آبار العطش / عبد القادر برغوث*
بواسطة مسارب بتاريخ 5 يونيو, 2015 في 11:38 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1719.

 

 

بدأت الريح تعوي كذئاب جائعة، أثارت بذلك نقع التراب الأحمر الجاف الذي أحال لون السماء باللون الوردي الغامق الثقيل على النفس، ثم سرعان ما بدا قرص الشمس باهتا حتى كاد ضوؤه ينخسف من شدة وطأة الغبار، نظر علي إلى القوافل الآخرى فلم يكد يتبينها، ولهذا أرسل ابنه حتى ينادي عليهم بحط الرحال حتى تمر هذه العاصفة الترابية لكي لا يضلوا الطريق وإن كان النهار بالكاد انقضى نصفه ولم يبتعدوا كثيرا عن مضاربهم التي كانوا فيها، فأناخوا الإبل بواد عريض عسى ان تقيهم جدرانه صفع الريح لوجوههم ووجوه دوابهم، وكان رأي علي حكيما تماما فقلد زادت وطأة الرياح والغبار فكادت تعمي الأبصار حتى وصل الليل بالنهار ولم يهدأ بعد، الكل خانس في مكانه مغطي رأسه وما أمكنه من جسمه حتى يتفادى التراب الغاضب الهائج، مما سبب حالة ضيق وتذمر للجميع حتى الدواب بدت منكسة الرؤوس منزوية على أجسادها في غاية البؤس.

كانت يقوته أكثرهم تذمرا وضيقا وهما، لم تستطع أن تتحمل الوضع حتى خرجت من مكانها لقضاء الحاجة، طبعا لن يشعر بها أي أحد والحال كما هو عليه، ربما هذا الشعور أشعرها ببعض السلوان وخاصة لما رأت أن لا احد بإمكانه رؤيتها، شجعها أكثر على التوغل والتسلل أكثر حتى لم تعد ترى أي أحد، شعرت ورغم كل هذه الرياح والغبار والظلام شبه التام بحاجة في الرقص وان روحها تحررت ولو لبعض الوقت، ماذا لو أنها هربت بكل ما لديها من قوة لتفر من أهلها ومن حياتها، أن تجرب أن تعيش حياة أخرى لتبدأ من جديد، كانت الدماء تجري في عروقها بشدة وقلبها يخفق بوتيرة متسارعة لما تستطيع الجري ولا التوقف فقد تمشي وتمشي، حيث ما اتفق وعلمت أنها تاهت تماما على أهلها ولن تجدهم في ظل كل هذا الظلام، حتى سمعت صوتا ما، إنه صوت شخص ما يغني من مكان بعيد بصوت جميل تسمعه بوضوح كلما تقدمت أكثر ثم ما ينفك يضيع مع عواء الرياح لم تشعر بالخوف، بل مشت نحوه كفراشة في الظلام تبحث عن الضوء، ثم بالكاد تبينت خيال شخص ما فتوقف الصوت ثم سمعته ينادي

من هناك… من هناك.

ظلت صامتة لم تجب ولم تشعر بالخوف بل جلست مغطية رأسها بلحاف الصوف تنتظر ما يمكن أن يحدث، هكذا حدثتها غريزتها.

لم تشعر حتى وصل إليها صاحب الصوت وكان الظلام قد عم المكان تماما إلا من نور النجوم الباهتة التي تظهر ثم تختفي، بفعل أشلاء السُحب الهاربة في كل مكان من السماء الحالكة، ولما وصل صاحب الصوت، و كان صوتا دافئا شجيا، فجفلت وتضعضعت قوائمها، ولما تأكد صاحب الصوت الدافئ أن الخيال الذي كان ينادي عليه إنما هو امرأة شابة لم يصدق نفسه فأخذ يسألها.

من أنت؟… هل ضعت عن أهلك؟ هل أنت من أهل هذه القافلة المارة هذا المساء من وادينا؟

لم تجبه وإنما كانت خافضة رأسها للأرض لا تجيب بشيء.

ولما يئس من كلامها جلس بالقرب منها ثم وضع يده على كتفها.

