2/ الإدراك البصري لصورة الغلاف:خطابُ الحركة واللّون:
” وحدَهُ الإنسانُ الذي يستسلمُ كُليّاً لموضوعِ إدراكهِ، هو الذي يُدرِكُه جمالياً”
-Erwin panofsky-
تُعدّ الصّورةُ في مفهومها العام تمثيلاً للواقع المرئي ذهنياً أو بصرياً، أو إدراكاً مباشراً للعالم الخارجي الموضوعي تجسيداً وحسّاً ورؤيةً(13).وإذا كان التمثيلُ بصرياً فستكون أداتُه بالنسبة للصّورة الثابتة، الريشةُ والألوانُ في حالِ اللّوحة التشكيلية، وآلة التصوير في حال الصورة الفوتوغرافية.وفي كلتا الحالتين نكون أمام ” صورة فنية ” تشتغل في إطار المكان وتعملُ على إلغاء الزمان؛ أي أنها «استعادةٌ لجزئيةٍ من فضاء ممتدٍّ إلى ما لا نهاية وفقَ معايير تُلغي الزمانَ باعتباره مدى محسوساً أو تعاقبياً في كل شئ:كلُّ صورةٍ هي في الأصلِ نفيٌ للزمن من حيث هي تأبيدٌ للّحظة»(14).والصّورةُ بوصفها خطاباً قائما على منظومة علاماتٍ بصرية تحضُر دُفعةً واحدةً في مجال البصر على مستوى الفضاء، فإن هذا لا ينفي عنها سمة الاحتكام إلى نسقٍ مُنتظم اعتمدَه المُصوّر لحظة إنجازها، وانطلق منه القارئ زمن تلقّيه لها.ونقرأُ في هذا السياق تلك النصائح التي قدّمها الفنان التشكيلي الفرنسي ” أوجين دولاكروا- Eugène Delacroix ” (1798- 1863) للرسام في الانطباعية الحديثة بأن «لا يبدأ لوحته قبل أن يُثبت الترتيب الذي ستكون عليه.وأن يستثمر ما رسّختهُ فيه التقاليدُ المتعدّدة وتعاليمُ العلم ليُعطي لتكوينه الانسجام الذي يتوافق مع مفهومه هو، بمعنى آخر إنه يلائمُ الخطوط بتوجّهاتها وزواياها، والإضاءة بمساحاتِها المُعتّمة والمضيئة وبتدرّجاتها، والألوان بتنوّعاتها ودرجاتها، مع الطّابع الذي يُريد له أن يُسيطر على اللّوحة.وهكذا فإنّ الطّابع المسيطر على الخطوط سيكونُ أفقياً للإيحاء بالهدوء، وصاعداً للإيحاء بالفرح، وهابطاً للإيحاء بالحزن(..) وتتضافر لعبة تعدّد الألوان بكلّ ما فيها من تعبيرية وغنى مع لعبة الخطوط هذه»(15). وسنعمل على استثمار هذه التفاصيل التشكيلية التي نصَح بها ” دولاكروا “في محاولة إدراكنا البصري لصورة غلاف رواية (موت ناعم)، غير مهمّشين- في الآن نفسه – لتحقيق هذا المقصد، تلك الفرضيات التي وضعتها الدراسات العلمية في مجال علم الظواهر، خاصّة ما انصبّ منها على الإدراك البصري، ومنها ما بيّنه الباحث “رينيه ليدكنز-René Lidekins ” في دراسته حول السيميائية البصرية من أنّ تتابُع الإدراك التحليلي ينتظم في الفضاء الشمولي للصورة عبر التعارض بين ما هو كتيم وما هو لامع، ثمّ في الفضاء الشمولي أو الجزئي نفسه، وانطلاقاً من التعارض بين ما هو كتيم ولامع، بين ماهو في الأعلى وما في الأسفل، وبين جهة اليسار وجهة اليمين، مع أولوية الجهة العليا اليسارية(16). وتنظرُ السيميائية إلى الصّورة بوصفها «علامة دالّة تعتمد على منظومة ثلاثية من العلاقات بين الأطراف التالية: مادّة التعبير وهي الألوان والمسافات، وأشكال التعبير وهي التكوينات التصويرية للأشياء والأشخاص، ومضمون التعبير وهو يشمل المحتوى الثقافي للصّورة من ناحية، وأبنيتها الدلالية المُشكّلة لهذا المضمون من ناحية أخرى »(17).
