في هذا الواقع العربي، الذي تتصدر فيه العمليات الإرهابية واقعنا العام، المدعومة بفتاوى تقطيع الرقاب وتهشيم الجماجم تقربا للمولى عز وجلّ !! بأفضل عبارات السجع، وتكبيرات الحماسة، أهم ما ينتجه العقل العربي، ولا ينافسه في ذلك سوى أغاني البطيخ الأحمر والفساتين الحمراء، وأغاني الواي واي، وانقسمت الملايين التي بح صوت الإخوة الفلسطينيين في مناداتهم قبل أن يبح صوت المغنية جوليا بطرس “وين الملايين” والملايين انقسمت في شبكات التواصل الاجتماعي بين شيوخ الفتنة، والمغنيات والراقصات، وكله جهاد نكاح، وقبل أن نحلم بجلب هذه الملايين لتحرير فلسطين، أو أي مشروع تنموي لخدمة البشرية، يُفكر بعضنا في جعل هذه الملايين وقودا لمعارك غوغائية، باستغلال الشعار الديني المنفصل عن أي أساس معرفي أو بُعد مقاصدي، آخرها كيفية الرد على الإساءة للرسول الكريم صلّى الله عليه وسلم.
قبل أن نُدين غيرنا بإساءته للرسول الكريم، ونتورط في أعمال عصبية عاطفية تخدم المسيئين ومن وراءهم، وتخدم أصحاب خلق المعارك الجانبية الخاطئة، كمعارك الاحترابات الداخلية وحروب الأزقة العربية، وكمعارك غزوات العواصم الأوروبية، وكل هذا بفهم ديني قاصر، يغوينا بجهاد بديل ابتغاء الفتنة، فيُريد أن يحوّل كل أرض الله جهادا ما عدا فلسطين !! وكل خلق الله أعداء ما عدا إسرائيل !! ولا يريد أن يفهم أن وضعنا الحالي هو أكبر مسبّة للإسلام، وأكثر كاريكاتيرية من كاريكاتير جريدة مغمورة حوّلها بعضنا إلى جريدة توزّع الملايين، دون أن نستفيد من معارك الطواحين التي نخوضها، ودون أن نفهم أولويات الإنسان والإسلام التي عمل الرسول الكريم على غرسها.
انتهازية قطاعات عربية في التعامل مع الغضب الديني لجمهور إسلامي طاهر السريرة، تشبه الانتهازية الإسرائيلية في استغلال هكذا أحداث، كنت أتأمل وقفة رئيس الحكومة الإسرائيلي في مقدمة المسيرة الدولية في باريس المنددة بالإرهاب، والمتضامنة مع حرية التعبير !!، وتذكرت المجازر الإسرائيلية، والأسرى الفلسطينيين، وصور أشلاء الأطفال في غزة وغيرها، وفي كل حروبها، ونجاح اليهود في تحويل الكراهية إلى قيمة معاداة السامية، وتجريم التشكيك في الهلوكوست، وأنا أقرأ تلك النشوة في وجه نتانياهو أحسست أن إسرائيل تتمنى أن تدفع الغضبة الدينية العالم العربي إلى الإلتهاء في معركة ضد الغرب، كما يتلهون بحروبهم الداخلية ببركات التكفير والجماعات الدينية التي فرقت الأمّة شيعا، وأنظمة الاستبداد التي حوّلت شعوبها غثاء.
ويحق لي أن أسأل أولئك الذين يريدون أن يتقدموا مسيرات الدفاع عن الرسول الأمين، لتبييض صورة الإرهاب، وتحريف صورة العدو، فبعد أن زرعوا لنا صورة العدو الداخلي، ليقتل بعضنا بعضا، زرعوا صورة العدو الخارجي، المهم في العدو الأول والعدو الثاني أنه ليس إسرائيل، العدو الحقيقي، وزرعوا لنا أنه يحق لنا أن نغضب ونخرج ونقتل باسم جهاد بديل، المهم أن لا يكون في اتجاه القدس، ولكن لا باس أن يكون في اتجاه أي عاصمة في العالم، والسؤال المحرج الذي أريد أن أضبط به غضبنا اتجاه الرسوم لكي لا يتعطل ذكاؤنا.
كيف وصلنا إلى شارل إيبدو؟
إن أولئك الذين نشروا الفكر التكفيري الإرهابي، وجعلوه واقعا في حياتنا، من جرائم فظيعة يتباهون بها وينشرونها ليشاهدها العالم، تحت صيحات التكبير، وباسم الصادق الأمين !!، أول وأكثر من أساء لهذا النبي العظيم، وأول من نشر صورة القهر، وأعطى رسوخا للصورة النمطية في المخيلة الغربية، التي يتمناها الإسرائيلي.