هل أنت هاربة فارة من شيء ما، يا للمسكينة ثم أمسكها من يدها وأوقفها وقال اتبعيني ولا تخشي شيئاً، ففعلت ثم أخذ يغني بصوته الجميل أغنية قديمة حزينة أبكتها وجعلتها تشهق من شدة التأثر، حتى وصلا إلى كهف صغير واطئ السقف، أمسك يدها وطلب منها أن تخفض رأسها بحنان ورقة ثم أشعل سراجا نحاسيا صغيرا يشتغل على الكاربيل كان ضوؤه الأصفر النحاسي تعبث به الرياح التى يدخل بعضها الى غيابة الكهف ثم أجلسها بمكان مفروش بجلود الكباش تفوح منه رائحة عطنة ممزوجة برائحة هذا الغريب ولكنها رائحة محببة مما أزال عنها الوحشة والخوف، جلس بقربها وأخذ يحدثها في ود وحب لم تسمع مثله في حياتها، ثم مدح شعرا عينيها الجميلتين وشفتيها الغضتين وتغزل بصفاتها وأنوثتها، لم تستطع مسك ابتسامتها ثم نظرت اليه، كان وسيما بهيا حقا محبب القسمات وتزينه خصلتا شعره المنسدلة من طرفي عمامته، وهذا شيء لم تره من قبل وإنما سمعت به، فلابد أنه من الشعراء الهائمين في الصحراء لا حاجة لهم في هذه الدنيا الا الصيد وقرض الشعر والتشبيب بالنساء ومغامرات العشق القاتلة في أغلب الأحيان، لكنها لم تقل شيئا فلقد كان قلبها يضرب بشدة وأنفاسها تكاد تنقطع، استسلمت له تماما، كانت يداه الخشنتان تجوب خارطة جسدها مرتعشتان وكان أصوات أنفسه اللهفة تلفح جيدها وأذنها ثم مارسا طقوس الحب بقوة وحنان لم تعرفه قط، وشعرت أن أنوثتها استثيرت لحدود لم تجربها من قبل تحت مرجل الرجولة التى لما تعرفها ثم شعرت بدوار محبب استسلمت بعده لنوم خفيف جميل، شعرت حينها للحظة أنها في الفردوس، وعند الفجر بدأت العاصفة تهدأ واستطاعت أن تبادله بعض الكلمات والقبل ثم طلبت منه أن يرجعها إلى أهلها، أخذ يغني شيئا حزينا عن الفراق ثم أمسكت بذراعه وهما راجعي،ن لأول مرة أحست بالحب وتذوقته، شعور أفسده الخوف كلما تقدما أكثر لمرابض الإبل، ضغطت بكلتا يديها بقوة على ذراعه وتحسست زغب زنده المكتنز بالعضل والقوة، كانت تقمع قوة كبيرة تطلب منها الفرار مع هذا الغريب وقوة أكثر سطوة تجذبها نحو حياتها السابقة، ولحسن الحظ أن أحدا لم يتفطن لغيابها ليلة كاملة حتى وجدت نفسها في مكانها، وكأن ما مر بها مجرد حلم جميل ومازالت أغانية وصوته العذب لا يفارق خيالها أبدا.

ورجعت الى مكانها من دون أن يشعر أحد، أو هكذا كانت تظن، ثم قبلت يدها التى لايزال عالقا شيء من رائحة هذا الغريب الحبيب.

* * * *

كمش علي على بعض التراب الجاف وذره على الهواء، إنه جافٌ تماماً ثم نظر إلى الأفق البعيد نحو الشمال الغربي، لقد حل فصل الصيف مبكراً هذه السنة قد تكون أسوأ من السنة الماضية، هكذا حدث نفسه ثم نظر إلى قطيعه الذي يكاد يفنى بسبب العطش وقلة الكلأ الذي عادةً ما يزدهر في مثل الوقت، هذا يعني أنه إذا لم ينزل المطر في هذه الأيام فعليهم الترحال إلى مكان آخر نحو الشمال الغربي على الأغلب، لم يحبذ ذلك ففكرة الرحيل في مثل هذه الأجواء والظروف التي تمر بها البلاد متعبة ومرهقة بل هي أشبه بالمغامرة، ابتسم لكلمة مغامرة! متى أصبح الترحال مغامرة ونحن البدو طول حياتنا نجوب أقطار الأرض جنوبا وشمالاً وشرقا وغرباً! لعن الله الظروف والجفاف الذي ألقى بظلاله المخيفة والقمح أمسى نادرا، نفر مِنْ مَنْ وإلى أين ؟و إلى متى.