تتشكّل هذه الصّورة البسيطة ذات التفاصيل القليلة، من “خلفية-Fond “باللّون الأزرق الفاتح تُمثّل ما يُشبه الباب أو الجدار الخشبي الذي لم تُعلن الصّورة عن حدودِه لتُعرَف هويتَه، في أسفلِه بقايا ورود ذابلة تساقطت قبل زمنٍ من فصيلةِ الوردة المُستمسِكة بعُرى الغُصن نفسها، واللّون نفسه.في أعلى يسار الصّورة تدلّى غُصنٌ نظِرٌ يحملُ في منتهاه وردةً بلونٍ أصفرٍ فاتح وقد اتّخذتْ وضعيةَ انحناء دون أن تسقط جرّاء بقاء منبتِها/ الغصن راسخاً ومتشبّثاً في إصرارٍ عنيد بأعلى يسار الحاجز أو الباب الخشبي الذي هو نفسُه حدود الصّورة.ورغم هذه الوضعية التي تُشبه الانكسار بدَت الوردةُ ذات اللّون الأصفر الفاتح الوحيدة في الغُصن، محافظةً-إلى حدٍّ ما- على هيئتها مع بعض علاماتِ بدايةِ ذبول، مُنجذبة في انحناءتها إلى منتصف الحاجز/الباب ذو اللّون الأزرق الفاتح والطبقة اللّونية-Couche Chromatique ” الخفيفة المتآكلة بفِعل عوارض الزمن وعوامل الطبيعة التي لم تنل حتماً منه بقدر ما ظهرت تأثيراتها على العُنصر الحيّ في الصّورة؛ وهو الغصن وما تساقط منه نحو الأسفل. وقد حُفِر على سطح هذا الباب/ الحاجز خطوط عمودية مستقيمة، تُرِك منها اثنان على اليمين واثنان على اليسار واستُميلت الوردةٌ نحو خطّ المُنتصَف. وكأنّ هذه الوردة قد حال دون ارتقائها نحو الأعلى/الخارج اللامحدود هذا الحاجز الأزرقُ الذي جعلَ حركَتها تنكفئ نحو الدّاخل/الأسفل باتجاه المُنتصف تحديداً.وإذا بحثنا عن “السردي” الذي كانت هذه الصّورة مقابلاً تشكيلياً بليغاً له، فسنجد ضالتنا في المقطع الآتي:«مرّةً أخرى…كلُّ شئٍ يتحالفُ معي ضدّي، ضدَّ نفسي…ضدّ هروبي الذي اعتبَرتُه ناجحاً…مُغيِّباً…مُسكِراً…مُعطِّلاً…حتى دخولي إلى الجامعة…يتدخّل المُطلق في تقمُّصنا لأنفسنا…وانسلاخنا منّا.إنّه يكسوني بمشاهِده كُلّما أردتُ أن أنزعَ عنّي رداء الخيبة الذي نسجَهُ لي.أريدُ أن أكون عاريةً منّي…مكشوفةً منه، ويأبى إلاّ أن يلُفّني بمُطلقِه حتّى يحجبني عنّي، ويتغمّدني في منتصفه حتّى لا أستلّني منه مرّةً أخرى.يتفانى في تدجيني..ويحبّ أن يصبغني بلونِ الرّداءة والخنوع، وأحاولُ جهدي ألاّ يحول لوني…أتشبّثُ بعُرى الهوامشِ البِكر كي أبقى على قيدِ الشّرف »(18).
