إشكالية المثاقفة وتذبذب الوعي بالذات في الذائقة الأدبية العربية / فايزة لولو*
بواسطة مسارب بتاريخ 25 أغسطس, 2015 في 08:00 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2028.

تمهيــد:

 لعلّ أهم ما يمكننا الاستهلال به في هذا المقام هو ما أشار إليه  الناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو حيث يطرح  قضية المثاقفة بشيء من اللفّ والدوران , بشيء من التلميح دون التصريح ؛ حيث يترك الاستنتاج للقارئ الواعي , وهي طريقته المعهودة في طرح القضايا و الإشكالات , فقد انطلق من المستشرق  ” شارل بيلا ” ناقلا عنه مقولته الشهيرة في الأدب العربي فحواها ” أن شعورا بالملل هو ما يستخرج من الكتب العربية كيفما كان موضوعها ومهما بدت عناوينها جذابة “1 مؤّكدا بعد ذلك أن هذا الحكم صادر عمّن له دراسة مستفيضة للنصوص العربية, صادرا عن شخص عارف بالثقافة العربية بمختلف فنونها و آدابها .

 لقد أثار هذا الحكم ذهول الناقد واستغرابه, خاصة وأن هذا الرأي ليس موقفا شخصيا، بل إن بيلا  له شركاء على رأسهم “بيترارك “و “إرنست رينان “.ثم إن الذهول يزداد شدة بعد أن يدرك أن المستشرق يستثني بعض الكتاب وبعض النصوص  .هناك الجاحظ لا يثير الملل, هناك عمر بن أبي ربيعة , و هناك رسالة الغفران, قد يهدأ الناقد ونهدأ معه بعد هذه الاستثناءات، لكن هذا الهدوء لا يطول حتى تثور في نفوسنا عاصفة قاتلة.لِم َتلك الاستثناءات دون غيرها ؟! يجيب المستشرق أنه استثنى الجاحظ لأنه”أقرب للإنسيين،  ويقصد كتابا من طينة إيرازم ,و رابليه ومونتينيه”2 , و استثني عمر بن أبي ربيعة “لأن تجانسا يُكشف بينه وبين شعراء الغزل الأوروبيين الكبار” 3 أمّا رسالة الغفران فهو “كتاب مثير للاهتمام لقرابته من الكوميديا الإلهية” 4 وتشابهه معها .

 لاشكّ أنّ هذا الموقف القاتل للهوية والماحي لأية بصمة عربية في التراث الإنساني, قد أغاض الناقد وأغاض كل عربي له نخوة , لكن هذا الغيض سيخفّ قليلا من الناقد – ومنا نحن القراء – حين أدرك أن هذا الموقف ليس خاصا بالمستشرقين فحسب, بل هو موقف حتى بعض العرب أنفسهم الذين أصبحوا لا يقاربون الأدب العرب إلا تحت سلطة خفية اسمها الآخر .إنّ هذا الآخر حاضر بالضرورة , مرة كطرف في عملية المقارنة ومرة كطرف في عملية الترجمة ، وأخرى كطرف في عملية النقد. وهكذا، لقد أصبح كل قارئ عربي “مقارنا محنّكا , فليست المقارنة وقفا على بعض المتخصصين, و إنما تعم كل من يقترب من الأدب العربي قديمه وحديثه, إنه مقارن بالضرورة أو إذا شئنا مترجم ” 5 أوناقدا بعيون الآخر, فالحسن ما حسنه الآخر وما قال عنه أنه سيئ فهو كذلك. بل أكثر من ذلك فإنّ عملية القراءة تكون هي الأخرى بإيعاز من الآخر, فلا نقرأ نصوصنا إلا بأمر منه ولو بطريقة غير مباشرة, فنقرأ ما يقرؤه هو وبالطريقة التي يقرأ بها .فعبد الفتاح كيليطو نفسه يصرّح بذلك، حيث يقول :”هل كنت سأعيد الارتباط بالليالي، لو لم أقرأ  زاديغ لـ:فولبير G.Flaubert, وجاك القدري لـ:ديدروD.Diderot , والبحث عن الزمن الضائع لـ:بروستM.Proust .وليس هذا كل ما في الأمر، في فترة ما ازدهر فجأة التحليل البنيوي الذي أقام وزنا لحكايات شهرزاد , فأحسست حينئذ أن من واجبي  أن أعود إليها ” 6 لماذا هذه العودة لحكايات كانت يوما ما غثة باردة الحديث ؟! لأن تلك الإبداعات الغربية أحالت إليها بإعجاب, ووظّفتها إبداعيا وفنيا ,هذا من جهة، ومن جهة أخرى تماشيا مع مـوضة التحليل البنيوي للنصوص السردية التي نشطت في الثقافة الغربية آنذاك .

