه الاسطر الجمالية للرواية وفق سرد دائري (ثلاثي) بين الكاتب ونور الدين وقاسم . وإذا كان عبد الله قد صرّح في الرواية بقوله إنه ( لا براءة في الأشكال الدائرية ) (7) ، فانا بدوري اقول إنه لا براءة في هذا السرد وهذه الرواية .
كما قد يرمز الكاتب بتقسيمه الثلاثي إلى ثلاثية الظاهر والباطن والبرزخ في بحثه عن هذه الحقيقة الانسانية الوجودية ( حقيقة الحب ). فالباطن هو الحقيقة والظاهر هو مايعلن لإخفاء الحقيقة أمّا البرزخ فهو الجمع بينهما ، إذ يبحث ” نور الدين ” عن حقيقة الحب الذي يحقق له ذاته عبر القصة التي يسردها له ” قاسم ” ، إذ تتشكل هذه القصة عبر هيكل الرواية المتمثل في الفصول الأربعة للحياة ( طفولة . شباب . كهولة . شيخوخة ) بدءا بالخريف الذي تمثّل في العنوان ليجعل القارئ في عجل وشوق لمعرفة مايميز هذا الحب في هذه الفترة الزمنية ، لتتمدد هذا الحب عبر الأقسام الثلاثة في المتن وكأن الكاتب أراد أن يجعل من الخريف مركزا يجمع بين طياته الفصول الزمنية الثلاثة بكل تقلباتها ( صقيع . حر . لذة . اغتراب . ألم . موت …) .
ولعل دورة الحياة تلك تبدا منذ بداية الرواية في سرد الأحداث بكينونة الزمن الماضي ليدل على الإستمرار والتواصل في الحاضر والمستقبل ، وذلك بمحاولة الأنا / البطل المحب كسر القيود وتحطيم الحواجز الاجتماعية الرافضة للحب بإعتبار هذه التيمة ” الحب ” عاطفة لا تستأذن الدخول إلى ذواتنا ، لكن المحاولة كانت سلبية النتيجة ، إذ لم تكتمل هذه الرغبة حين تكون المحبوبة تصارع الموت في المستشفى ، وبذلك تكون محاولة ” قاسم ” في تحقيق الحياة والوجود من خلال الحب قد حُكم عليها بالفناء ، وهذا مالم يتقبله ” قاسم ” حيث لم يتعوّد الاستسلام لقوى القهر مما جعله يتمسك بالحب كسبيل اوحد لتحقيق انتصاره على القوى الرجعية ويخلّد قصة حبه بسردها ل ” نور الدين ” من جهة ، وعبر روايته المشفّرة والتى لم يُكتب منها سوى العنوان ” الجدار ” ذي الصفحات البيضاء من جهة أخرى قصد نفخه الحب في قرّائه وإعادتهم لانسانيتهم بتحطيمهم لجدران العقل والروح التي تفننوا في بنائها باسم الدين والأخلاق والخوف … كل ما لايزيدهم إلا بعدا عن غاية وجودهم (
، لنصطدم في هذه الرواية الخريفية بسقوط العديد من أوراقها وهذا مصير كل من ( عبد الله . لبنة . جميلة . قاسم ) مقابل ان يخلد الحب ، وتنفخ الروح في المحب فيُبعث للحياة من جديد وهو حال عبد الله الذي كان يرغب( بالتّواجد في الزاوية العمياء من الحياة ، فقبل أن يموت وجد خلاصه بمجرد أن إختار الحياة .. بمجرد ان أحب .) (9 ) .
فالرواية من بدايتها إلى نهايتها تتمحور حول موضوع واحد هو” الحب ” باعتباره الشخصية غير المباشرة في تحريك الأحداث ، فهو يسكن كل جملة وكل كلمة وكل حرف، كان انبثاقه من العنوان ليتغلغل إلى عالم الرواية وينتشر فيها كالسرطان ، ليشقّ طريقه إلى شخصياتها ويتمركز في ذات ” جميلة ” بإعتبارها الفاعلة في النص ، فعندما أصيبت ( جميلة ) بالسرطان أدرك حبيبها ( قاسم ) أن أمل البقاء غير وارد ، لذلك قرر البحث عن شيء يحقق لحبهما الخلود فكانت الكتابة ( سرد القصة وكتابة هذه الرواية ).
