التلقِّي النقدي بين التعثُّر والاستقامة / حفيظة شامخة طعام *
بواسطة مسارب بتاريخ 1 سبتمبر, 2015 في 08:22 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1466.

 

 

 

يُعنى النقد في مجمله بقضايا النص الأدبي ويهتم باكتشاف جمالياته والتنقيب عن عوالمه والتوغل فيها (وفيه) فهو أحد أطراف العملية الإبداعية الأدبية، بل أهمها، والتي لا يمكن الاستغناء عنها، فالنص ميت ما لم تحييه القراءة الواعية، أو أداة ناقد يتفحص بها دواخله ويجس بها نبض كينونته.

  لذلك دائما ما يقف النقد بجانب النص أو المادة الإبداعية، أو مقابلا لهما كطرف مساهم بشكل فاعل في دفع عجلة الإبداع نحو الأمام من خلال خلق علاقة بين المبدع المنتج مع الناقد المنتج بقراءته المنتجة والمطورة للعمل الفني، بعيدا عن كل الحسابات والمجاملات الشخصية و الشللية أو العدائية شرط أن يعي الكاتب دور الناقد وألا يعتقد أن نصه فوق كل نقد.

  في حين يلتزم الناقد بالحياد والمصداقية وأن يحفّ النص بقراءة واعية تنصفه وتثريه وتسعى للتعريف به وتقريبه من المتلقي الذي يحفه هو الآخر بقراءات متعددة، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أدرك الناقد دوره وشعر بمسؤوليته اتجاه النص والقارئ والنقد بوظيفتيه : الأولى الفنية ومهمتها «تقييم العمل الفني وتقويمه».. والثانية «الاجتماعية» وتعمل على تصحيح الذوق الفني الجمعي أو العام. في هذه الحال يُستثنى أشباه النقاد من خانة النقد، هؤلاء الذين لا يتعاملون مع النص بإخلاص، وتكون أعمالهم  ضارة  بالنص  بالأدب بصفة عامة.

  إن المتأمل للإنتاج الأدبي الجزائري خلال العقدين الأخيرين خاصة، يلحظ مدى غزارته وكثرته، وقد ساعدت على هذه الكثافة في الإنتاج ظروف تاريخية وأخرى وطنية، حركت هواجس الكتابة عند المبدعين فراحوا يستندون إليها كخلفية ومرجعية، وفي نفس الوقت ينسجون من مجرياتها تفاصيل حكايا حيوات جديدة تجسدت في نصوص إبداعية، نثرية وشعرية، تزاوج فيها الواقع والخيال، وتبلورت رؤى جديدة لجزائر أخرى غير التي عاشتها الأجيال المؤسسة، وبأساليب كتابية أخرى أيضا، تعبر من خلالها عن انشغالات جديدة كذلك، ولئن كان جيل السبعينيات مناضلا من أجل قضية شمولية تتعدى حدود الوطن،           وكان جيل الثمانينيات يتململ بين المحافظة على المكسب العام الثوري وبين الانفتاح، وكان جيل التسعينيات يرزح تحت عشريته السوداء، فإن جيل الألفية الثالثة لم يعرف قهر الواحدية ولا رعب العشرية السوداء، لقد فتح عينيه في عهد حرية التعبير عن الرأي، وهي الشرط الأساسي للإبداع، وإن كان يؤخذ على هذا الجيل قلة التجربة مقارنة بسابقيه، هذه التجربة التي تنعكس بالضرورة في رؤى إنسانية تعبر عن الذات الجزائرية بخصوصيتها المتميزة، ويحتويها العمل الإبداعي الحق، والذي يضيف إلى الأدب الجزائري الشيء الجديد والمهم.

وانطلاقا من هذا، يجدر بنا طرح السؤال الملح والمهم، ما هو مصير هذه النصوص أو هذا الإبداع من النقد عندنا؟ وهل اهتم النقاد في الجزائر بكتابات الشباب؟  هؤلاء الذي عاصروا مرحلة العشرية السوداء وما بعدها وعبروا عنها بأجناس أدبية تستحق القراءة والمتابعة؟

أستطيع القول، ولن أجانب الحقيقة لو قلت إن النقد في الجزائر لم يسهم بالقدر الكبير أو الكافي في خدمة المبدع، وذلك في اعتقادي يرجع إلى عدة جوانب منها:

-1-الجانب الإعلامي: نقص الإعلام والترويج للأعمال الأدبية الجديدة  وصعوبة توزيع الكتاب.