 لقد تبدّدت تلك الأنا التي كانت متمركزة في الثقافة الكلاسكية, وتهاوت كل طقوس التعالي والكبرياء, وتراجع كل إحساس بالذات فأصبح المجتمع العربي ممزّقا تتقاذفه الثنائيات, لتزجّ به في عالم تحكمه المتاهة واللا انتماء , ليس له مرجع يتكئ عليه، ولا مركز يحوم حوله و لا نموذج يقتدي به,  بل  ولا ذات يتحكم فيها ويوجهها حسب ما يشاء, وحسب ما تقتضيه متطلباته الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، بل والأنطولوجية أيضا.

فعلى مستوي الأدب – و هذا المثال قطرة من بحر المتاهة التي يتخبط فيها الإنسان العربي – لم تعد الثقافة العربية تنظر إلى آدابها كنماذج عليا يصعب محاكاتها , كما كانت تعتقد في المرحلة الكلاسكية، بل  إنها تستغرب من نفسها أن اعتقدت يوما ما ذلك , فهاهو الحريري – مثلا – كان يُعدّ في مرحلة معروفة عمدة الأدب, و كانت مقاماته “الكتاب الذي يجد فيه كل عربي نفسه، إنها تتكون من خمسين محكيا و تروي التطوافات الشطارية لشخصين في مملكة الإسلام, و تسوق القارئ في التعرجات المختلفة , الأدب القديم الشعر والنثر .الأنواع الشعرية والسردية ,البلاغة ,الأمثال …منذ صدوره حظي  برتبة رفيعة, متفوقا بذلك على جميع الكتب الأخرى .كان بالنسبة للجميع مجموع الأدب وحصيلة كل الكتب السابقة ” 7 إنه الكتاب الذي يحوي كل طرق الكتابة , قصيدة كاملة تقرأ عكسا وطردا ، و أخرى ليـس فيها حرفا منقوطا و أخرى العكس ، و مقامة تحكي ألغازا وحلّها ، و مقامة تلخص جلّ الأحكام الفقهية و الشرعية و غير ذلك .فأي كتاب يضاهيه ؟ و أي أديب لا يحب أن يتقن ذلك النوع من الكتابة ؟

لكن متى كانت تلك النظرة التقديسية لهذا الكتاب؟ و تلك اللهفة الأدبية لمحاكاته والتشبه به ؟ متى كان ذلك ؟ كان ذلك قبل اكتشاف الآداب الأوروبية من جهة, ومن جهة أخرى قبل أن يقول فيه “رينان”:”كتاب في الظاهر, تافه في العمق والذي إذا قوّمنا شكله – حسب أفكارنا الأوروبية- لا يتجاوز كل ما يمكن تصوّره في مجال سوء الذوق ” 8.منذ ذلك الحين انقلبت الذائقة العربية تجاه آدابها فصارت تحكم عليها بذائقة أوروبية .صار الحريري ” رمزا لكتابة لا يحب أحد إعادة انتاجها ” 9 ولا حتى إعادة قراءتها أو التفكير في مواطن الإبداع فيها, بل لو كنا نستطيع أن نتبرأ منه لفعلنا .لم يعد ينظر إلى الحريري “إلّا  كمشعوذ  و متغضن, وساحر رهيب ,و إليه ينسب الجنون الذي استبدّ بالذوق الكلاسيكي”10.ساحر لأنه استطاع أن يطمس على القلوب والعقول فكانت مولعة به ، من غير حسن أو نفع فيه .في حين استهوتها رسالة الغفران  التي كانت يوما ما لا تتميز عن باقي رسائل المعري كرسالة الملائكة أو رسالة الجن .لكنها منذ مطلع القرن العشرين “صارت محط عناية ورعاية، منذ أن نظر إليها كرافد من الروافد التي غذت الكوميديا الإلهية” 11.رغم ما يحمله هذا الرأي من ريبة وشكّ .فأغلب الباحثين يشكّون في أن “دانتي” اطّلع عليها .لأن هذا الكتاب لم يترجم إلى أي لغة – على حدّ إشارة الناقد- اسم “دانتي” هو الكلمة السحرية التي شحنت رسالة الغفران بالحسن والجودة, وأخرجتها من عزلتها الطويلة سواء عند الأدباء العرب أو غير العرب إلى حدّ “أنه يمكن القول: إن دانتي أثّر في المعري ” 12 لأنّه أثّر في قراءتنا إياه منذ أن قُرن به.

