لكَم يمرّ بخاطري أنّ أحدهم سيسألني فأحدّثه… نافذة صغيرة عرضها ثلاثة أشبار ونصف، وطولها لم أُقدِّره، ربما أكبر بقليل؛ منظاري على العالم هي… أبي عاش لنأكل، ومات أيضا لنأكل؛ طار والعربة الممتلئة بأكياس خبز يابس جمعه من الأحياء المجاورة؛ وهو يعبر الشّارع إذ دهسته شاحنة وقود رغم زعيقها الذي يمزّق السّمع؛ إلاّ أنّ أذنه أسقط صلاحيتها زوج أمّه من كثرة ما لطمه على وجهه وأذنيه في صباه، أو هذا ما أخبرتني به أمّي… عشنا أيّام رغد وسعد بعد وفاته دامت فصل الشتاء بأكمله وبعضا من الرّبيع من كثرة ما أغدق به علينا الجيران قريبهم وبعيدهم. تمنيت حينها لو يعود إلى الحياة ثمّ يموت مرّة أخرى، أتراهم جيراننا نسونا؟!… أم أنهم مهتمون الآن بعائلة أخرى مات الأب منها وهو يعبر الطّريق بعربة الخبز اليابس؟!… لطالما خلت أبي ابنَ أمّي…
وأمّي الغالية غلاوة الغاز والحليب فتمضي معظم يومها خارج البيت، أمّا الخبز فلا مشكلة لنا معه؛ نحن ننتقي ممّا يجمعه أخي قطعا جيّدة مازالت تحتفظ برطوبتها، ورائحة السانوج والسّمسم الزّكيّة…. طُرد أخي من المدرسة بعد أن رسب ثلاث مرّات متتاليات، هو الآن يجني الكثير من المال من بيع الخبز الجاف لمربّي الماشية بيتيّا.
تقضي أمّي أغلب أيّام الأسبوع في بيت عجوز بيضاء الرّأس، سليطة اللّسان، بخيلة حدّ المداومة على ما يحافظ على الإمساك خشية الجوع حتّى لا تضطر إلى إستهلاك الطّعام؛ هذا ما شهدت به أمّي عليها، أنا لم ألقها قط… تقوم بأعمال النّظافة للعجوز ولبيتها معاً، وأشغال أخرى يستعصي عليها القيام بها للالتهابات الحادّة التي طالت كلّ مفاصلها… كثيرا ما تساءلت؛ هل تسمح لها بغسل كل موضع من جسدها؟ أنا لم أعد أسمح لها بالدّخول معي للحمّام مهما بلغت درجة اتّساخي… أماّ والدا أمّي فقد أخبرها الذي كفلها أنّهما هلكا غرقا وأخ لها حين فاض عليهم وجرفهم الوادي الذي سكنوه جافّا أمدا في بيوت قصديرية.
مذ أصبحت أمّي تلبس جبّتين، تشدّ التحتيّة بحزام وتطلق العلويّة، لم تعد تصلّي… رغم التّعب والإجهاد كانت تقضي صلاتها وتجمع بين الظّهر والعصر مباشرة بعد أن تقفل، فهل تلك الأشياء الصّغيرة التي تخرجها من صدريّة جبّتها التّحتيّة تبطل الوضوء؟!…
عادة ما يبدأ يومي بمراقبة الغادين إلى عملهم ومدارسهم وهم يتناءون زرافات ووحدانا، كلمّا رأيت ذلك الذي كان يجلس بقربي في المدرسة غاديا؛ تسطع في ذاكرتي تلك اللّحظات جليّة واضحة بالصّوت والصورة، لا يمكنني نسيانها أبدا ما حييت؛ حين قرأنا: “ذهبت أمّي إلى السّوق… أبي يعمل في البستان” سألني هل ذهبت أمّي إلى السّوق، فقلت: لا! وسألته هل لأبيه بستان، فقال: لا!، فقلت: ربما سيحدث هذا عندما نكبر. ضحكنا كثيرا، فعاقبنا المعلّم وقضينا حصّة المساء بأكملها نقف على قدم واحدة في آخر القسم كاللّقلق، ولم نكفّ عن الضّحك… بعدها بأيام قليلة قرأنا: “سعاد تجري وتدور”، فسألته: هل تستطيع أنت أن تجري وتدور؟ قال: لا!، ثم استدرك: ربّما سعاد وحدها يمكنها أن تفعل… وضحكنا مرّة أخرى، وعاقبنا المعلّم مجدّدا… يستحيل أن نجري وندور، كان على المعلّم أن ينبّههم إلى الخطأ…
ثمّ أنتقلُ إلى وجوه الحيّ الثابتة، منهم ذلك العجوز الأصلع، كثيرا ما رأيته يتتبّع الفتيات الصّغيرات بنظرات تشبه نظرات أخي إلى ما يهدينا إيّاه الجيران من حلويات عيد الفطر… ثمّ يخرج من كشكه ويعطيهن شيئا؛ ربّما حلوى أو شوكولا وهو يمسح على شعرهن وما أستقبله من أجسادهن، وأحيانا وقت الهاجرة إذ الحيّ خاوٍ يسارع بإدخال إحداهن إلى كشكه ربّما ليعطيها حلوى أكثر…
مازالت تلك المرأة الشّابة تثير فضولي باستمرار، لا أعرفها ولا أين تقيم، كلّ معرفتي بها تنحصر في أنّها تأتي مرّة كلّ أسبوع، تدخل المرحاض العمومي المجانب للسّوق في شكل وتخرج منه في شكل مغاير تماما؛ لا يمكن التعرّف عليها، ما دلّني عليها إلاّ حذاءها؛ لا تبدّله… تدخله لا فرق بينها وبين أمّي، وتخرج منه كامرأة من الملصقات الإشهارية، وسيّارة فاخرة تنتظرها على بعد ستة دكاكين… فهل يجب أن نمرّ عبر المرحاض العمومي لنصبح أفضل أو أجمل؟!