يُدعّم هذه الحركة خطابُ اللّون مما يجعل البصَر يواجه لونين:الأصفرُ الفاتح والأزرق الفاتح وكلاهما له خصوصيته؛ فالأصفرُ الفاتحُ«قويٌّ، عنيدٌ، حادّ إلى درجة تُمكّنه أن يكون ثاقباً أو رحباً وباهراً كتدفّق معدنٍ في حالة الذوبان.الأصفر، هو الأكثرُ دفئاً، الأكثر بوْحاً، والأكثر تأجّجاً واتّقاداً من بين الألوان، يصعُب إخمادُه أو تخفيفُه، يتجاوزُ دائماً الطّوقَ الذي يتوخّى احتواءَهُ»(19).وهو ما ينطبقُ على هذه الذات الساردة، الأنثى، العنيدة، العصيّة عن التقييد:«تأبى هذه الأنثى المزروعة بداخلي الانحباس، إذ لا تلبثُ أن تظهر على وجهي وملامحي وخفقاتي…لتتدفّق دمعاً حارّاً يجتهدُ في إخمادي»(20).وفي الموروث العربي الإسلامي دلّ الأصفرُالذهبي على الحكمة، وكان الأصفر الباهت دليلَ خيبة أمل(21).«كنتُ أطمعُ أن أكونَ امرأةً في الطّور الأخير من الاكتمال والإنسانية…أن أوفي إنسانيتي حقَّها بعيداً عن التشكُّل في قالبِ أنثى مُستكينة مُنقادة تُريد أن تستوفي شروط الرضا عنها من طرف أحدهم، واستيفاءً لي من الحياة الحقيقية قبل أن تنهشَها النهايات المُتكالبة عليها بأمرٍ من الآخرين»(22).مثيل هذه الحالة النفسية/ الفكرية التي تقتربُ من المشكلة الوجودية على مستوى وعي البطلة ” سعاد ملياني ” الواقعة بين سندان توقِها وتطلّعاتها لتحقيق ذاتها بصيغة المُطلق، وسندان المجتمع بعاداته وتقاليده وذكورته.عاشها الفنّان التشكيلي الهولندي ” فان غوخ- Van Gagh”(1853- 1890) هاجساً ميتافيزيقياً، ووجدَ ضالتهُ تشكيلياً وجمالياً في اللّون الأصفر كما تجلى في لوحته الشهيرة “غربان فوق حقول القمح- Champs de blé aux corbeau”(1980)(23).
وفي الطرف الآخر نجدُ الأزرق قد سادَ فضاءً خلفياً مُكتسِحاً، وإطاراً مُحدِّداً للصّورة في الوقت نفسه، كما عقَد هذا اللّون اتّفاقاً صريحاً مع العنوان الذي اكتسى به لوناً أبدياً مُسيطراً.والأزرقُ «أعمقُ الألوان، يدخُله النظرُ دون أية عوائق، ويسرَحُ فيه إلى ما لانهاية، حتى لكأننا أمامَ هروب مستمرّ للّون(…)تضيعُ الحركاتُ والأصواتُ والأشكالُ في اللّون الأزرق، تغرقُ فيه، يُغمى عليها داخلَه، كالعصفور في السّماء(..)هو طريقُ اللانهاية حيث يُصبح الحقيقيُّ خيالياً.أليس هو لون عصفور السعادة، العصفور الأزرق المنيع الذي بقدر ما هو قريب، بقدر ما يتعذّر الوصول إليه؟»(24). فما الذي يُمكن أن تجنيه ذاتٌ رقيقةٌ – مهما كان إصرارها وعنادها – من المغامرة صوب هذا الفضاء المُطلق اللانهائي؟..« إنّ الدخول في الأزرق يُشبه قليلاً أليسْ في بلاد العجائب، الدّخول من الجهة الثانية للمرآة.الأزرقُ الفاتحُ هو الأوهامُ وأحلام اليقظة»(25).هل كانت “سعاد ملياني” شبيهةَ ” ألِيسْ” في بلاد العجائب؟ هل كان العالم الذي تحياه والذي تطمح في تحقيقه عالم وهمٍ وأحلام يقظة؟..ربّما، مادام “الحصاد كان مُرّاً ” مثلما أقرّت هي نفسها:«نعم زرعتُ الوهمَ بداخلي، ثمّ حصدتُ الخيبةَ تلو الخيبة، قال لي أحد أساتذتي عندما كنتُ طالبةً أني لا أرى إلا نفسي، ومهووسة بالالتفاف حول الذات كأنني سُرّة هذا العالم»(26).وقد يتقاطع الأزرق مع فكرة الموت؛ ذلك أنّ عُمق الأزرق له وقارٌ وجاذبية واحتفالية فوق دنيوية تستدعي فكرة الموت، وقد كانت جدران مُدن الأموات المصرية التي تُبرز مَشاهد محاكمة الأرواح تُغطى بدِهانٍ أزرق فاتح(27).
