أدّى انتشار الأميّة والحجر على المدارس والحد من بناء المساجد والإمعان في تشريد السكّان الأصليين والزجّ بهم إلى الاحتماء بالمغارات والكهوف والجبال الموحشة والصحاري والقفار، بعيدا عن مخالطة حملة الحضارة ورسل التمدّن القادمين من جنان أوروبا ومفاوزها خلال فترة التواجد الاستعماري الفرنسي في الجزائر، إلى انكماش وعي الجزائريين على أصعدة ومستويات مختلفة وتكمّشه على الصعيد الديني بالخصوص. وهو الأمر الذي جعل أفكارا تهديميّة كثيرة آنذاك، تروج بين الجزائريين وتسير بين الجزائريات بشكل خاص كسير النار في الهشيم بالضبط. وليس أدلّ على صحّة ما نقول ما ورد في فصل موسوم بـ((نساء ومعابد)) موجود في كتاب عنوانه ((انثروبولوجيا الحياة اليومية في المتوسّط)) لـ((ماريا انجلس روك))، أنقله إليكم بشيء من التفاعل وذلك تقريبا للمعنى إلى ذهن القرّاء الأكارم.
فقد بنت الكاتبة الأفكار الواردة في الفصل المذكور، على ملاحظة استقتها من واقع المجتمع الجزائري المستعمَر آنذاك، مفادها أنّ الفضاء المسجدي في الدين الإسلامي بشكل عام، لا يرحّب بتواجد المرأة المسلمة في أرجائه بنفس الترحيب الذي يوليه الفضاء ذاته للرجل؛ فـ(صلاة الرجل في الفقه الإسلامي أحسن ما تكون في المسجد بينما صلاة المرأة أحسن ما تكون في بيتها). وهو الأمر – بحسب- الكاتبة ذاتها – الذي جعل فرص إشباع الجانب الروحي وتزويده بالمواد اللازمة لتأثيثه حفاظا على التوازن الذهني والنفسي لأي إنسان غير متاحة بالقدر اللازم بالنسبة للمرأة الجزائرية آنذاك. وقد أدى احساس المرأة الجزائرية بتعارض الفضاء الخارجي المتمثّل في المسجد مع رغبتها الداخليّة وتعطّشها للتثقيف والشعور بالطمأنينة والاتّزان، إلى التفكير حينها أو الانخراط – في أحسن الأحوال- في مشاريع لخلق فضاءات بديلة موازية للفضاءات المسجدية/ هي ليست مسجدية / ولكنّها تلبس لبوسا مسجديا تعبّديا دينيّا في الظاهر يقوّي من فرص تغلغلها في جسد المجتمع الجزائري الهزيل؛ بحيث تسمح لها بممارسة ذاتها وإشباع جانبها الروحي المحجور عليه والمحتاج دوما إلى الإشباع المستمر.
وقد لاحظ المستعمر الفرنسي حاجة المرأة الجزائرية إلى التعبّد والتديّن مثلما لاحظ عدم ترحيب الفضاء المسجدي (في الظاهر) بها وإصرار نصوصه المختلفة (حديث، فقه …) على أنّ صلاة المرأة في بيتها، فعمل على مضاعفة عنفه الرمزي على جسد الثقافة الجزائريّة المتسلّط عليها؛ وهو عنف بحسب (بيير بارديو) يُسلّط على الجانب الروحي والثقافي للفرد أو المجتمع على حدّ سواء ويكون ذلك بإبعادهم عن معتقداتهم الصحيحة المترسّبة وتكريس سياسة التجهيل عليهم عبر غلق المدارس ونشر الوعي المزيّف وتحريف العقائد والحقائق والعادات والتقاليد السليمة وتبديلها بخرافات وأباطيل وممارسات اجتماعيّة أقرب ما تكون إلى الخزعبلات والترهات الجالبة للسخرية والضحك لا غير كل ذلك بهدف التحكّم فيهم وتوجيههم وجهة جديدة.
