الرواية الجزائرية بين الإيديولوجي والتكفيري! / محمد حسن مرين *
ارتبط مفهوم الإيديولوجية بمفهوم الوعي، وفق منظومة سياسية محدّدة، وبقيم فكرية ترتبط بعالم الأفكار ضمن توجه سياسي معيّن، وعرف المصطلح تحوّلات دلالية ليستقر في المجال السياسي والفكري بوصفه منهجا سياسيا يُميّز بين مناهج فكرية متصارعة، عملت مختلف الإيديولوجيات على استخدام التبشير الإيديولوجي لأفكارها مستغلة جميع وسائل التأثير على الرأي العام، تشبه كثيرا أساليب التبشير الديني، وعرف هذا المدّ الإيديولوجي ذروته في خضم الصراع بين القطبين الرأسمالي والماركسي إبان الحرب الباردة، بما في ذلك استغلال وسائل الإعلام، والفنون كالسينما، والآداب كالرواية، ورغم مجهودات المدارس اللسانية والنقدية في تحرير العمل الأدبي من هذا التحزب للفن، والتركيز على البنيات الفنية والجمالية والشعرية للنصوص، ونجاحها إلى مستوى معين، فإن الإشكالية الإيديولوجية في الأعمال الأدبية لازالت مطروحة، تختفي لتعود من جديد، بفعل التعصب الإيديولوجي لبعض الكتاب أو النقاد أو القراء، أو في حالات ابتزاز لخلق حالات صراع صاخب بين متطرفات أو تناقضات فكرية أو دينية لجلب شهرة أو انتباه للعمل الأدبي، بفعل عوامل سابقة مما ذكرناه من دواعي الصراع السياسي الاستغلالي للآداب والفنون، بغرض الدعاية والتبشير، وعوامل مستجدّة أهمها تزايد العامل الديني، بما فرضه من عصبيات جديدة، أخطرها ظاهرة التكفير والتعبير بالعنف أو الدعوة إليه.
مرّ الأدب الجزائري متأثرا بتلك المراحل من الارتباط الأدبي بالتبشير الإيديولوجي، لدرجة قناعته بوجوب مساهمته في ذلك التبشير، لدعم توجهه الإيديولوجي الفئوي، في إطار مرحلة من الصراعات، وبناء على هذا الفهم شهدت الرواية الجزائرية حضورا إيديولوجيا في أغلب نصوصها الروائية، بشكل فيه من المباشرة والفجاجة أحيانا، على حساب منظورها الأدبي والجمالي، وفوّت الصراع الإيديولوجي على الرواية الجزائرية فرصة ذلك الزخم في السبعينيات والثمانينيات لصالح البعد الإيديولوجي، من جهة الكتابة كما من جهة النقد وحتى من جهة القراءة، بالنسبة للقارئ الجزائري، لذلك لم تحقق الرواية الجزائرية ذلك الحضور الفني المأمول، سواء عند القراء أو النقاد، خارج بعدها المحدود المرتبط بالاستغلال السياسي أكثر من التناول الأدبي، فتشكل نوع من العزوف عن الرواية.
إن التطور السياسي، وتطور المنظور الأدبي الذي انتصر لأدبية وجماليات النص على حساب إكراها ته الإيديولوجية، فأصبحت لذة النص الأدبي في فراغاته التي تعطي مجالات للقراءة في مشاركة جماليات النص المنفتح على التأويل والإنتاج الدلالي، وانزياح الكتابة الروائية عن الخطاب الإيديولوجي بشكل مباشر مغلق إلى خطاب أدبي منفتح، يهتم بالقيم الإنسانية وليس بالقيم الحزبية أو العصبية الضيقة، ولكن ظلت الرواية وهي تتناول الطابوهات الخالدة الدين والجنس والسلطة، في لعبة السير على الحبل الدقيق، وهذا في كل المجتمعات بما في ذلك المجتمعات الغربية، كالممارسات الجنسية الشاذة، أو بعض المواضيع السياسية ككتاب روجي غارودي ، الأساطير المؤسسة لإسرائيل، أو مسائل دينية، مثل رواية شيفرة دافنشي لدان براون ، التي أثارت الكنيسة وأتباعها لأنها تلامس بشرية المسيح، أو ما شهدته رواية سلمان رشدي من صخب عالمي.
في عالمنا العربي لم يختلف الأمر، بل كان أكثر حدية وصخبا، من أولاد حارتنا لنجيب محفوظ إلى وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر، وأخيرا في الجزائر رواية تحقيق مضاد، قائمة من الروايات المثيرة، إلى جانب الكتب الممنوعة بفعل القرار السياسي والأمني، وأخيرا قوائم الكتب الممنوعة في كل معرض عربي للكتاب، بسبب أو آخر، مخالفة الآداب العامة، تهديد الأمن العام، وأخيرا نشر التشيع والترويج للإرهاب، وفي عالم أصبح الكتاب الرقمي يتجاوز أي رقابة أو وصاية، كذلك أصبح التبشير الإيديولوجي والتبشير التكفيري يستعمل الرقمنة لفرض منطقه، فازداد الصخب وأصبح أكثر سرعة، كما دخل تطور الإعلام الفضائي والرقمي، وزخم الجوائز الأدبية بازار الإثارة، وشكل هذا الواقع الذي تتوارى فيه أحيانا العلمية والموضوعية والعقلانية والجماليات لتحل محلها الإثارة لتحقيق التوسع الإيديولوجي والمالي، واقتسم هذا البازار تياران عبثيان:
- التيار الأول هو التيار الذي مازال متمترسا بقلاعه الإيديولوجية القديمة، ولم يدرك التحولات العالمية والمعرفية، التي تجعله يرى في التنوع الفكري والعرقي واللساني والديني حقيقة كونية لن تتغير، لأنها سنّة من سنن الخالق وعامل من عوامل الحضارة، وأن الكتابة الأدبية ليست مجرد صدمة بل هي إبداع يصل إلى الناس، وأن الرواية هي عمل أدبي وجمالي في الأساس وليست بيانا إيديولوجيا يُلقى لإرضاء هذا وإغضاب ذاك، وإلا كان مصيره الفشل الأدبي حتى ولو حقق شهرته الإعلامية المؤقتة.