إننا هنا أمام لونين عنيدين؛ يأبى أحدُهما(الأصفر) الانحباس والتقييد، ويمتلك الثاني(الأزرق) جاذبية سحرية للإيهام، وقدرة غريبة على الإيقاع في غوايته وتهويماته كلَّ ما يخترق مجالَه، مُفسحاً له الطريق لكي يُبحر في محيطٍ بلا حدٍّ ولا نهاية.وحين يكونُ التراجعُ مستحيلاً، والاستمرار في الإبحار خيارا طوعاً لا مفرّ منه رغم مآسيه وخيباته، فإننا نكون أمام معادلة ” الموت الناعم “..موتٌ لا يُفضي إلى نهاية أو خلاصٍ بقدر ما يُغري على الغرق أكثر فأكثر..على البحث المستمر عن المُطلق..على طرح الأسئلة وعدم الركون إلى يقين الأجوبة، وهو ما يتجلى في “قفْلةِ” الرواية التي مارست هي أيضاً فِعل الاستعصاء على الحسم، مُبقيةً باب السؤال موارباً:«تُرى هل سيكونُ رحيلي موتاً أم حياةً لأسئلةٍ لا تنتهي؟ !!»(28).لقد سبقت الإجابةُ طرحَ هذا السؤال «ستركبُني غوايةٌ أخرى»(29)، «هل تعلمين..أنتِ لن ترحلي أبداً، وستبقينَ هنا لوهمٍ طويل»(30).وبهذا تُعيدنا هذه النهايةُ العنيدةُ، الرافضة للحسم، إلى البداية التي قُدّتْ منها «كما كنت في كُلّ مرّة»(31).
3/ الصّورة ووهم الإطار:
مرّة أخرى يُثبت اللّون الأزرق حضوره القَدري وقُدرته على الحصار المفتوح الذي يجعلُ الأشياءَ المُنخرطة فيه أو الواقعة في أسره، تشعُر بما يُشبه العبودية الطوعية؛ حيث اُختير لوناً مُؤطّراً للصورة وهو ما أثار تساؤلنا عن أهمية وجدوى هذا الإطار/Cadre الذي جاء ليرسُم حدود الصّورة رغم أنّ فضاءها الخلفي كان مُشبعاً باللّون ذاته وإن كان بدرجةٍ أخفّ؟ ألم يكن الأزرق هو لون المُطلق؟ أليس تأكيدا على إطلاقه أن تغرَق فيه كل مساحة الغلاف بما توزّع عليها من:(عنوان، واسم الروائي، ومؤشّر التجنيس، والثنائي الناشر)؟ ما الوظيفة التي اضطلع بها هذا الإطار ما لم يُخالف في لونه لونَ الخلفية؟ هل هو محاولةٌ أخرى لترسيخ قُدرته السّحرية على الحدّ والإطلاق معاً؟.يقودنا هذا السؤال إلى سؤالٍ أكثر عمقاً؛ ما الذي تمّ إقصاؤه من الصّورة في القواعد الخلفية لإطارها؟ وإذا كان اللّونُ الأزرق وفقاً لدلالاته السالفة يُحيل أيضاً على معنى الوهم وحُلم اليقظة، فهل يُمكننا تجاهلُ هذا الإطار؟.
