« نامي نامي يا مانو…
أسرق لك من الثلج فستانه،
وحياة ربّي سبحانه،
لأعطي لك قلبي ووجدانه،
نامي نامي يا مانو،
واللي بيحبك ببوسك،
واللي بيكرهك، لا تحزني من شانو»[1]
أسرار الكراسة النيلية، طعم الكوليرا الكاذب، وجه أمي، آلام يوسف الخفية، أميرة في معطف أبي، معابر إليس آيلند، مأتم عائلي، باصات بروكلين الصفراء، شُرفات أورشليم، فراشات القدس، شموع أمي، الأندلس جنّتي الملتبسة، نيويورك هسهسة الأوراق الميتة، ذئب في هيئة حمل… ولوحات أخرى، تحمل ألوان الأرض ورائحة الذكريات وخطوط الطفولة وملامح الأحباب والأهل والجيران، الرسم يستفزّ الذاكرة و يستلهم مشاهدها المبعثرة ويُحرّرها من الكبت… الرسم عند (مي) السيدة المقدسية، واحدة من الشتات الفلسطيني، وهي بعيدة عن وطنها في نيويورك، هو وسيلتها للتواصل و التخاطب ومواجهة العالم، ومقاومة آلامها من مرض السرطان و معاناة المنافي و التغريب، وأثقال الأحلام و الأمنيات البعيدة عبر مسالك الرسم تسترد (مي) مدينتها الضائعة، تأخذ ثأرها من التاريخ، تُعيد بناء حكايتها من جديد، عبر ألوان تُحاكي مدينتها و حارتها و الناس الذين تشتاق إليهم.
إنّ رسم الحكاية هروبا من حكاية أخرى، أو فرارا من حقيقة آلام المكان، هروبا من ذاكرة لا تغيب، يبقى الرسم الملجأ و المهرب، هو جسر الذاكرة و جسر الحياة «أصبحت أخاف أن أحلم، أو أن أعود إلى أرضي، وأجد كل من أعرفهم ماتوا أو أصابتهم شيخوخة قاتلة لا أتحمّلها، ويبدو أني سأظل ألوّن، وألوّن بلا هوادة، حتى تجفّ عروق يدي، لأشعر فقط بأني مازلت حيّة وأنّ الحياة تستحق أن نستمرّ في حبّها»[2]، رسم الحكاية الدائم، وتلوين الذكريات والأحلام، ثم تعليقها تعليق الغسيل في معارض مختلفة، ليقرأ العالم لغة الفن التي يفهمها، حكاية (مي)، حكاية وطن، حكاية مزمنة… هنا السرد لا يُريد أن يحكي حكايته المباشرة، فيتوارى خلف الألوان و الأشكال والتهويمات الفنية ليختزل المسافات والأرقام والأحداث، حكي لخطوط وألوان شخصيته و إخراج اللوحات من زوايا المعارض إلى آفاق السرد الرحبة.
انقطعت (مي) عن الوطن والأرض والناس الذين تعرفهم و تألفهم، في منفاها لا تملك إلا ذاكرة ثماني سنوات، ذكريات الطفولة ومشاهد الإبعاد الحزينة، وبقايا روايات من الأقارب، ليندمج الرسم واللون ليملأ الفراغات والبياضات، ويُعيد ربط الشخصية بأرضها ووطنها وناسها متجاوزا روتين استرجاع الذاكرة في عملية السرد، إلى فنية الفعل السردي، من خلال الرسم يربط الذاكرة مع الأحلام مع البوح عن النفس المعذّبة بالوطن والمنفى والحرمان حتى من الزيارة إلى مدينتها المقدّسة، يرحل بنا السارد عبر لوحات تشكيلية مختلفة بوصفها فعلا للشخصية نُتابع انجازها و تعقيدات إتمامها، ومن جهة يغوص في تفصيلاتها في بوح وجوهها وملامح خطوطها، فاللوحة تصير مُحفزا سرديا لذاكرة بعيدة، تسرد لنا مشهدا مما كان أو تختزل مساءلة للراهن أو تبعث حلما أو تبني جسرا مع مدينتها، أي لون تحتمله القدس ؟ وأي فرشاة و أصباغ ترسم رائحة حاراتها و صوت كنائسها و مآذنها؟ وأي لوحات تتّسع لمشاهدها وصرخاتها؟ ولكنه منطق السرد ولغة الفن الإنسانية.