المرأة
رمز للحب ملهم للكتابة
الخلود
لتبقى حدائق الرواية تبث جمالها عبر فصول السنة ، وتدهش الذائقة الانسانية بما تحمله من ألوان المباهج ، فهي خلجات مغمّسة بجمال البحث عن الحب والحياة ، فقبول حقيقة الحياة لا تكون إلا بقبول الذات ، فإذا كان قبول الذات ومحبتها ضروريان في تكوين شخصية ناضجة فكذلك علاقة الفرد مع الآخر وأعمق علاقة هي علاقة المحبة . يقول قاسم في الرواية ( أتعلم ما إكتشفت وعبد الله في رحلتنا إلى قريتي ؟ ..أن أسمى غاية لحياة الانسان ليست أكثر من قبوله لذاته ، ليست أكثر من أن يكون هو. إدراكه لهذه الغاية سيعفيه من الخوض في أي رحلة سخيفة بغرض البحث عن الحقيقة …) ( 10).
ففلسفة قسيمي وتجربته الحياتية تجعل من الحب الحياة واللانهاية ، إذ نجد نهاية قصة “قاسم ” – كبطل محب – هي بداية للبحث عن الذات عند ” نور الدين ” صاحب 85 سنة ، حيث يغيّر الحب (من حياة الرجل وإن كان في خريف عمره ….وإن كان مقعدا لا يفصله عن القبر إلا تحية سلام ) ( 11) ليتعمق قسيمي في نظرته الفلسفية ويجعل من الكبرياء أكبر عدو للحب والمحبين يقول
الكبرياء …لا يجدر بالمحب أن يملك شيئا منها ..)( 12) وكأن الكاتب أراد أن يبث فينا الحب بصورة أسطورية ، صورة جلجامش الباحث عن الخلود .
2 / الحب / الجنس / الله : إذا عدنا إلى الفلسفة الصوفية نجد ابن عربي يشير إلى علاقة ثلاثية أساسها الحب يقول ( والصورة أعظم مناسبة وأجلّها فإنها زوج شغفت وجود الحق ، كما أكانت المرأة شغفت بوجودها الرجل فصيّرته زوجا ، فظهرت الثلاثة حق ورجل وامرأة ، فحن الرجل إلى ربه الذي هو أصله ، حنين المرأة إليه ، فحبب إليه ربّه النساء كما أحب الله من هو على صورته ) (13) ، وبهذا القول ندرك أن المرأة وسيلة إلى معرفة الحق ( الله ) إذ يعرف الرجل المرأة التي هي جزء منه ، ثم يعرف نفسه ، وبهذا يكون قد عرف الله . فتجربة الحب ليس فقط طعم للذة الحسية بل هي مطعّمة بالنشوة الروحية ، وهذه التجربة لا يمكن أن نعيشها خارج الحب . يقول قاسم ( استمتع عبد الله بنوعين من العلاقات ، علاقته بالله وعلاقته بالنساء كان الله بالنسبة إليه تعبيرا ميتافيزيقيا عن الحب ، وما النساء إلا تجسيد مادي له ، لهذا لم يكن يجد أي تناقض في أن يكون المرء مؤمنا ونكاحا مغرما بالجنس في نفس الوقت ) (14) ، وبذلك تكون المرأة هي ( منبع الخلق يوصفها علة الوجود ومكان الوجود ) ( 15 ). هنا يكون الجسد جسرا إلى الحق ، حيث يتجاوز الجسد المادي ليرتبط ارتباطا وثيقا بثنائية الحب واللذة .( 16) . وإذا كان المنطق الديكارتي يجعل ثنائية النفس والجسم جوهرين متميزين لجوهر واحد هو الله ، فإن قسيمي يخالف ذلك في الحب بقوله ( الحب وحده مايمنح القدرة على الغفران ن وحده مايجعل المهم تافها … هو حالة من التقمص الغريب والشاذ عن الطبع البشري السائد الخبول على الأنانية والرغبة في الأخذ لا غير ، قد تغريك تلك الطباع بين الحين والآخر ولكنها لا تجعلك عبدا لها حتى بالكاد تشعر بذاتك منفصلة عن ذات من تحب . في الحب ينتفي المنطق الديكارتي : أنت وهو …هو ، وهو أنت ….