-2-ضيق صدر الكاتب: ثم هناك سبب آخر يتعلق بنوع من المبدعين هؤلاء الذين يحاولون استغلال الدور الذي يلعبه الناقد خدمة لأغراضهم، فيتغاضون عن الدور التوجيهي للنقد، ويطالبون النقاد بأن تكون دراساتهم تشجيعية إشهارية، والمؤسف أن بعض من يدّعون النقد ينقادون نحو ذلك الدور السلبي، فينزاحون عن الجودة، ويتهافتون على النص بالإطراء والشكر، وفي الغالب فهم لا يقرأون النص كاملا، وهي الخيانة بعينها…، إن نقد النصوص دون قراءتها، هتك لشرف النص.

-3-جنوح كثير من النقاد نحو الإبداع: وهي مسألة في اعتقادي بالغة الأهمية، إذ النقد لا يقل شرفا عن الإبداع، فبعد أن كان يفترض منهم الالتفات إلى الإبداع، صاروا يزاحمون لحفر أسمائهم ضمن المبدعين ويبحثون عمن يلتفت إليهم من النقاد، ولأن عملية الإبداع تحفها لذة الخلق والابتكار، عكس عملية النقد التي تغلب عليها مشقة البحث والتنقيب، فإنهم نسوا أنفسهم في جنة الابداع الأدبي بعيدا عن الإبداع النقدي.    

-4-غياب النقد المتخصص: لذلك نجد اسماً معيناً يتردد في الشعر ونقد الشعر والنثر أو السرد عامة، يدعى ناقدا، والمشكلة أن معظم ما يكتبه لا يتجاوز أن يكون مجرد قراءات سطحية خارج النص، بعيدة كل البعد عن القراءة الواعية التي تحاور النصوص وتستنطقها، وتتوغل قي جوهرها، فتقومها حسب الأصول التي يجب أن يلتزم بها النقد الأدبي.

5-انحراف التلقي النقدي:

 ولعله أخطر ما يصيب التلقي والممارسة النقدية الانحراف عن المسار الأدبي تماماً. ومنه مثال صارخ يقدمه د”يوسف وغليسي” في كتابه “خطاب التأنيث” حين يتناول الشعر النسوي بطريقة لا تليق  بمقامه. فهو يتحامل على الشاعرات موضوع  الدراسة بكلام يدعو إلى القرف والاشمئزاز ، من ذلك قوله: ((هؤلاء اللواتي اقترفن خطيئة الكتابة، وقد أدركتهن حرفة لا تقل خطرا عن احتراف العهر(…) بل إن العهر أنقى وأبقى وأشرف؟)).

 ويعلق “مالك بوذيبة قائلا: ((إن أول ما يؤاخذ عليه الدكتور في كتابه هذا هو كشف الأسرار الشخصية للشاعرات، بما في ذلك أسماءهن المستعارة، لأنهن هن وحدهن فقط لهن الحق في كشف أسمائهن الحقيقية، والأدهى أن الدكتور يستمر في ذلك ويتمادى إلى حد الكشف عن الأسماء الحقيقية لأزواج الشاعرات وكأنه ضابط في الحالة المدنية، أو رئيس لجنة الشئون الاجتماعية أو حتى ضابط تحر مكلف بإعداد تقارير مفصلة عن الحالة الاجتماعية والوضعية العائلية لكل شاعرة؟؟))([1]).

 ولقد استمرَّت الردود على الكتاب مدة من الزمن عبر قنوات التواصل، وربما لم تنقطع، وقد  سقطت –بدورها- في وحل التدنِّي الأخلاقي الذي لا علاقة له بالممارسة النقدية إطلاقاً.

 في هذه الحال لا يمكن للعملية النقدية أن ترتقي إلى المستوى المطلوب الذي يخدم المبدع ويحفظ سمعة الناقد بعيدا عن القذف والتجريح وكذلك المجاملات التي يتبادلها المثقفون والأصدقاء والأدباء، الذين لا يشعرون أنهم يهدمون بعلاقاتهم تلك البنية التحتية لقاعدة النقد، التي كلما كانت صلبة كلما ارتقى الأدب، وراقب المبدع نصوصه، وتحصن دور الناقد أيضا..

لكن هذا لا ينبغي أن يغطي على جهود بعض النقاد والأساتذة الجامعيين الذين يتوخَوْن الاستقامة فيما ينتجون، فأثْروا الحركة النقدية في الجزائر والذين رفضوا بكل أسف ما يحدث من احتيالات  نقدية، نذكر منهم  الناقد “مخلوف عامر” الذي لمسنا جهوده في رعاية الأدب الجزائري ودعوته المستمرة إلى ضرورة الاحتفاء به والذي استفاد من ذلك الكثير من المبدعين الشباب والباحثين، وقد واكب الحركة الأدبية منذ عقود، وألَّف:(الرواية والتحولات في الجزائر)و(مظاهر التجديد في القصة القصيرة)و(وتوظيف التراث في الرواية الجزائرية)و(مراجعات في الأدب الجزائري)و(الواقع والمشهد الأدبي) وغيرها.