العجوز صاحبة النّظارات الكبيرة لم أرها اليوم تحمل “قزديرة” اللّبن ولا الأمس وأيضا قبل أمس، هل ماتت؟ أم حجبها المرض؟، يبدو أن الهرِم المتسمّر على الدّوام بين دكّان الحلاّق و “الطاكسيفون” لاحظ غيابها أيضا؛ فعنقه لا تكفّ عن الاشرئباب لناحية طلوعها، فغالبا ما تقف عنده تحدّثه ويحدّثها، ربّما كان من بقيّة أهلها…
منذ بضعة أسابيع كهل يلازم ذات الطّاولة في المقهى، مرتادي المقهى جميعهم أعرفهم إلا العابرون. يُجري الكثير من المكالمات الهاتفية، تبدو ملابسه غالية الثّمن، وساعته لمـّاعة، من يشاركونه الطّاولة دوريا وجوههم معظمها غير مألوفة ولا يقضون معه أكثر من بضع دقائق… لديه وشم على صدره يمكنني رؤيته من هذه المسافة الكبيرة بيني وبينه بفضل أخي؛ أعطاني الشّتاء الماضي منظارا كُسرت إحدى عينيه ، يناسبني تماما، وجده في برميل قمامة في حي ” لي زيميغري”، عانيت سابقا كثيرا من عدم إدراك التفاصيل الصّغيرة والبعيدة، والحقيقة أنّه كان لأختي قبل أن تصيبها الحمّى وتموت، ثمّ عاد إليّ.
هاهي حسناء حارتنا تلوّح إليّ بيدها ككلّ صباح متوجّهة إلى الرّوضة التي تعمل فيها… تلقي التّحيّة، فأردّها عليها بكلتا يداي… سأفتقدها كثيرا؛ تقول أمّي أنّها ستزف إلى عريسها قريبا، أظنّها تحبني؛ ترسل إلي في المناسبات علبة شوكولا لذيذة جدّا ولعبة، أنتظر مرورها يوميّا. أشعر بشيء يملأ صدري يشبه النّبض، لكنّه أعذب، وأشعر بالكثير من الوهن في جسدي، وفراغا تحت أضلاعي، وعدم الرّغبة في فعل أي شيء في اليوم الذي لا يزدان برؤيتها، فإمّا أن أعود إلى النّوم أو ألجأ إلى “مقلاعي”…
كم أضحك حين أصيب أحدهم بحبّة حُــمّص، فبعضهم يقف زمنا يلتفّت في كلّ الاتّجاهات بحثا عن مصدر الرّمية وهو يحكّ موضع الإصابة. مضحك شعورهم بالألم من تسديدة لم ينتظروها… البعض الآخر ينطلقون كالسّهم كأنّها كانت إشارة انطلاق… آخرون خاصّة الرّجال المتقدّمون في السّن يمسحون على موضع الإصابة ويمضون كأنّ شيئا لم يكن… أمنحهم بعض الألم، فهو جزء مهمّ من حياتنا، فكما نستمتع بالطّعام والنّوم يجب أن نتألّم ليصنع الألم عِظم متعتنا بعده بالملذّات… تألّم أبي، وأمّي تتالّم، أنا وأخي نتألّم… فقد رأيت أمّي وهي تضع أختي تصرخ ألما وتتضرّع إلى الله رغم مساعدة جارتنا لها، لكنّها ما إن حملتها بين ذراعيها أشرقت من وجهها ابتسامة أزهقت كلّ الدمع والعرق قبل شفتيها، أغمضت عينيها وقبّلتها.