يأتي لحن الموسيقى ليمنح الحياة للألوان «الموسيقى تؤثث كل رواياتي، منذ البداية أدركت قيمتها البنيوية الكبيرة، هي التي تُعطيها بعدها الدرامي و التراجيدي»[3] فالموسيقى إذن عند واسيني تدخل ضمن بنية النص، فتشكل خلفية لها، ومحفزا لفهمه وتلقّيه ضمن سياق يُضايف بين السرد و الفن، يسرد الفن ضمن حكايته، ولكن يأتي السؤال : لماذا السوناتا ؟
السوناتا التي هي قالب موسيقي كلاسيكي «الذي كان قد تبلور على يد (سكارلاتي) و(باخ) ثم وصلت إلى قمّة نضجها على يد (هايدن) و(موتسارت) و(بتهوفن)»[4] فالسوناتا قالب سيمفوني يشتغل الملحنون على منواله، وهو لحن يستوعب مضمونا فلسفيا يقوم على مراحل صوتية تُشكل فصولا دلالية، تعتمد على العرض والتفاعل، والرواية يُمكنها «أن تُؤسّس على بُنية السوناتا : الموضوع الأول البطل، الموضوع الثاني البطلة، الخلاصة الزواج الذي تُعاد فيه قسيمة البطل والبطلة بنفس النغمة»[5] ، كأن السوناتا هي لحن للأمل، لقاء بعد فراق، وسعادة بعد شقاء، لذلك يأتي العنوان موسوما بها، يحمل الدلالة الموسيقية ـ سوناتا لأشباح القدس ـ هي سيمفونية الحزن و الأمل، لتجربة إنسانية تختصر العلاقة بين البشر والأوطان، يحمل هذه المهمة (يوبا) الابن الذي ولد في المنفى وورث عن أمه (مي) الحكاية عبر سردها وفنها، «يتذكر جيدا أنه استمع إلى آلامها ليلة كاملة وهي تسترجع قصتها مع والدها الذي يحمل خروجه من القدس لعنة دائمة وذعرا لا ينتهي، اندهش يوبا من شجاعتها وصبرها وقوتها»[6] فأصبح يُفكر ويحلم بتلحين سوناتا لأمّه و للوطن الذي كان، ولأحلام أمّه بالعودة ولو رمادا للأرض التي ترتسم ظلالا في لوحاتها «خريف نيويورك لا يمرّ هكذا يذكر دائما بألوان مي، وبالرغبة المجنونة لإنجاز سوناتا لأمّه ولأشباحها، قبل التفكير في ملحمة موسيقية لأجداده الأندلسيين الذين هاموا ذات شتاء على وجوههم»[7] هي سوناتا التاريخ، سوناتا المنفى والعودة، الشتات و اللقاء، الوطن المسلوب والوطن المحرّر، لعبة بين ضفتين «هذا هو مفصل السوناتا التي تُجسّد أحلام مي وهي تُفتش في جرحها عن لون لمدينتها المسروقة، الزرقة النيلية، أنتم لا تعرفون القدس جيدا …»[8] القدس تستحق هذا الاحتفاء بكل اللغات و الفنون لأنها مدينة مي.
إذا كان الرسم جسر أمّه إلى الوطن، فإن الموسيقى هي جسره إلى أمّه، وعبرها إلى وطن يسمع عنه، ألحان السوناتا التي يُعيد تلحينها تستلهم ألحان لاترافيانا الأوبرا الايطالية المشهورة، ماذا يملك غير لحن السوناتا ليّهديه لأمّه، لحنا للحياة والأمل والأرض… لحنا يسمعه من لا يعرف لحن القدس مدينة الله، «اعتدل يوبا في مقعده ثم تحسّس السمّاعة و قلم الرصاص الموضوع على أذنه اليمنى الذي كان يُدوّن به النوتات الموسيقية الهاربة في رأسه المتعب. أغمض عينيه قليلا لكي لا يرى شخصا آخر غير أمّه، ولا يسمع شيئا سوى ذاك الأنين الذي كان يأتي من بعيد سحيق محمّلا بالصرخات المكتومة و السعادات الصغيرة التي تتهاوى… مي يا يمّا… من أين لك بكل هذا البذخ الجميل من الألم و الأشواق التي دُفنت في عزّها؟ لماذا لم أنتبه طوال السنوات الماضية إلى أن عطبي كان هناك. بالضبط هناك حيث الطفولة المسروقة، والأشواق المسروقة، المدينة المسروقة… والذاكرة المنتهكة والحب المقتول؟»[9] إنها سوناتا السرد عندما يحكي الإنسان تغريبته ومنفاه، يحلم بوطن أو بقيّة وطن، يفقد كل شيء إلا جسرا يُبدعه للتواصل مع الذاكرة، و إلى حُلم يُنسيه المعاناة ، إبداع يبدو صغيرا أمام أسلحة القهر ومعاناة الحياة، ولكنه كل ما تبقى لشاب لا يرث إلا قصّة وطن وحكاية شعب و ذاكرة أمّ متعبة بطول المعاناة.