  ثم جيل الذين استفادوا من منجزات المدارس النقدية المعاصرة فجاءت أعمالهم متميزة ومنها:(الاشتغال العاملي) و(السرد ووهْم المرجع)للدكتور “السعيد بوطاجين”  و(الرواية والمتخيَّل)للدكتورة “آمنة بلعلى”، وغيرهما ممن استفاد منهم الأدباء ومن دراساتهم وإسهاماتهم النقدية التي تنطلق من النص، إضافة إلى ظهور بعض التجارب النقدية الواعدة التي تسير على خطى المصداقية، وتهتم بالنص وترعى حرمته، وتبرز جمالياته ولو لم يكنْ أصحابها جامعيين.

 ومنهم “قلولي بن ساعد” الذي ما انفكَّ يتابع الحركة الأدبية باهتمام وقد جمع بعضاً من متابعاته في كتابه(استراتيجيات القراءة).واستحق أن يقدم له د”مخلوف عامر” بعنوان(قلولي بن ساعد أو رمز الحضور الأدبي) ويقول عنه:

((فكان  يستعين قدر الإمكان بمنجزات المدارس النقدية المعاصرة  سواء ما تعلق منها بالمنحى السياقي أو النسقي  ، ويأبى – وهو بصدد القراءة – إلا أن يوضح طبيعة المفهوم وحدوده ، ما يدل على وعي  حاد بالمفاهيم  لدى “قلولي ” . فهو لا يوظفها  من باب الإسقاط التعسفي ولا بغرض  الإبهار المعرفي ، بل لا تحضر هذه المفاهيم والأدوات إلا إذا كان لها ما يبررها  من خلال ما تمليه طبيعة النص الأدبي)).([2])

  هذه الدراسات النقدية هي التي يمكن أن نقول عنها: إنها تواكب الحركة الإبداعية بنقد حقيقي، يملأ كثيراً الثغرات، ويعرف بالكاتب ويسهم أيضاً في تطوير آفاق الكتابة لدى المبدع، الذي يحتاج إلى رؤية نفسه في مرآة النقد بكل شجاعة وتفاؤل، من أجل مستقبل نص جديد وأفضل.

        في نهاية هذه المداخلة لابد أن يدرك النقاد أن شرف النقد في الجزائر أمانة في أعناقهم، وأنهم وحدهم يستطيعون الدفاع عن قضية الأدب الجزائري من خلال صدقهم في التعامل مع النصوص، محاولين رفعها إلى مستوى العالمية، والتعريف بها للآخر، وحدهم من يستطيعون نفض الغبار عن كتابات ظلت حبيسة النسيان وأخرى مغمورة، من يعرفون بأدب الشباب ويتعاملون معه بمصداقية الناقد الجاد، من يجعلنا نمشي على خُطاهم في ضرورة القراءة الواعية والعميقة للنص الأدبي.

 ولأننا ندرك أن هؤلاء الكبار بدأوا صغارا سنعمل من أجل أن نصل إلى مستواهم بكل جدّية وكرامة ومصداقية، لأن مهمة الناقد شاقة، وعمله ليس بالهين، لذلك كلّما انشغل النقد بقراءة واعية لكتاب يستحق أن يُقرأ، ارتقت أيضا مهمة الناقد ودوره إلى مستوى المبدع، فيصبح الناقد مبدعاً، والعكس صحيح.

على الناقد أن يُدرك تماما أن النقد مسؤولية كبيرة، فعليه أن يتخلى عن المجاملات والمسائل الشخصية، وان يتحلى بأخلاق الناقد الجاد، وأن يدرك أن النقد ليس حقدا، وإنما تعريف آخر بالكتاب والمبدع، وبشخصية الناقد وبمهمته الشريفة والنزيهة والجادة، المنتصرة لحق النص …، هذا الابن الذي يولد من رحم المبدع، مالكِه الشرعي، ثم يتخلى عنه للناقد وللقارئ ليتبناه على طريقته، والتي يجب أن تكون ذات مصداقية.



[1] ) مالك، بوذيبة   “يوسف وغليسي ونموذج الناقد البصاص..قراءة في خطاب التأنيث.” الرابط:www.zamanalwsl.net

[2] )قلولي بن ساعد، استراتيجيات القراءة، المتخيل والهوية والاختلاف في الإبداع والنقد، دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع، عن امليلة، الجزائر،2012،ص:12

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* قاصة وباحثة جامعية 

اترك تعليقا