لقد تماهت الذات العربية المعاصرة في الآخر, فلم تعد قادرة على إدراك ذاتهــا, ولا إدراك الآخــر .تردّد ما يقوله هذا الآخر عن نفسه, بل وتصدّقه , وتسلّم بما يقوله عنها وعن تراثها وقيمها من دون شكّ أو ارتياب .ليس لها أي إرادة في تقييم ذاتها , فحتى وإن أعجبها شيء من إنجازاتها, فإنها تخشى أن تصرّح بذلك الإعجاب ما لم تصادق عليه الثقافة الغربية . فمثلا ابن خلدون شخصية فذة في التاريخ الإسلامي و العربي, والكل مولع بإنجاز المقدمة,  لكن ذلك الإعجاب ينتابنا خلسة , ومن منّا من لا يودّ لو أن “أرنست رينان” كتب ابن خلدون والخلدونية كما كتب ابن رشد والرشدية 13 ليكون صوتنا عنه عاليا دون حشمة أو حياء .و لَكَم فرحنا لمّا عرفنا أن ابن خلدون يقترب من دوركايم مؤسّس علم الاجتماع .

إن الثقافة العربية لا تزال تحت سلطة الإثقاف ولم تصل بعد إلى حالة التثاقف ، فنظرة أولية على الوعي العربي المعاصر ندرك من خلالها أنه يستقبل المادة الثقافية المعروضة عليه في شكل أصوات و صور معلبة وهو مجرد- أو يكاد – من أي خلفية نقدية تسمح له بإخضاع تلك المادة إلى المساءلة أو النقد ، أو حتى تفكيك الرؤيا التي ترتكز عليها و الأهداف الخفية المسطرة لها ، بل يتعامل معها في شيء من الانبهار الذي لا حدود له ولا حد. الأمر الذي عطّل فيه حاسة النقد و إعادة النظر في الأشياء.

هكذا إذن يثير الناقد قضية التثاقف والتعامل مع الآخر ومع الذات بطريقة ملتوية ، تاركا للقارئ زاوية يستشف من خلالها هذا التمزّق في الذات العربية ، التي أصبحت تستهلك دون أن تنتج ، وحتى دون أن تعي ما تستهلكه . إنّه يؤكد أن الفكر العربي لا ولم يستوعب بعد مفهوم التثاقف ، إنه ينظر إليه من زاوية واحدة ، مرة بسحق الآخــر في الأنا ـ في المرحلة الكلاسيكية – ومرة بذوبان الأنا في الآخر في العصر الحالي .

