النشر في المواقع الاجتماعية.. مسكّن آنيٌّ خادع للمفكر والمبدع/ بشير خلف*
بواسطة مسارب بتاريخ 20 أغسطس, 2015 في 08:42 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1070.

منذ أكثر من نصف قرن العلاّمة البشير الإبراهيمي بذكائه الخارق وحدسه البعيد استخلص أن المثقف العربي، والجزائري يتصف بصفات منها التخاذل، والانسحاب من معترك الحياة، والانزواء بعيدا، وعدم مشاركة الناس قضاياهم اليومية إنْ في شكلها اليومي المعتاد، أو في قضاياهم الكبرى. صيحة الإبراهيمي كانت قبل الثورة التحريرية، وقبل الثورة التكنولوجية المعاصرة التي فتحت فضاءات متنوعة أمام المثقف كي يحتكّ بمجتمعه، ويقترب من أفراده ومجموعاته المتنوعة. يبدو وأن صيحة الإبراهيمي لا تزال تثقل بكلكلها المثقف.. ما الفرق يا تُرى بين المثقف الذي يستنهضه، وبين مثقف اليوم الذي لا ظلّ له، ولا صدًى:

« على المثقفين الامتزاج بالأمة، والاختلاط بطبقاتها، والتحبّب إليها، ومشاركتها في شؤونها الاجتماعية، والدخول في مجتمعاتها ومعابدها، ومشاركتها في عباداتها، وفي الصالح من عوائدها…وثقة الأمة بمثقفيها هي رأس المال لإنجاز المشروع الحضاري.»

هل مثقف اليوم بمقدوره القيام بهذه المهامّ الثمانية التي حدّدها الإبراهيمي قبل أكثر من نصف قرن ؟ واقعـيًا المثقف المعاصر لو يتمكّن من القيام بالعنصريْن الأُوليْن فقط لكان من الروّاد.. أغلب مثقفينا تركوا الساحة لغيرهم، ففقدوا مكانتهم في المجتمع لأنهم تعالوا عن المجتمع، وتكبّروا على أفراده، وانعزلوا بدعوى ” السلامة ” ولكنه الجبن المقيت.. المجتمع يعجّ بالحياة وبالحركية المتسارعة، وما أكثر القضايا الوطنية والجهوية التي من المفترض أن تكون للمثقف كلمة مسموعة فيها، أين نقابات التربية في قضايا الوطن الأهم من الإضرابات ؟، أين نقابات المحامين ؟ الأطباء ؟ المهندسين المعماريين ؟ أساتذة الجامعات ؟ الأئمة ؟ النخب ؟ أين مثقفو الأحزاب موالاة ومعارضة ؟أين اتحاد الكتاب؟ أين الفنانون التشكيليون؟ أين اتحاد المترجمين ؟ أين…؟

طالما أن هذه النخب المثقفة استقالت من مهامها كنخب للتنوير والقيادة والمبادرة، والمجتمع بدوره أعرض عنها؛ فإن ما تبقّى منها من مفكرين ومبدعين لجأت إلى مواقع التواصل الاجتماعي علّ العلاقة تكون أفضل، فكانت بقدْر ما كانت هذه المواقع مغرية وجذّابة للمفكر والمبدع؛ إلاّ أن قراءة أعماله وتقديرها، وتثمينها كان في أحسن الأحوال من عدد قليل، وعادة ما يكونون أصدقاء. قد يتساءل هذا المبدع، أو ذاك الكاتب حينما يطفو عدد أصدقائه أمام عينيه وقد يكون بالميئات، أو بالآلف فلا يجد من يتصلون به، أو يعلقون على ما يكتب، أو حتى يبدون الإعجاب لا يزيد عن العشرين أو الأربعين.. بينما هذه الميئات وتلكم الألاف تتهافت على ما ينشره الرياضيون والفنانون والفنانات من أقوال، وتصريحات وأحاديث عادة لا تحمل فكرا راقيا، ولا لغة سلسة فيها من الجمال والذوق ما يربي ويسمو بالسلوك الإنساني الراقي.

يبدو لي أن المثقف اعتلى غـيرُه المنابر المؤثِرة في المجتمع، وترك الساحة لهم منذ زمان وليس من الآن، فالنشر على المواقع الاجتماعية أملته الظروف الحياتية المستجدّة، بصراحة هو مسكّن خادع للمثقف على أنه لا يزال موجودا، يمارس رسالته الريادية في عصر تكالب فيه الكلّ على الرفاهية المادية، وصار النموذج ليس المثقف، أو المفكر، وإنما ” البزنس ” السياسي، والمالي الذي يتحكّم في كل شيء، ويدير دفّة الحياة التي ” تكركر” وراءها الجميع بما فيها المثقف، والمفكر، والفيلسوف، والكاتب المبدع.


* قاص من الجزائر

اترك تعليقا