يؤدي الإطارُ غالباً وظيفةَ الفصلِ بين الفضاء الداخلي المركزي للّوحة التشكيلية أو الصّورة المرئية والفضاء الخارجي الذي يحوطها، وقد أهملت نظرياتُ الإطار هذه العلاقة الهامة بين الداخل والخارج لصالح الفضاء الداخلي.لهذا عرّفه ” ميير شابيرو- Meyer shapiro ” بأنه « الإغلاقُ المنتظَم العازل لحقلِ المساحةِ المحيطة»(32).وقد نذهب في هذا السياق بعيداً فنعتقد بأنّ التأطير نِتاجُ الحضارة المادية المُعاصرة التي تُعطي الأولوية للمادة وللشكل مقابل إقصائها للرّوح والجوهر، تُحاصرُ الإنسانَ وتعزلُه عن ماضيه وتاريخه وجذوره وفطرته الأولى، ألم يكُن الفنّ البدائي الذي سُميّ ساذجاً، كافراً بثقافة الإطار، ومتحرّراً منها كما دلّتنا على ذلك رسومات ” الطاسيلي – Tassili ” و” لاسكو – Lascaux ” و” أكاكوس – Acacus “(*) المُنفتحة على الصّخور وجدران الكهوف في امتدادها الطبيعي؟..وإذا كان الإطارُ يتفانى دوماً في توجيه انتباهنا نحو فضاء ” الداخل ” مُبعداً فضاء ” الخارج ” عن بؤرة اهتمامنا، فما الذي يمنعنا ونحنُ نُدرك هذه الحقيقة أن نتجاهل هذا التوجيه ونتجاوز قيوده؟. يعتقد بعض السيميائيين بأنّ «مقولةَ الإطار لا معنى لها تقريباً»(33) ربماً لوجود نماذج من لوحات فنية معاصرة تحرّرت من قواعد التأطير كلّياً أو جزئياً، كما يتجلى لنا في لوحة ” الإقلاع ” لـ ” مان راي – Man Ray ” (1917) حيث بدا الإطار فيها غير مكتمل(34).لذا سنتّخذ من هذه الرؤية متكأً، ونحاول تجاوز أسوار الإطار الذي يحُدّ الصورة التي أثثت بها رواية “موت ناعم ” واجهة غلافِها الأمامية، فيكون إدراكنا لها في امتداداتها الطبيعية قبل أن يحُدّها هذا الشئ الذي سُميّ إطاراً؟
عادةً ما ننسى قبل تحليل ما هو مُمثّلٌ في الصّورة؛ أي ما يتعلّق بالعناصر التي تُكوّنها والعلاقات التي تنتظِمُ وفقَها، أنّ وجودها مرتبطٌ بقُدرتها على الحَسم، أي قدرتها على إقصاء ما يجب أن لا يُمثّل.فالاختيار في الصّورة لا يكمُن فقط في انتقاء ما يجب أن يكون مرئياً، بل أيضاً في ما يجب ألاّ يُرى(35).وتأسيساً على هذا الطّرح الذي يقضي باعتبار ما تمّ تجاهله أو إقصاؤه ولم يظهر في الصّورة أمراً مقصوداً، وجب إذن أن يُؤخذ في الحسبان في التأثيث لعملية تلقّي الصّورة وتأويل خِطابها، ووفق هذه الرؤية يكون«المتفرّج مدعوٌّ باستمرار إلى ولوج الأماكن المرئية أو المستترة»(36)في الصّورة ضماناً لقراءةٍ أكثر إنتاجاً وعُمقاً.فما الذي يختبئ وراء “القواعد الخلفية” للصّورة وحجَبه إطارُها؟ هل لنا أن نتصوّر مشهداً متحرّكا يزخر بالتفاصيل الحيّة ويطفح حياةً، يقفُ نقيضاً للمشهد الثابت الذي تُظهره الصّورةُ خالياً من التفاصيل؟.يُقالُ إنّه «عادةً ما تُثيرُ الصّورةُ رغبةً تتّخذُ لاحقاً شكلَ سردٍ بالغ الأهمية من خارج المجال»(37).وخضوعاً لهذه الرّغبة في السّرد سوف نبحث عن الحكاية التي تربض خلف هذه الصّورة وخارج إطارها؛ حكاية “سعاد ملياني” الذّات البطلة، السّاردة، الأنثى في رواية “موت ناعم” التي حملَ غلافُها هذه الصّورة.