تقول أمّي كلّ النّاس متشابهون… لا! إطلاقا! النّاس لا يتشابهون إلاّ في النّطق والحركة…
لا يمكنني تشغيل التلفزيون، فنحن نشاهد ليلا فقط ما يشاهده جارنا وزوجته… أخربش بسهولة بذيل الملعقة على الجدار؛ أدوّن أهمّ الأحداث برسم صغير أو حرف قبل أن يعطّل النّعاس رؤيتي وأفكاري، فبيتنا شقة من مبنى عتيق جدّا “بازار الوَرد”، تقول أمّي بناه الفرنسيون الأوائل في الجزائر، تفضّل به أحد المحسنين علينا بعد أن قضينا أزيد من شهرين في العراء بالقرب من مقرّ البلديّة… تغمرني سعادة عارمة حين أتذكّر أنّنا نملك بيتا رغم خشيتي أن نستيقظ يوما ونجد أنفسنا تحت أنقاضه.
أميل إلى اللّيل أكثر، اشتقت أن أجري تحت المطر، فأتعثّر بحجر وتنجرح ركبتي… أحبّ المعكرونة البائتة، لا أحبّ اللِّفت… اليوم أنا أشتهي اللّحم كما لم أتذوّقه منذ سنوات… عيد الأضحى على الأبواب؛ أحبّه وأترقّبه بفارع اللّهفة والاشتهاء؛ سنأكل فيه لحم الخروف حتّى التخمة والبطنة، أمّا لحم الدّجاج ، فنصيبنا منه عنقان وأربعة أجنحة نهاية كلّ شهر؛ أنا لاأعرف، لكنّ أمّي تقول أنّها عطيّة من جزار آخر الشّارع؛ منظاري لا يدرك غير جزء من ظهر قصّابته…
أكثر الأيام التي أذكرها تلك التي أشهد فيها شجارات وأكثرها إثارةً شجارات رمضان وتحديدا تلك التي تسبق الإفطار بقليل، وأهمّها تلك التي يكون فيها دم ومنتصر ومهزوم ، إنّه العدل؛ لا يمكن للكلّ أن ينتصر أو أن ينهزم… نادرا جدّا ما يخسر العراك الطرف الذي أراهن عليه، تعتمد النّتيجة على الحركة الأولى…
أشعر أنّي أكبر كلّ يوم… سأتمّ الثّانية عشر قريبا إلاّ أنّ أمّي لا تفكّ قيدي إلاّ في حضورها، تخشى عليّ… هي لا تعلم أنّي أصبحت أجيد مصّ النّار إلى جوفي دون أن تحرقني منذ أكثر من سنة. تذوّقت أوّل سيجارة حين اكتشفت مخبأ أخي حيث شقّ بطن فراشه ودسّ فيه علبة سجائر، أمّا الآن فأنا أبتزّه ليعطيني سيجارة أو اثنتين في اليوم مقابل أن لا يبلغ أمره مسمع أمّي…
لم يعد ثقل القفل والسّلسلة التي تصفّد به أمي قدمي إلى رأس السّرير يشكّل عائقا لحركتي، حتّى أنّني لم أعد أشعر بهما، يمكنني التمدّد، أو الاستعانة بما هو في متناولي للوصول إلى ما أريد. لم أبرح بيتنا منذ أكثر من خمسة أعياد إذ كثرت شكاوى الجيران وتوسّلاتهم إلى أمّي بأن تمنعني من الخروج وقد بتّ مصدر فزع ورعب لأولادهم وكلّ من يراني … وارتْني أمّي… لم يكن الفرق كبيرا؛ لم يكن يدنو منّي أحد… أتت النّار على جسدي فانكمش معظمه وأزالت عنه صفة بشريّ وتشقق عنه وحش نما وأخذ اسمي، لم تُبقِ لي إلاّ على عين واحدة نصف مغمضة وأذن تشبه أذن الفأر، ما زلت أتذكّر الألم الذي هجم عليّ من ذلك الحريق المهول… أخذ جسدي يتساقط قطعا نتنة وينزّ بالكثير من السّوائل المقزّزة … كلّ صباح يأتيني ممرّضان يعصران جسدي الدّقيق المتعفّن لتخليصه ممّا تشكّل فيه من الصّديد، فأشعر كأنّني أُشوى تكرارا… ألم يصيبني بالرجفان ساعات بعد عصري، وأحيانا كان يغمى عليّ… قاسيت شهورا الوحدة والألم في المستشفى… لم يكن حينها قد مضى على موت أبي غير خمسة أشهر لأنّ والدتي كانت حديثة عهد بالعمل في البيوت وتعود مساء كالخرقة البالية، رجعتُ إلى البيت يومها من المدرسة قبلها وأردت أن أفرحها بتحضير طعام شهي لها… لكنّ النّار قاطعتني وشبّت في كُمّي فهلعت ولا أذكر كيف انسكب الزّيت الحامي علي… تركت المدرسة من حينها وأصبحت أمّي تحكم وثاقي خشية أن أوذي نفسي… فهل بقي منّي ما يتأذّى؟!… كثيرا ما ينتابني تساؤل رهيب يسرّع ضربات قلبي… ماذا لو كانت أمّي هي التي احترقت؟ هل كانت ستخيف النّاس، فلا يسمحون لها بالعمل عندهم وسنبقى جياعا حتّى
* قاصة من الجزائر
َ