إن الثقافة العربية التي كانت تتعامل من موقع قوة مع غيرها من الثقافات يوما ما أصبحت اليوم لا توصف بالضعف فقط, ولو كانت كذلك لقلنا إنه قانون التاريخ ، قانون الزمن ، قانون التحوّل الذي يحكم سير الحضارات ، لكنها تجاوزت ذلك إلى الانبهار الكامل، فما يلاحظ على المثقف العربي اليوم أنه أصبح لا يدرك  ذاته ولا يعترف بها إلا إذا اعترف بها الآخر . يقولعبد السلام بنعبد العالي : ” إن الثقافة العربية اليوم لم تعد تدرك ذاتها ليس فقط عبر الآخر وإنما عن طريق الإدراك الذي للآخر لها, فهي لا تعيش التثاقف كحركة تأليف ونشر, كتفاعل فكري, وإنما كأسلوب عيش ونمط وجود. وهي لا تعيشه كتفاعل وتثاقف، وإنما كانفعال وإثقاف.” 14 كقدر لا انفكاك من سلطته ، ولكن بصورته السلبية التي تكرس كل خمول وشلل وعجز على مستوى الفكر, فيتوقف عن إنتاج أي من النظريات أو المعارف, أو حتى الإيمان بالوجود كطرف له وزنه في هذا الكون, ولذلك يرى علي حرب أن مشكلة الثقافة العربية – إن لم نقل معضلتها –”ليست مشكلة إيديولوجية، بل هي أهم وأخطر, إنها مشكلة أنطولوجية ” 15 مشكلة كن أو لا تكن ,لكن واقع المجتمع العربي يثبت أنه اختار لا تكن, لا تبدع لا تفكر، لا تفعل شيئا من ذلك, إلا بما يمليه  عليك الآخر. يثبت ذلك” العجز عن بناء نظريات أو نماذج صالحة ذات مصداقية و فعالية .العجز عن ابتكار أدلوجات ذات دينامية تجعلها قادرة على التأثير في مجرى الأحداث و الأفكار,  فضلا عن قدرتها على التجدد و التطور و الدفاع الذاتي “16, واسترجاع هوية ضائعة .

رغم أن الخطاب النقدي يشخّص الداء و لا يصف الدواء في هذه القضية, فهو يحيل مرة بعد أخرى أن الثقافة العربية  تعيش تمزقا على مستوى الأنا، وأن الأدب العربي لا يحمل قيمته في ذاته و إنّما  قيمته تتحدد وفق رؤية الآخر له، لقد أصابه احتقار دفين واختزال عجيب – على حدّ قوله – فلم يعد يذكر من تلك الرفوف الهائلة من المكتبة العربية سوى ما يذكره الآخر، وما يعترف به الآخر, فنعترف به كما اعترف به هو, ونعجب به بنفس الإعجاب الصادر عنه .رغم ذلك إلا أنه –الناقد- ربما أدرك أن الحل يكمن في إعادة النظر على مستوى الأنا .لكي نفهم الآخر لابدّ من استيعاب  الأنا , الأنا هذه المرّة لا كمركز منفصل عن الآخر المحيط به, و إنما كذات لها وجودها  أولا, و تتقن التفاعل مع الآخر ثانيا . من ثم ، فقد اتجه الناقد إلى التراث منقّبا عن كنوز الأدب العربي, و محاورا إياه, باحثا عن الذات العربية لا ناعيا وباكيا على الأطلال، وإنما لإيجاد أرضية صلبة ينطلق منها لإقامة حوار مع التراث أولا, أي ما يسميه بنعبد العالي “التثاقف الذاتي  ” 17 ثم بعد ذلك التثاقف مع الآخر .

لقد أدرك أنه لا يمكن التأسيس لثقافة عربية إلا بالنظر إلى الآخر كآخر, وأيضا بالتخلّص من الرغبة الملحّة وغير المبررة في التحول إلى أصل أو إلى مركز .لابدّ من فهم التثاقف كمبدأ للحوار الثقافي سواء من جهة الأنا أو من جهة الآخر , وذلك باستثمار الأصول ثم إعادة إنتاجها وفق ما تمليه متطلبات العصـر وإكراهاته, فتحويل علائق القوة التي تربطنا بغيرنا لن يتم إلا “بتملك فعلي لثقافته أي تكسير مرآتها أولا ذلك أن التملّك في الميدان لا يعني الملكية , لا يعني الاعتناق والتقمص والاقتراب, وإنما الابتعاد والتحرر    وخلق المسافات وإنتاج الأسئلة ” 18 لابدّ أن ننظر من علوّ إلى الآخر وأيضا إلى الذات لكن ليس بدافع الغرور والكبرياء هذه المرة , وإنما حتى تتضح الصورة أكثر فنستوعب الذات ونستوعب الآخر , فننزل الآخر منزلته ونتموقع نحن في المكان الصحيح , وقتها يكون التثاقف سبيلا للسير نحو الأمام واقترابا من الثقافة الكونية و الإنجازات الإنسانية الكبرى . ولذلك فإن الإشكالية المحورية في هذا المقام هي: كيف نحقق مثاقفة مع الآخر من موقع الثقة بالهوية والتجذّر الحضاري ؟