لم يحدث لعلي وهو في منتصف العقد الخامس من العمر الذي عجمته التجارب وحِنكته التي صقلتها المسؤولية التي حملها عن أبيه مبكراً أن يشعر بهذا الخوف والفتور من المجهول، وهو الشجاع المقدام دائماً ولكن الفجائع التي أبتلى الله بها عباده هذا العام لم يسمع عنها من قبل، وربما قلقه هو بسبب الحلم أو الكابوس الذي رآه في الصباح الباكر قبل الفجر، لكل الناس كوابيسها وهواجسها، إلا أنه متأكد من أن ما رآه وخاصة بذلك الوضوح واليقين إنما هو إشارة سماوية، مما قد يحدث في هذه السنة، كيف لا وهو يعرف أنه ورث عن أمه الزهرة الرُؤية وحسن تفسيرها كما أن رؤية شيخه ومعلمه الشيخ الجنيدي تحوم حوله، ثم تنقض عليه غربان مخيفة فتنتف جلده ولحمه وهو ينادي عليه بأن يفر لا تحتاج إلى تفسير ولا لعمق دراية، فالحلم بمجمله إنما هو نذير شؤم ولا شك ثم بزوغ قمر رأس السنة بالون الأحمر القاني إنما هو إشارة لما سيأتي فيما بعد.. كل هذه مجرد تخمينات العلم كله لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قوة إلا بالله.. لا حول ولا قو…

فهمت زوجته فاطمة ما يدور بذهن زوجها وتقاسيم الكدر التي تطبع وجهه الأسمر المحبب إلى قلبها هذا الصباح، ولكنها ترددت في قول شيء قد يواسيه لأنها خشيت أن لا تُحسن اختيار الكلام المناسب وهو في هذه الحالة التي لم تره فيها من قبل، فهو دائما رجل قوي يسيطر على مخاوفه وآلامه وحتى أفراحه وكأنه أستمد صلابته من جبل بوكحيل هذا العظيم الرابض كوحش يحرس الفيافي والصحاري من حوله الذي يمتد من الأزال إلى نهاية لا يعلمها إلا الله، بل كان دوما أشبه بمنارة يستهدي بها الرُحل وعابري السبيل ولكن زوجها الآن في حال الله أعلم بها، تغلبت على نفسها لتكسر السكون الموحش حولهما إلا من صوت الرياح المرتطمة على صدر بوكحيل فتصدر صوت هو للعواء أقرب منه أقرب لشيء آخر مما يزيد الوحشة والرهبة من المجهول وقالت بصوت لا يكاد يُسمع:

لقد جاء المقدم مساء أمس وتكلم مع والدك.

التفت إليها مندهشاً من جلوسها وراءه من دون أن يشعر بها، يعلم جيدا أن فاطمة هي وحدها بإمكانها من تشعر وتحس به، ولكن مفاجأته جاءت من أنه لم يشعر بصوت خطوات رجليها المنتعلة خفيي جلد الماعز الذي يبدو وكأنه يتكسر لما يلامس الحصا كما أنه لم يحدث أنه أرتج بهذا الشكل من صوت زوجته الأتي من خلفه وكأنه صوت لجنية الصحراء.

لا بد أنه يدعو العرش لوعدة سيدي عبد الله بن حمد، ثم تنهدت قائلةً لقد اشتقت لمقام جدي سيدي عبد الله، مقامه المبارك الذي لا يخيب من يقصده ولا من يستجديه، وإذا كان المقدم دعا لزيارة قبر الشيخ من أجل المطر فأنا سأزوره من أجل المطر والعافية والخير وأن يشفي لالاه زهرة وهي في هذه الحال المزرية من المرض وأن يعود أخوك سي المختار من حرب الكفرة ضد الكفرة سالما غانما… آه ما أكثر ما سنستجدي من جدنا هذا العام.

حاول أن يستعيد رباطة جأشه وقوة صوته بعد أن إزدرد ريقه.

- حاجتنا كثيرة هذا العام وما ينتظرنا أكثر ثم مضى إلى حيث ما أتفق وكأنه يفر منها حتى لا يُضطر للإفصاح عما يدور بذهنه ويؤرقه، لم تستطع أن تعقب على كلامه المبهم الموغل في التشاؤم ولكنها تعلم أنه عندما يضيق به شيء ما يفر إلى بطون الوديان أو قمم الجبال.

 

 

* مقاطع من رواية بالعنوان نفسه قيد الكتابة

 

َ

 

*قاص وروائي من الجزائر

 

 

َ

 

 

 

اترك تعليقا