أنت ، وكلاكما واحد رغم أنكما اثنان ) ( 17). من هنا ندرك أن رحلة قسيمي في الحب هي نوع من المجاهدة الأصلية صوب التحقق الوجودي ، بحيث تكون العلاقة العشقية صوفية الطابع و أقرب إلى فكرة التجلي ، وقد استطاع أن يرسم لنا حدود الحب بعاطفة لا تعرف الوقوف ، بل تتحرك للدخول إلى المناطق المحرمة في الطابوهات الاجتماعية وكأنه كلما عجزت الكلمات والأرواح والقلوب عن إيصال الحب المتبادل بين المحبين فإنهم يلجأون إلى تبادل ذلك عن طريق الأجساد ، وبذلك يكون الجنس أعمق تعبير عن الحب وأعمق تعبير لصناعة الحياة واستمرارها .لذلك جاءت ألفاظ قسيمي مزيجا بين المعجم الجنسي والمعجم الروحي ، وبرزت ألفاظ يمكن أن نطلق عليها ” شهوة الروح ” مثل ( لقاء . قبلة . عناق ….) و أخرى تشكل ” شهود الجسد ” مثل ( شهوة . رغبة . أضاجع . جنس ….) .
وانطلاقا من هذا التشكيل المعجمي يظهر لنا تصور مغاير للخيانة في فلسفة قسيمي فالخيانة عنده ( ليست في فعل المضاجعة في حد ذاته ، بل تتعلق بما يسبق ويلحق هذا الفعل ، فمجرد الشعور بأي شيء نحو شريكك في الفراش يحول الأمر إلى خيانة ، أما إذا اختفت المشاعر فإن الأمر يصبح شبيها بنزهة أحدهم في شارع لا يسكن فيه )( 18). إذ نجد الروائي يفرق لنا في هذه المقطوعة بين الحب والجنس ليجعل من الخيانة صفة لصيقة بالجب والمشاعر لا بفعل المضاجعة .
3 / الحب / الموت / العبث : تظهر عبثية رواية ” حب في خريف مائل ” من أول صفحاتها إذ تبدأ الرواية من النهاية من لحظة الموت ، موت ( جميلة و قاسم ) بإعتبارهما العصب الرئيس الذي يحرك الأحداث ، فقاسم وحده من كان يرغب في اعادة الحياة وطعمها “لنور الدين ” الذي صوره الكاتب شخصية عبثية متأزمة وجوديا تعاني الضياع و الوحدة والحزن والاغتراب لا يعرف الحب في حياته إذ تزوج وضاجع مئات النساء بغير حب ، لا يؤمن إلاّ بإنتظار الموت الذي يلف بوشاحه جسد النص ، وبذلك يكون الموت وجها من وجوه الحياة حين تصبح الكتابة وجها من وجوه البقاء . فالشيء الذي جعل ” نور الدين ” بسرد لنا هذه القصة هو بحثه عن ذاته ، عن هويته لتجسيدها على أرض الواقع إذ يظهر بشخصية ديكارتية مشككة في الحب وباحثة عن الحقيقة .
وهكذا يتلمس القارئ رائحة الموت والفناء والحب والوجود الذي يدور بين حنايا شخوص الرواية ، لذا جاء هذا النص السردي مساحة بسيكولوجية يكشف فيها كل بطل عن أحاسيسه وشعوره عبر هذه المصادفة والمحاورة التي جمعت بين ” قاسم امير ” بأفكاره المتحررة والراغبة في الحياة و ” نور الدين ” المنطوي المنتظر للموت .ليتنامى السرد ويتحول ” قاسم ” إلى شخصية محورية متمسكة بزمام الأمور ببوحه وسرده لقصته مع معشوقته ” جميلة ” . وقد بدأت قصة حبه معها بطريقة عبثية ، بدأت صدفة ، ( بدأت جنسية في قطار ) ( 19) “جميلة” التي كانت تمارس عليه عبثيتها واستهتارها ، وذلك بظهورها وغيابها المفاجئ ، لتزداد عبثية الحياة في جهله لحقيقة محبوبته ، فهو لا يعرف حتى اسمها ولا يتمكن من معرفة ذلك إلا صدفة أيضا .