- التيار الثاني: هو تيار تكفيري فيه من الغباء ما يكفي لخدمة أعدائه، وله من نوازع البحث عن الشهرة والرياء، ما يشترك به مع التيار الأول في حفلة صراع ديكه مصطنع، لن يفيد سوى أنه يعطينا فكرة عن وضعنا الثقافي والفكري المتدني الذي يسبب لنا كل هذه الكوارث الحضارية، في حالة من الاحتراب الداخلي العبثي، الذي لا يريد لمجتمعاتنا أن تغادر حلبة الصراع الإيديولوجي العبثي، نحو واحدية فكرية وهمية لن تتحقق، لأنها مخالفة للنواميس الكونية.
وهذان التياران العبثيان يعانيان عجزا معرفيا وفكريا في فهم خصوصيات الإبداع الأدبي، الذي يعتمد على جمالياته اللسانية وأغراضه الإنسانية، ولذلك الروايات الخالدة هي روايات تمكنت من اللغة الشعرية والمضمون الإنساني، والبعد الإيديولوجي هو أضعف العوامل في نجاح الأعمال الأدبية أو فهمها، ولا يكفي على الأقل وحده لصناعة أي إبداع، أو تلقيه العالمي الواسع، والصخب حوله لن يفيده طويلا لأن البقاء للأصلح أدبيا، وليس للأكثر صخبا، وهذان التياران يريدان إعادتنا إلى المربع الأول من صراع عبثي تجاوزته الأحداث والارتقاء الفكري الإنساني، حيث أصبحت التعددية هي الأساس وليست الواحدية، فلا يمكن لأي مجتمع أن يسجن في قالب عرقي واحد أو لغة واحدة أو جماعة دينية واحدة.
كما أن الجزائريين مثلا لا يمكنهم أن يقتنوا رواية لا تعجبهم أو تسبّهم، وإذا كانت رواية جيدة لا يمكن لأي فتوى أن تقنعهم، فهم استقبلوا أحلام مستغانمي كأنها نجما في كرة القدم حقق لهم كأس العالم دون إذن من أحد، وبقيت روايات مؤدلجة حبيسة الرفوف لا يسمع بها أحد، مع كل لوبيات الدعم، فكل رواية جائزتها حب الناس وملامسة مشاعرهم وأحاسيسهم، أكبر من أي جائزة، دون فتاوى، لأن الجزائريين وغيرهم لن يقبلوا بإيديولوجية التكفير أن تكون منهجهم في الاختلاف السياسي والفكري، وهم يرون مآلات التكفير الكارثية على أمن المجتمعات ووحدتها وعلى مستقبل الإسلام ذاته، كما أن التكفير ليس منهجا إسلاميا وإنما هو منهج عصابات حرابية، والقرآن الكريم أورد كل مقالات مخالفيه بالتفصيل، وردّ عليها بأسلوب إقناعي، تاركا المجال للاختيار البشري، مُدينا الإكراه البشري على قناعات الناس.
إن الفكر الواعي المتنوّر تجاوز ثنائيات الصراع المؤدلج، في عصر مابعد الإيديولوجية وما بعد الحداثة، لأن أغلب الصراعات كانت صراعات وهمية، بمنظور إنساني تعددي، يتيح للآخر حق الاختلاف، لست مع محاكم تفتيش وحراسة للنوايا، وأرى أن بعض الأفكار الإيديولوجية التي تطرح رغم شططها لا تستحق هذا الحراب التكفيري، في زمن فيه من الأولويات أكثر من قصيدة هنا أو حكاية هناك، أومقال هنا وخطبة هناك، قرأت مقال الشاب الموريطاني محمد الشيخ الذي جرّه إلى الحكم بالإعدام، وتأسفت أن يكون مقالا بهذه السذاجة الفكرية أن يجر صاحبه إلى الإعدام، مع أن سطرين كانا كافيين لمراجعة هذا الشاب المتذمر من إشكالات اجتماعية في بلده، وهو يرى أن التمييز العنصري له أصوله الدينية والتدينية، وكان يكفي تذكيره أنها ظاهرة إنسانية عانت وتعاني منها المجتمعات، وتذكيره بالسياقات التاريخية لأمثلته، وتوجيهه إلى سورة المسد في القرآن الكريم حيث تبشير عمّ الرسول بالنار، في مقابل تبشير بلال بن رباح الحبشي بالجنة، مؤذن الرسول، وأن الإسلام جاء ليعالج الظواهر الإحتماعية السلبية وليس لحمل وزرها، وتنتهي المشكلة أو تتواصل في إطارها الفكري والجدلي، وكذلك رواية تحقيق مضاد، ولكن حماقات الجماعات الدينية، وكل جماعات الرقابة المفرطة، تخدم هذا الشطط الإيديولوجي، كأن هناك تحالفا بين الطرفين، على حساب أولويات تُدين الجميع على رأسها تخلفنا الحضاري وخذلاننا لفلسطين، حيث تهون أمامهما حروب الأزقة التي يشتغل فيها الطرفان
* كاتب وباحث من الجزائر