خلفَ هذه الصّورة ذات الألوان الباهتة والتفاصيل القليلة التي أفقدَتها حركيَتها وسلَبتها روح الحياة، يوجد «بيتٌ لا يُشبهه أيّ بيتٍ آخر»(38)، «القرميدُ الأحمرُ يُزيّنه كتاجٍ لمملكة الخير…جدرانُه المدهونة بالأبيض واقفةٌ على أصولها كما كانت دوماً، كأنها تتحدّاني وتتحرى أزمنتي وكانت كوجهٍ صافٍ لا تطالُه عوارض العُمر أو التزييف…وبابُه الأزرق على حاله، مُغلقٌ على ما فيه كحارسٍ أمينٍ لمَرتع ذكرياتنا…لتاريخنا…ولصُورنا القديمة التي خُنتها أنا فيما بقي هو أميناً وحفيظاً عليها»(39).وفي هذا البيت الاستثنائي ذي الغرف الخمسة الواسعة وساحتها التي تتوسطها، تضربُ شجرةُ التّين الكبيرة جذورَها في أرضِ ساحة البيت وأصلُها شامخٌ في السّماء، تلك الشجرةُ العجوز التي«ما من شجرةٍ عجوزٍ أخرى تحتفظُ بسرّ “حكايتي الأولى” عندما جعلَ قلبٌ يُحرّضني على استكشاف جلالة العشق رفقة مصطفى…ابن خالي بلقاسم الذي حفظ عشّ زمننا البائد من الخراب»(40).تحتضن هذا البيت الذي يُشبه الحلم، مدينةٌ «احترفتْ صناعةَ الدّهشة»(41)، إنها مدينة “مليانة” ببيوتها…شوارعها…أزقّتها الضيّقة…محلاّتها وحوانيتها…نسوتُها المارات في السّوق…شيوخها الواقفون على أرصفتها»(42)، تاريخها الذي توّجها مدينةً شامخةً شموخ جبل “زكار” الذي«تتكئ على سفحِه منذ ألف ألف زمن…ألف وجه»(43).حتى الشّمس يغدو إشراقُها في هذه المدينة مُختلفاً«وأشرقتِ الشّمسُ ههنا إشراقتها الأحلى، إنّها تُشرق منذ وصولنا إلى مليانة كأنها تُعلمني بدخولي إلى موسمٍ آخر غير فصلي اليتيم الذي كان يتداولُ عليَّ مع نفسه»(44).نعم هناكَ في الامتداد المُستتر..في القواعد الخلفية لهذه الصّورة«كانت طفولتي(وهناك) رسمتُني بأجمل ريشةٍ وبأحلى الألوان»(45).وهنا؛ حيث حضرَ الأزرقُ وحضرَ الإطار..هنا«في زمن المسخ، لا مكانَ للصّور الأصلية، عليها أن تتراجع للخلف أو المكوث في الهوامش»(46)، وهنا«أقفُ حزينةً بين يدَيْ غيابِكَ.لم أُتقن أبداً رسمَ الصّورة التي أعطيتني ريشتَها ووصفتَ لي ملامحَها»(47).
إنّ بحث “سعاد ملياني” عن الأماني في ثوبٍ على مقاسِ المُطلق، قد كان في حقيقة الأمر بحثاً عن اللاّشئ «أمّا أنا فلازلتُ أتمسّك بمنطق الكُلّ أو اللاّشئ الذي لا يُثمر غير اللاّشئ»(48)، ومن هنا عمل هذا المُطلقُ(الذي يُجسّده في الصّورة اللّونُ الأزرق والإطار) على فصلِها وإبعادها عن كلّ ما كان عائقاً في طريق سعيها نحوه :بيتُها القديم، مدينتها، حبّها العذري الأول لابن خالها،..وكلّ تلك التفاصيل الصّغيرة التي كانت ترسُم ألوان الفرحَ على لوحة حياتها، قبل أن تغدو غُصناً نديّاً مُنفرداً ومعزولاً عن أصله وجذوره، لا يحوطُه سوى الفراغ..إننا ونحنُ نُقارب التشكيلي انطلاقاً من السّردي لا نعتبر هذا الانتقال بين اللّساني والبصري عائقا، خاصّة أنّ أحمد طيباوي كان يلجأ أحيانا إلى معجمٍ تشكيلي لتأثيث بعض وحداته السردية والوصفية؛ حيث وظّف كلمات مثل (ريشة، الألوان، رسم، الصّورة…إلخ).
للدراسة مراجع .
َ
* أستاذة محاضرة بكلية الآداب واللّغات – جامعة قسنطينة 1
َ