و قد أدّى كل ذلك إلى تفشّي الأميّة وانحباس الوعي الديني السليم وضعف فهم المقاصد من الأحكام بانحسار أدوات مساعدة على تقوية ذلك الفهم وتطويره؛ كالمعلّم والمفتي والفقيه والإمام وغيرهم من الأدوات الهامّة في أي مجتمع والعمل بالمقابل، على إذاعة أفكار ونشر تصوّرات عبر أدوات أخرى مضادّة والعمل على تشجيع صوتها وتسريبه بين خلايا الجسد الاجتماعي المنهك حينها؛ حيث بذل المستعمر جهدا معتبرا في ذلك مستغلّا الرجّة المعنويّة الكبيرة التي أحدثها تواجده البغيض فى نفسية وعقليّة المجتمع الجزائري؛ حتى غدت لتلك الأدوات – الأبواق، سلطة على المجتمع أكثر من سلطة المعلّم الأصيل وسلطة المفتي المتنوّر وسلطة الإمام المتفتّح وسلطة الفقيه العالم؛ أذكر من تلك الأدوات سيئة السمعة على سبيل المثال لا الحصر، [التكّاز] و[المشعوذ] و[المنجّم] و[البرّاح]….
وفي ظلّ عدم ترحيب الفضاء المسجدي بالمرأة وعدم فقه وفهم المرأة آنذاك مضمون ومغزى عدم الترحيب؛ ضف إليه تهميش المستعمر الفرنسي لكلّ ما من شأنه أن يساعدها على فهم مسألة عدم الترحيب والمقصود بها برزانة وتبصّر وعقلانيّة، فقد وجد المستعمر الظروف مناسبة جدّا ليتحالف مع الجهل (صديقه التاريخي الوفي) مُمَثلا في المثقّفين المزيفين أعوان المستعمر من جهة، ومع المرأة الجاهلة الأميّة المتعطّشة إلى حدّ الموت للثقافة الروحيّة من جهة أخرى، خير حليف لبسط نفوذه على خيرات الوطن ويعقد سيطرته على وجدان أهله وعقولهم بأدوات كانت قادرة حقّا على عزل الجزائريين عن مواكبة ركب الحضارة واستيلاب دورهم فيها لقرن ونيف من الزمن.
فنتجت عن ذلك التحالف التاريخي المضمر والشفّاف إلى حدّ لا يمكن للمؤرّخين أن ينتبهوا إليه بين الجهل والمستعمر الأوروبي الحديث، مظاهر اجتماعيّة نابيّة فتكت ولا تزال آثارها تفتك بالجسد الجزائري إلى يومنا هذا، كتقديس الموتى وإغداق الالقاب عليهم من غير فهم ولا تفقّه (أولياء الله الصالحين) وإقامة الزردات على أضرحتهم وقبورهم وزيارة المنجّمين والمشعوذين ودفع المال لهم اعتقادا أنّهم سيقرّبونهم إلى الله فيفتح عليهم أبواب الرزق أو إنّ زيارتهم وتعظيم شأنهم بإمكانه أن يزوّدوهم بأخبار مستقبليّة مطّلعين عليها ويؤرّقهم انتظار حدوثها .. لقد فعل الجزائريون والجزائريات كل ذلك ودفعوا في سبيله المال العزيز رغم قلّته وصعوبة الحصول عليه حينها، بدل أن ينتبهوا إلى ذواتهم ليكتشفوا أنّ بها أجهزة مسخّرة ومزوّدة بما يكفي لممارسة الجدل الفكري مع الواقع لفهمه والتحكّم فيه والسيطرة عليه وما أدراك ما الجدل الفكري مع الواقع .. لقد أدّى غيابه عن الحياة اليوميّة للجزائريين والجزائريات في فترة محدّدة من التاريخ، إلى أن يكتوي المجتمع بنيران أشكال عديدة ومختلفة من الاستعمارات البغيضة..
*جامعة الشادلي بن جديد – الطارف




