الأمير: الشخصية التاريخية في الرواية ـ محمد حسن مرين*
بواسطة مسارب بتاريخ 19 مايو, 2015 في 01:45 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2922.

 

تتناول رواية “الأمير”[1] لواسيني الأعرج” . شخصية ومقاومة الأمير عبد القادر الجزائري، من خلال إبراز جملة من المحطات التاريخية والإنسانية في حياة الأمير، اعتمد فيها شكلا فنيا للخطاب السردي يستلهم من شكل الكتب التراثية والصوفية، من حيث اختياره لتوزيع فصوله على أبواب وكل باب إلى وقفات:

-I- باب المحن II- باب أقواس الحكمة ، III-: باب المسالك والمهالك.

 ومن حيث اختياره للعناوين التي تحمل دلالات تراثية مثل: منزلة الابتلاء الكبير، مدارات اليقين، سلطان المجاهدة … تنسجم مع مضمونها السردي، وقد كان اختيارا فنيا متسقا مع الموقف السردي للمحكي، الذي يتمحور حول شخصية الأمير المتصوّفة، مستلهما طريقة تأليفه في كتاب ” المواقف”، مما يجعل النص السردي ذاته قريبا من حياة الأمير حتى على مستوى الشكل الفني له، وطريقة عنونته التراثية التي تنقلنا إلى عالم الأمير، إن عالم النص هو عالم الأمير، وعناوينه عتبات ترقى بنا إلى مقامات الأمير الصوفية و المعرفية.

“كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد” للأديب الجزائري “واسيني الأعرج ” نص أدبي يظهر فيه ذلك الجهد الذي بذله الكاتب، لدمج و صهر تلك الأحداث التاريخية الواقعية و ذلك الكم من الوثائق و المراسلات مع صياغة رؤيوية عبر شخصية الأمير ومساره السردي داخل النص،  بإعادة صياغة الحادثة التاريخية بمنظور فكري وإسقاطات عصرية، مستخدما لغة أدبية و فنيات سردية، مقدما رواية مفتوحة على القراءة والإنتاج الدلالي .

إن هذه الرواية وان كانت تتناول أحداثا تاريخية، فكونها نصا أدبيا تميزت بلغة تجاوزت الخطاب التاريخي إلى الخطاب السردي، مستفيدة من آليات النص السردي الذي يبرز تلك الجمالية التي تميز الرواية. يقول ” جمال الغيطاني “  ليس عندي تاريخ بعيد أو تاريخ قريب، ما أشعر به هو الزمن المنقضي أبدا أو دائما، إن اللحظة المنقضية التي كانت آتية أصبحت تاريخا لا يمكن استعادتها، وتظل وحدة التجربة الإنسانية هي الأساس”[2] ولذلك يسعى السرد إلى تقديم قراءة جديدة للشخصية التاريخية بمستويات معرفية مختلفة عن التناول التاريخي الصرف، الذي لا تسعى منهجيته وخطابه من ملامسة هذه المستويات “ولهذا يتولى السرد مسؤولية إخراج المسكوت عنه في ثنايا خطاب التاريخ وفي أعماق خطاب الذات” [3] .فهو مساءلة للتاريخ، وحوار مع الشخصية لاستنطاقها من جهة واستلهام رمزيتها و اكتنازها الدلالي لمساءلة العصر و إشكالاته .

استطاع السارد أن يفاعل لغته السردية مع الرمزية التي تمثلها شخصياته التاريخية و الأحداث التي شاركوا فيها، لإنتاج نص أدبي يتداخل و يتضايف فيه المعاصر بالتاريخي عبر رابط الشخصية التي هي أيقونة تاريخية و معاصرة لأنها تحيلنا إلى قضية الهوية السياسية و الحضارية دون إسفاف المباشرة، من منظور بناء  الوعي، و في  هذا الإطار تأتي”رواية الأمير” لتفتح مجالات من المستويات تتجاوز به مجرد الحدث التاريخي فهي ” لا تروم ” رواية الأمير ” أن تشرح لنا تاريخ شخصية الأمير، وتفسر ما غمض من جوانبها، ولكنها تخوض معركة من أجل التصدي للمعوقات التي تقف في وجه المعنى المنتصر للجدل وأمام فتوحات المحكي”[4]   فالرواية تعمل على تجاوز تاريخية الشخصية نحو إشكاليات تتصل بالوعي لتقديم رؤية يتحمل السرد أبعادها الأدبية و الإيديولوجية.

إن  اختيارات واسيني السردية سواء التي ضمَنها من خلال إعادة صياغة الحادثة التاريخية أو ومن خلال محكي أحداث و أقوال شخصية الأمير، تتوارى خلفها خياراته الفكرية، حتى تاهت في أحيان عديدة اختيارات الروائي الفكرية مع اختيارات شخصياته الأساسية، خصوصا بطله الروائي، ذلك أن التشريح الفكري لشخصية الرواية، بالمقارنة مع المعرفة التاريخية للشخصية، نصل إلى كشف الأبعاد الدلالية التي أراد الكاتب أن يقولها من خلال شخصيته الروائية ” ونحن إذ نصرّ على أن نمدّدّ على سرير التحليل النفسي إنما هو البطل الروائي لا الروائي نفسه”[5]  .

إن اختيارات الكاتب التاريخية في تناول شخصية الأمير داخل نصه السردي، منطلقها هو خدمة مقصدية روايته، وذلك سواء في التركيز على مرحلة دون أخرى، مثال إهمال المرحلة الشامية من حياة الأمير، أو في التركيز على حادثة دون أخرى، وتناول بعد دون آخر، كالتركيز على البعد الإنساني وهو ظاهر في الرواية، أو إظهار شخصيات أو أدوار شخصيات وانحسار أخرى  مثل إظهار دور “مونسيور ديبوش” أو اختيار الوجه الفني والأسلوبي لتقديم حادثة تاريخية، كاختيار تقديم حادثة البيعة من خلال قراءة صك بيعة الأمير وإبرازه في البنية السردية، أو الانحياز لموقف تاريخي معين وتبريره، وإدانة مواقف وشخصيات أخرى، مثل الانحياز الملحوظ لقرار توقيف الحرب، وإدانة الموقف المخالف، وتسفيهه والحرص على رصَ التبريرات… وخلاصة القول أن كل ذلك المنظور” التبئير” داخل الرواية،  الذي يتعلق بإعادة عرض ” الشخصية التاريخية ” أولا ضمن فنيات جمالية تحوّل الشخصية التاريخية إلى شخصية سردية تحكمها جمالية الصياغة الأدبية و فنيات النص السردي و ثانيا تحمل منظورا يهدف إلى بناء وعي في  فهم تحولات و خطاب تلك الشخصية في البنية السردية و للكاتب الحق في الاختيار و للقارئ الحق في التأويل..

َ


[1]  ـ واسيني الأعرج , كتاب الأمير، منشورات الفضاء الحر، الجزائر، 2004.

[2] – جمال الغيطاني ، ( مجلة الطريق، ع 3 -4.، أب أغسطس، بيروت، لبنان، 1981) ص 303 .

3 ـ  أحمد يوسف ،مقال : تضايف الأدبي و الإيديولوجي ، تأملات سميائية في رواية الأمير، من أعمال ملتقى الأدبي و الإيديولوجي في أدب التسعينات،ص 262.

 ـ المرجع نفسه ، ص 245 .[4]

 

َ

 

* كاتب وباحث من الجزائر

 

َ

 

 

اترك تعليقا