وهو يحكي عن مضمون لحن موسيقي وتدرّجاته وطبقاته ونبراته كأنه يتحدث عن مضمون يرتبط بالمضمون السردي يتجاوز مجرد سرد معارف موسيقية منفصلة، ولكن اللحن يظهر مصاحبا للمسار السردي و لإيقاع الحكي، ومتفاعلا مع الدلالات العميقة وانفتاح النص للتأويل. «ذلك أن الاستعمال الأدبي يحوّل اللسان إلى حامل لدلالات رمزية تدفعه إلى تجاوز بعده النفعي التعييني، إن هذا التحوّل هو المفصل الرئيس الذي يجب الإمساك به من أجل الكشف عن دلالات أخرى للنص هي غير ما تقوله الكلمات بشكل مباشر»[10] تتباهى الدلالات المكتنزة بين جُمل السرد المباشرة للغة،
لحن السوناتا الذي يوقظ كل الحكايا والمشاعر، والأزمنة المبعثرة، و الأمكنة الممسوحة والأغنيات الحزينة الحبلى برائحة الأرض، الملتصقة بالطفولة.
« نامي نامي يا مانو …
أسرق لك من الثلج فستانه،
وحياة ربّي سبحانه،
لأعطي لك قلبي ووجدانه،
نامي نامي يا مانو،
واللي بيحبك ببوسك،
واللي بيكرهك، لا تحزني من شانو»[11]
هي الألحان التي تعتصر ذاكرة الأزمنة ، وتتخطى تحوّلات الأمكنة، حكاية الأوطان الضائعة وحكاية أجيال الشتات مع المنافي التائهة على وجوهها لا تحمل سوى أغنيات تحفظ أمجادا بعيدة كنشيد « سيدي بومدين المغيث الأندلسي» بين حارة المغاربة في القدس والأندلس حكاية المدن الغائبة و الأوطان البديلة :
ليّام تمرض وتبرا،
والصبر هو دواها…
آه … يا أسفي على ما مضى.
من ذاك الزمان اللي فات و انقضى…
آه يا فُرقة الديار، ديار الأندلس،
ما هانوا علي… ما هانوا علي »[12]
هي لعبة السرد ومنطقه، في حكي حالاته وتحولاته، واستدعاء سيماته وإيحاءاته، والغوص في مدلولاته، الفنون المكتنزة بتراث اللغة والإبداع، المفعمة بالدلالات، وسلطة السرد في تشكله وتلوّنه وتمرّنه وتمرّده وتشابكه وتشاركه، وتساؤله واستشرافه، ينهل من الألحان و الألوان كما ينهل من الزمان و المكان، في الأخير هي حكاية الإنسان، الذي يشكل الفن أحد إبداعاته وأوجه نشاطاته التعبيرية، ولغته المفتوحة على التلقي الإنساني الذي يتجاوز الحدود و الحواجز، في رواية سوناتا لأشباح القدس، يعزف واسيني السوناتا، ويسرد لوحاته الفنيّة، ويُغنّي من التراث والتاريخ، لفلسطين، ومدينة القدس، من أجل أن يقرأ العالم حكاية فلسطين بكل الأجناس التعبيرية، حتى ولو كان ذلك في رواية، قبل أن يراها الكاتب في زيارة لفلسطين.
[1]ـ ـ واسيني الأعرج ، سوناتا لاشباح القدس ، دار الآداب ، بيروت، لبنان ، ط1 ، 2009 ، ص 197 .
ـ واسيني الأعرج ، سوناتا لأشباح القدس ، ص 181 .[2]
ـ واسيني الأعرج ، أخبار الأدب ، واسيني الأعرج : الموسيقى تخترق نصي ، حوار نائل الطوخي ، 27/11/2010 .[3]
11ـ دعوة إلى الموسيقى ، يوسف السيسي ، عالم المعرفة ، المجلس الوطني للثقافة و الفنون و الآداب ، الكويت ، 1981، العدد 46 ، ص 162 .
ـ . أ أ مندلاو ، الزمن و الرواية ، تر : بكر عباس ، مراجعة : إحسان عباس ، دار الشروق ، دار صادر ، لبنان ،ط1 ، 1997، ص 68 .[5]
ـ واسيني الأعرج ، سوناتا لأشباح القدس ، ص 34 .[6]
ـ المرجع نفسه ، ص 86 .[7]
ـ المرجع نفسه ، ص 33 .[8]
ـ المرجع نفسه ، ص 20 .[9]
10 ـ سعيد بنكراد ، السرد الروائي و تجربة المعنى ، المركز الثقافي العربي ، الدار البيضاء ، المغرب ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 2008 ، ص 13 .
ـ واسيني الأعرج ، سوناتا لأشباح القدس ، ص 197 .[11]
ـ واسيني الأعرج ، سوناتا لأشباح القدس ، ص 28[12]
* روائي من الجزائر