أليست حروينا الداخلية بشعارات دينية وتكفيرية أكبر نكبة على صورة الإسلام ونبيّه الكريم، وأن مشكلة هذا الفكر مع حرية التعبير هي فعلية، لأنه قبل أن يقتل رسامي شارلي إيبدو، قتل الآلاف من العرب والمسلمين، ويستحل دم ثلثي المسلمين بنظرية التكفير والتبديع والوصاية على نوايا خلق الله، وأن مشكلته مع التعدد هي مشكلة عويصة تجعله في تحارب بين جماعاته وأفراده، قبل المختلفين معه في الطائفة أو الدين.
أليس وضعنا الحضاري والسلوكي المتخلف أكبر فتنة للعالم حول حقيقة الإسلام، وأن حياتنا المترفة التي خصصت فضائيات للرقص الشرقي والدجاج، والتشاتم المذهبي، عجزت أن تخاطب العالم وتعرّفه بالنبي وقيمه الإنسانية النبيلة، إن أي إساءة للنبي نتحمل جزء من وزرها، قبل لوم غيرنا، ماذا قدمنا لهذا العالم حتى يحترمنا، ما عدا السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة، وأشلاء الجثث في شوارعنا، هل تحتاج تلك الصور التي يشاهدها العالم إلى صورة هنا أو فيلم هناك ليسيء للرسول الحبيب، كيف فعلنا به حتى نلوم العالم؟.
نقل القرآن الكريم كل إساءات وسخريات الآخرين، وردّ عليها بإيجاز، وبأسلوب إقناعي، ناقلا محور الصراع، إلى القضايا الكبرى، وإلى وحدة المسلمين وهداية البشرية وسعادتها، أما لحظة تدني مستوى الحوار إلى السخرية والشتم، فكان التوجيه بالإعراض والسلام، لأن الإسلام والرسول المتخلق أكبر من أن ينزل إلى مستوى الجهل، ويمكن للمسلم مراجعة تلك الآيات والسياقات التي ذكرت السخرية والاستهزاء و السبّ ليدرك بسهولة أننا بحاجة إلى ذلك المنهج القرآني والنبوي في إدارة الحوار والصراع والأولويات.
{وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} الأنعام 108.
لا أريد أن يتحول الغضب إلى دافع لارتكاب الحماقات، ولا أريد أن يكون غضبنا سببا لمزيد من السب للنبي الكريم وللإسلام، في حفلة تشاتم متبادل، يغيب فيه العلم ويحل التعصب، بل يكون دافعا لجعله محورا معرفيا للعالم، ولا يكون ذلك إلا بإتقاننا للتواصل مع الآخر بكل صبر وحلم كما كان النبي، و يكون ذلك بفكر منفتح على العولمة وآليات العصر ومناخات الحداثة، ولا يكون بفكر العصابات التي لا تحتمل اختلاف المسلمين فيما بينهم فما بالك بالصبر على التواصل مع الآخرين.
على العالم الإسلامي والفكر الإسلامي أن يدرك أن الإرهاب والتطرف هو معضلة داخلية يجب أن تحارب وتُعزل من المسلمين كما النازية والعنصرية والصليبية في الغرب، لأنها أكثر ضررا على الإسلام من أي إساءة، بل أغلب الإساءات تأتي من بابها، وخصومتنا مع الآخر لا تجعلنا نبرر ظلم بعضنا لشعوب الأرض واستجلاب كراهيتها، خصوصا في مناخات من الحرية للتواصل والتبليغ والأمان، لا شك أنها مفيدة للإسلام بسبب حجيته العلمية والمعرفية، لا يعكرها إلا هذا الخلط للأوراق بين يمين عنصري وتعصب جماعات دينية، واستثمار انتهازي إسرائيلي واضح.
والأهم يجب أن لا يتوارى محور الصراع الحقيقي، وهو فلسطين، أين توجد أكبر مهزلة وسخرية ضد الإسلام ونبيه، تحت أي عنوان، يحاول البعض ممن تعوّد على خلق عدو بديل لإسرائيل، وخلق معارك على حساب المعركة الحقيقية والجهاد الحقيقي في فلسطين، أن يقفز على مسؤوليته في صورة الإسلام مع اليمين العنصري، بين الإرهاب والإسلامفوبيا، هذا الإسلام والنبي الذي جاء رحمة للعالمين، لسنا بحاجة إلى غزوات، لا في نيويورك ولا في برلين ولا في باريس، ومن باب أولى في عواصمنا العربية والإسلامية، بعيدا عن غزوة القدس، حتى لا يجرفنا أي نازع، ولو كان صادقا، في الانحراف بالأمة عن الطريق الصحيح، الذي تعمل جهات مستفيدة على رأسها إسرائيل ومن يدور في فلكها، كيدا في خلق متاهات جانب هذا الطريق، وغباء من جماعات قد تكون صادقة العاطفة قليلة الذكاء، لا تحسن قراءة المشهد السياسي وأبعاده ومآلاته.
باختصار دعوا العالم يتعرف على الإسلام ونبي الإسلام في هدوء وحرية، ولا تلتفتوا ليمين عنصري يريد نقل الحقيقة من مجالها المعرفي والعلمي والثقافي إلى مجال الكراهية والتوتر حيث يستفيد ولا نستفيد
* كاتب وباحث من الجزائر




