(أ)
الرؤى التشكيلية الّتي يُفرزها النصّ القَصصي تُحوّله ودائرة المعنى من إطاره الكِتابي إلى الإطار التلويني من خلال لونيْن يمثّلان طباقياً المحدّد التشكيلي للّوحة الوجودية ؛ حيثُ الأشياءُ البيضاء في الغرفة البيضاء لا يمكن تمييزها سوى بلمسات ومسحات راسخة وطفيفة من ليلٍ مطلّ من النافذة وكلماتٍ تترى على أسطر الورقة البيضاء وإطار النظّارة الأسود … وكأنّ البياض هنا يكونُ قدْ حوّل الأشياء إلى عدميتها المفترض فيها أنْ تكون سوداء تتمثّل تمثّلاً عدمياً حيثُ اللاشيء يعني اللارؤية واللالون والانتفاء الكائنَ المطلق لكلّ شيء ؛ وما البياض هنا سوى رؤية خِلافية لكينونة العدم ومُحيلة إلى تمثّل جديد للعدمية بلونها الجديد في توازِ للأبدية وكأنّهما (العدمية والأبدية) وجهان لا يفصل بينها إلّا الامتثال الوجودي بخطوط الطول والعرض والارتفاع .. تلك الخطوط العارية في اللوحة وتناظرها مع الأجساد العارية الّتي تُعمل فيها المشارط على المَشرحة بيد بطل القصّة مرتدياً الروب الأبيض أو الإزار الطبّي متشبّهاً بما يمارسه الفنّان أو لِنقلْ الفنّانة ذات الشعر المنسدل وهي تبني أشياء لوحتها على عكسه هو حين يفكّك مُشرّحاً جثث الموتى باحثاً عن خطوطها الأولى وكيف تهندسها تشكيلاتٌ خلوية وتجمّعات نسيجية وتراكيبُ عضوية للجثّة العارية ما أسكنه بياضَ البدايات !
(ب)
ذلك هو بطلُ القصّة طالب الطبّ المُحاط بالبياض من كلّ الجهات ولولا بعضُ منْ تلك اللمسات والمسحات الراسخة الطفيفة من الأسود اللائق ذي الحسّ الوجودي بذات البطل ، بشيء من وطأة زمن الليل وانثيال الحبر على ورقاته البيضاء ، وتأطّر نظّاراته الشفيفة بحيّز من السواد لكان مُغرَقاً في تخوم أوقيانوس البياض يُفقده الإحساس بوجوده .. لمسات ومسحات سوداء فقطْ تُشعره ببقية وجوده الموغل في البياض … كان غائباً تماماً عن الوجود بذلك البياض المفرَغ ! هذا الطباق المُريع والمدهش معاً بين حامل المشرط في المَشرحة وحاملة الفرشاة في المَرسم ينصّ في بلاغته النصّية الّتي تبدر لقارئ هذا النصّ القَصصي الرائع بعدمية البحث عن بدايات التكوين “العدمية البيضاء” ونهايات التلوين”المحدّدات الكونية” للأشياء ؛ وكأنّي بصاحبة النصّ تُحيلنا بهذا الطباق اللوني إلى ذلك الرجل المنزوي في السديم الأبيض منقّباً عن تفاصيل الأشياء وأدقّ الأمور في جثث الأموات حتّى ينتهي إلى العدم , بينما يتناسى شيئاً فشيئاً تلك المرأة المنطلقة المتسيّجة بالألوان تُطلق شعرها الأسود الطويل المنسدل تحمل فِرجونها لتغطّيَ تلك التفاصيل العدمية بأزهى الألوان في لوحاتها ؛ وبين إطار اللوحة الّتي هي المعادل الموضوعي المتخيَّل وإطار الواقع الحيويّ الماثل يسعى النصّ في إدارة المعنى بين رجل متأزّر ببياض العدم وامرأة متلوّنة بالوجود كالفارق تماماً بين تشريح الجثث وتشكيل اللوحات !
(ج)
وحين تقع المواجهة ويقع التطابق بين أسير البياض والمنعتقة بالألوان , بين الماكث بين بدايات الجثث والمنطلقة في نهايات الألوان ينتبه الأسير الأبيض المتوسّط من مخيّلته الشعرية الّتي أماتتها تفاصيل الموتى ؛ تقفز فجأة تلك الكلمة “الانعتاق” الراسبة في الذاكرة الميتة متأثّراً بكلّ جماليات ما أبدعته فرشاتها الخلّاقة وكأنّه يُبعث ثانيةً خَلقاً جديداً : “منذ تلك الليلة أصبحت أسير شغفي بتأمّلها وترصّد اكتمال لوحاتها الواحدة تلو الأخرى. أضحيت رفيق فرحها تلك اللحظات الآسرة، كأنّي بها أسمع تنهيدها وشهقة اندهاشها بما أنجبت، بل أرى حقًّا حركة صدرها بدلالة تنفّسها العميق، العميق جدًا كأم ارتاحت من مخاض الولادة للتوّ. هي لم تلد لوحات مرصوفة بالألوان وحسب، إنما بعثتني في ولادة جديدة. تشكّل عالمها الملوّن، وأشكّل عالمي بالكلمات وما بعد الكلمات، ولا أطلب إليها ضمنًا، سوى أن تظلّ أمامي ههنا، إلى أن يحين موعد اكتمال قمري، وانعتاق الحكي من قمقم الذاكرة، فيشتعل عالمي العابر صوبها في قطار الانتظار. عالمي مزركش بخصلة شعر أسودَ طويل يطلّ من نافذة، وخيطٍ أبيضَ حدودُه السماء.” ومن وجهة نظر صورية تنبعث الحياة من الرسوم الساكنة المتخيَّلة في قِطع اللوحة ببهجة الألوان من فرشاة تلك الأنثى المنعتقة ، بينما تتلاشى كلّ الحياة في تفاصيل الجثث الماثلة واقعياً والمنهالة بالبياض العادم .. تلك هي المفارقة الطباقية المشخّصة للأسر والانعتاق ، الّتي تنبعث من دائرة النصّ المشكّل إطاراً فلسفياً لتلك الصورة المجسّدة .
َ
*ناقد وقاص من الجزائر
َ