لفكّ خيوط هذه الإشكالية، قُدّمت جملة من الاجتهادات الفكرية من قبل ثلّة من المثقفين العرب، لعل  أهمها مشروع الاستغراب الذي جاء به المفكر”حسن حنفي  وذلك من أجل إيجاد بديلا لحالة الانهزامية التي نعيشها وكذا “فكّ عقدة النقص التاريخية في علاقة الأنا بالآخر، والقضاء على مركّب العظمة لدى الآخر الغربي” 19 وفي ذلك تصحيح لمفهوم المثاقفة الذي يعني في حقيقته الحوار الثقافي بين الشعوب والأمم، على اختلاف أديانها و عقائدها  وأعراقها وما إلى ذلك، لكنه في وعي الثقافة الغربية “يعني القضاء على الثقافات المحلية، من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، ولا نمط سواه وعلى الشعوب تقليده والسير على منواله ” 20 مما أدى إلى القضاء على كل خصوصية محلية، وشلّ كل محاولــة للإبداع  و الخلق، واحتكار الغرب وحده ذلك.مما خلق في نفسه مبدأ المركزية الثقافية .هذه الأخيرة التي حاول حنفي نقدها وتفكيكها ذاهبا إلى أن”الثقافات بطبيعتها متنوعة، و لا توجد ثقافة أم وثقافات أبناء وبنات” 21 كما لا توجد أمة ما عصامية في ثقافتها، ذلك أن مبدأ التثاقف قدر الشعوب والأمم، وعماد وجودها واستمراراها  وتطورها،  وهو ما ظل غائبا عن وعي الفكر الغربي، و لهذا يهدف علم الاستغراب إلى “إعادة التوازن للثقافة الإنسانية، بدل هذه الكفّة الراجحة للوعي الأوروبي، و الكفّة المرجوحة للوعي اللاأوروبي ،فطالما أن الكفتين غير متعادلتين، سيظل الظلم التاريخي الواقع على الثقافات غير المتميزة في سبيل الثقافة المتميزة ” 22 وسيظل الحوار الثقافي، مستحيلا، و بالتالي تبقى التبعية إلى جهة المركز، و ذلك لغياب مبدأ النديّة الثقافية، ولتحقيق هذا المبدأ لابدّ من الاستغراب في مقابل الاستشراق ,”الاستغراب الذي يوفّر لنا مناخا ثقافيا، ومنظومة علمية ممنهجة، لتفعيل المثاقفة و الحوار الخصب مع الآخر ” 23  بعيدا عن الإحساس بالدونية من قبل الأنا، والإيهام بالعظمة و الفخامة من قبل الآخر.

 إن مشروع الاستغراب- وإن لاقى جملة من الانتقادات من قبل بعض النقاد والمفكرين، نذكر منها تلك التي أدلى بها الناقد “محمود أمين العالم” حيث يقول :”إن المشكلة الأيديولوجية في كتاب “مقدمة في علم الاستغراب “فهي عدم تمييزه بين الجانب الحضاري في الغرب و الجانب الاستعماري ,فضلا عما يقيمه من ثنائية ضدية استبعادية شبه مطلقة بين الحضارة الإسلامية، و الحضارة الغربية في عصرنا الراهن، وإن كان الطابع الديني الإسلامي دون الجوانب الأخرى للحضارة العربية الإسلامية هو الطابع الغالب في رؤيته الحضارية، مع خفوت الطابع القومي العربي , فإنه في الوقت نفسه يكاد يجعل هذا الموقف الحضاري الإسلامي، هو الموقف العام لبلدان العالم الثالث من الحضارة الغربية ” 24 كما وصف موقفه الفكري بالسجالي و البعيد عن الحقائق العلمية، و ذلك إثر تزكيته على مشروع الاستغراب و أيضا على الحضارة العربية الإسلامية .في مقابل ذمّ الاستشراق ، خاصة والثقافة الغربية عامة – رغم تلك الانتقادات، يظل مشروع الاستغراب خطوة مهمّة في تاريخ الفكر العربي المعاصر من أجل إرجاع الهوية العربية الإسلامية، وكذا السمو بالثقافة العربية إلى مستوى الندية مع الآخر الغربي ، بتحويله من ذات دارسة إلى ذات مدروسة أو موضوع دراسة .