لتشتدّ بنية الصراع في هذه الرواية بين المحبين والسلطة القمعية ( دين . أخلاق . خوف . مجتمع . سياسة …) مصورا لنا عجز الانسان وضعفه أمام هذه القوى ، والتي تحت وطأتها لا يجد الحب له مكانا في هذه الحياة . ومثّل لنا ذلك بشخصية ” نور الدين ” الذي أصبح الحلم بالحب عنده ضربا من المحال لتتساوى عنده الحياة بالموت . فبالرغم من ألمه واغترابه وخوفه من الموت الا ّ انه بقي منتظرا له على عجل ، وهذا لم يكن هما فرديا فحسب ، بل كان هما انسانيا يدخل الذات في عالم من السديمية .
لذا كان الهم الأكبر ل” قاسم ” في هذه الرواية هو إنقاذه ل “نور الدين ” وكل من يقرأ هذه القصة من العدمية واللا انتماء …. إلا ان الموت بسياديتها وعبثيتها كانت ترغب في من لا رغبة له فيها فعلى الرغم من حب ” قاسم ” للحياة ورغبته فيها وفهمه لكل خباياها ، إلاّ أن هذا لم يمنعه من قتل محبوبته وقتل نفسه ، وكأنّه على يقين أن الحياة والخلود لا تكون إلاّ في الموت . فالعبثية مسيّجة على كل سطر في الرواية ، إذ لولم تكن تلك المصادفة التي جمعت بين ” قاسم ” و ” نور الدين “ والتي حوّلت اللقاء من نفور إلى رغبة وكشف وبوح، لما كانت هذه الرواية ، ومن جهة أخرى لو لا ذلك اللقاء صدفة بين ” قاسم ” و ” جميلة ” في القطار لما كانت هذه القصة أصلا .
ولعل ذلك ماجعلنا نطلق على هذه الرواية اسم “رواية المصادفة ” ، بكل ماتحمله من ثنائيات ضدية متمنّعة في كشفها عن الحقيقة ” الحب ” لتتشكل هذه الثنائية في ( حياة/ موت ، فناء / خلود ..).
الهوامش :
1/ عبد الناصر حسن محمد ، الحب عند رواد الشعر الجديد .رموزه ودلالاته. الهيئة العامة لقصور الثقافة ، مصر ، ط1 ، 2000 ، ص 222.
2/ ابراهيم عبد الرحمن ، بين القديم والجديد ، مكتبة الشباب ، القاهرة ، ط2 ، 1987 ، ص 63 .
3/ زكريا ابراهيم ، مشكلة الحب ، مكتبة مصر ، القاهرة ، ط3 ، 1973، ص 121.
4/ المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .
5/ سمير قسيمي ، رواية حب في خريف مائل ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، 2014، ص 56.55 .
6/ الرواية ، ص 30.
7/ الرواية ، ص 50.
8/ الرواية ، ص 194.
9/ الرواية ، ص 101 .
10/ الرواية ، ص 191 .
11/ الرواية ، ص 159 .
* باحثة جامعية من الجزائر





” وقد لاحظ المتصوفة أن ( الاتصال الجنسي هو أعمق صور الإتحاد ، ومن ثم وصفوا علاقتهم بالله وصفا غراميا واستخدموا في التعبير عن حبهم للذات الإلهية عبارات مليئة بالرموز الجنسية ) (4).
وبهذا يختلط الجنس والدين في التفكير الصوفي ، ويصبح الحب وسيلة لخلاص الانسان ودخوله عالم النعيم ”
هي بعض شطحات الصوفية و التجربة الصوفية تختلف من ذات إلى أخرى و ليست كلها على نفس الوتيرة .