في المقابل ، يطرح الناقد العراقي عبد الله إبراهيم ” الاختلاف الواعي “مع الآخر  الذي يشترط فيه”إعادة نظر نقدية للعلاقة التي تربط الثقافة العربية الحديثة بأصولها الموروثة من جهة، و بالثقافة الغربية من جهة ثانية ” 25 و هو ما يخلق لها أرضية صلبة بعيدة عن اهتزازات الأصالة العربية وانجذابات المعاصرة الغربية .ولا يعني ذلك القطيعة مع الماضي ،  ومع الآخر ، بل إن ذلك يسبب الانغلاق والعزلة والنرجسية غير المبررة ولا النافعة ،  لذلك لا بد من استحضارهما، ولكن بروح نقدية واعية  .

إن” الاختلاف” الذي يدعو إليه عبد الله إبراهيم هو السبيل الأمثل لتجنب الذوبان في الآخر الذي يعمل على سلب الهويات والقضاء على الطموحات ,وكذا التملص من مرض النرجسية المزيفة مما يبعد عن الواقع المعاصر وإشكالياته. فهو – الاختلاف-”يوفر حرية نسبية في ممارسة التفكير دون شعور بإثم الانفصال عن الماضي، ولا خشية التناقض مع الآخر ,فهذه المخاوف التأثيمية و التوجسات أنتجتها ثقافة المطابقة “26 وهي توجسات تسببت في تقسيم الفكر العربي إلى تيارين يقصي أحدهما الآخر بل و يقاطعه .كل منهما يدعي امتلاك الحقيقة، ويبطل دعوى الآخر في سجال عقيم ,ذلك أن كل منهما وجها للآخر، فإذا كان التيار الأول يتطابق مع التراث ويدعي أنه الكمال بعينه ,فإن التيار الثاني يتطابق مع الآخر الغربي، و يدعو إلى تقليده فكرا ومعرفة و ثقافة بل وإشكاليات.

إن الاختلاف هو “انفصال إجرائي عن الآخر ، بما يمكّن رؤيته بوضوح كاف وانفصال رمزي عن الذات بما يجعل مراقبة أفعالها ممكنة .و النقد هو الدعامة التي يمكن اعتبارها دعامة الاختلاف الشرعية …وهو نقد لا يقر بالمفاضلة، إنما هو ممارسة فكرية تحليلية كشفية استنطاقية ” 27 مما يساهم في القضاء على الفكر المتمركز، وأيضا القضاء على الروح الاستبعادية للآخر في مقابل تقديس الأنا .مما يعني توازن الثقافات وهو ما يعيد إليها طابعها الحواري .

إن الاختلاف الذي يدعو إليه عبد الله إبراهيم و إن كان بعيد المنال في وقتنا الحاضر الذي لا تزال فيه الثقافة العربية تتأرجح بين الثنائيات (الماضي/الحاضر,الأصالة /المعاصرة ،الأنا /الآخر ,التقليد/التجديد…) في مقابل فتوّة الدراسات الواعية للتراث العربي،وكذا استفحال المركزية الغربية ,من جهة وغياب مناهج نقدية عربية ملائمة للسياق السوسيوثقافي العربي من جهة ثانية, فأغلب المناهج غربية في أصولها ,كل ذلك وأسباب أخرى تعيق فعالية النقد والبناء الفكري العربي المعاصر,رغم ذلك يبقى “الاختلاف” فكرة مؤسسة تهدف إلى استنهاض الهمم وإثارة روح النقد الواعية .و القضـاء على الإعاقة الفكرية التي عشّشت طويلا في وعي الثقافة العربية .

 لا يبعد كثيرا ما يدعو إليه كل من حسن حنفي وعبد الله إبراهيم عن أفكار عبد الفتاح كيليطو؛  ذلك أن هذا الأخير حاول أن يفكك علاقة الثقافة العربية مع غيرها عبر تاريخ الفكر العربي قديمه وحديثه، ليخلص في الأخير أن التذبذب والارتياب والتأرجح هو ما يحكم هذه العلاقة , مرة بذوبان الآخر في الأنا في الثقافة الكلاسيكية؛ حيث كانت هذه الأخيرة تتعالى عن الآخر وتستبعده خاصة في ميدان الأدب – وهو ما أسماه عبد الله إبراهيم “المركزية الإسلامية “- و مرة أخرى بالتماهي مع الآخر  في العصر الحديث، واستلهام أفكاره ومناهجه بل ولغته أيضا -كما سبق أن بينا –و ذلك بسبب “المركزية الغربية” –كما يشير عبد الله إبراهيم –

إنّ هؤلاء النقاد سابقي الذكــر يدعون إلى نقـد التراث من جهة، ونقد الآخر –الغرب – من جهة أخرى، وفق منهجية فعالة وواعية،ذلك  أن الآخر لا يربطنا به فكر وعقيدة ومنهج ورؤيا فحسب ، بل وإبداع أيضا، ألم تصبح الثقافة العربية المعاصرة تبدع وفق رؤية الآخر وعلى طريقته وبلغته ؟! لذلك لابدّ من تصحيح كل هذه المغالطات وهذه الانزلاقات , و ضبط العلاقة بين الأنا والآخر.      

 

َ

الهوامـــــش:

[1] – عبد الفتاح كيليطو: لن تتكلم لغتي ، ط1، دار الطليعة ، بيروت لبنان،2002. ص15.

2 – المرجع نفسه ، ص19.

3-  المرجع نفسه  ، ص20.

4 – المكان نفسه.

5- المرجع نفسه ، ص21.

6-عبد الفتاح كيليطو: الأدب والارتياب ، ط1، دار توبقال،المغرب،2007. ص.50

7- عبد الفتاح كيليطو: لسان آدم , ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي,ط2,دار توبقال للنشر، المغرب ، دت. ص75.

8- المكان نفسه.

9- المرجع نفسه  ، ص77.

10- المرجع نفسه  ، ص76.

11- عبد الفتاح كيليطو: منامات المعري ، فكر ونقد ، ع28، المغرب ، د ت. ص01.

12- المكان نفسه.

13 – عبد الفتاح كيليطو: من شرفة ابن رشد ، ترجمة :عبد الكريم الشرقاوي ،ط1، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، المغرب، 2009. ص65.

14- عبد السلام بنعبد العلي :في الترجمة ، في الترجمة ، تر:  كمال التومي ، تقديم :عبد الفتاح كيليطو،ط1، دار توبقال للنشر ، المغرب ،2006، ص66.

15- علي حرب : النص والحقيقة -1-نقد النص- – ط5 ، المركز الثقافي العربي ، المغرب، 2005. ص192.

16- المكان نفسه.

17- بنعبد العالي : في الترجمة ، ص33 .

18- المرجع نفسه  ، ص90.

19- حسن حنفي : مقدمة في علم الاستغراب ، ط2,المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ,لبنان ,2000ص26.

20- المرجع نفسه ، ص29.

21- المرجع نفسه ، ص28.

22- المرجع نفسه  ص30.

23- عبد الوهاب شعلان : إشكاليات الفكر العربي المعاصر, ط.1, مكتبة الآداب.القاهرة .مصر ,2006، ص63.

24- محمود أمين العالم : مواقف نقدية من التراث ، د. ط , دار قضايا فكرية للنشر و التوزيع , د. ت , ص33.

25- عبد الله إبراهيم : المطابقة و الاختلاف ،– بحث في نقد المركزيات الثقافية – ط1, المؤسسة العربـــية للدراسات والنشر,بيروت,لبنان، 2004 ، ص6.

26 – المرجع نفسه،  ص9.

27- المرجع نفسه ، ص11.

َ

َ

* أستاذة جامعية بجامعة محمد الشريف مساعدية –سوق أهراس -الجزائر 

َ

اترك تعليقا