هاهو كعادته مستلقٍ على سريره، يغطّ في نوم عميق، تجتاح وجهه ابتسامة ثاغرة لم يعهدها إلا في الحلم، شيء جميل أن يحلم الإنسان بأشياء لايستطيع تحقيقها وربما وحده الحلم يؤنس وحدتنا ويخفف أحزاننا لثوانِ معدودات ما فتئت لتنتهي عند الاستيقاظ، لنجد أنفسنا في دوامة تبدأ بداياتها عند كل صباح لتتحول هذه الأحلام إلى أوهام…. ! غرفته المظلمة قديمة قدم جدرانها التي تحكي تاريخها العابر ،غرفة تسكنها الجرذان ويخيط على أسطحها نسيج العناكب، وأوراق مبعثرة هنا وهناك على طاولة علاها الغبار وشمعة تكاد أن تنهي نهاية عليها كلمات تسيل من حبر خياله حاملة في طياتها قصة بلا نهاية. ليس كعادتي أن أنهض متأخرا أسرعت في تجهيز نفسي ،كانت لحيتي شعثاء وشعري أكرت، بللت شعري كي لايتراءى كثيفا، رتبت أوراقي المبعثرة وضعتها جانبا على الطاولة… تذكرت فجأة أن صاحب الشقة كان يلومني ليلة أمس على تأخري في دفع إيجار الشقة وتسديد الديون التي كانت على عاتقي،.. وإلا سيطردني منها مما سيضطرني للبحث عن مأوى آخر، كان الجو باردا في الخارج خصوصا ونحن في شهر آذار أردت أن أسرع قليلا للوصول إلى العمل في الوقت المناسب… تراءى لي صبية يلعبون بقطع الجليد التي كانت على سطح البركة كانت البراءة تملأ وجوههم فغشيتني إبتسامة عريضة وأنا أنظر إليهم فقال أحدهم : انظروا إلى ذاك الرجل حذاؤه يضحك.. فنظرت إلى حذائي وقلت لهم : فعلا إنه يضحك فسقطوا يقهقهون ولم أتمالك نفسي من شدة الضحك تشعر للحظة أنك ساهمت في إدخال البهجة على قلوب بريئة بسبب حذاء ممزق قد تعبت واتسعت قدماك لتحمل هذا الحذاء مدة طويلة وتكتشف بمرور الزمن أن معطفك الذي تلبسه قد قضى معك نصف حياتك…! وصلت متأخرا إلى العمل كانت ترسم على وجوهنا علامات الشقاء المارّون من حولك يرمقونك بنظرة من الشفقة والاحترام وكلمة تسمعها كل يوم أعانكم الله وتستأنس بها تلك الوجوه الشاحبة والأجساد المقوّسة كلها مظاهر تعبر عن سِني الكدح في أيام الحر والبرد القارص كل ذلك مقابل أجر زهيد لا يكاد يملأ بطونا خاوية لأسرة كاملة…. ! سئمت من ذاك الرنين المزعج حين تذكرت تلك القطعتين اللتين في جيبي ورنينهما المتواصل يكاد يقوى على سماعه متسول من بغداد…! لم أستطع أن أوقف الرنين عندما شاهدت تلك المرأة كانت تفترش الأرض وعلى حجرها طفلة نائمة وكأنها شبه ميتة منحنية الرأس باسطة يدها كفها مرآة تحكي حقيقة اليد التي ربّت وتعبت، اليد التي كانت علياها قد أصبحت سفلى لتلتقط رحمة من قلوب المارّين…. من دون أن أشعر أني جائع أهديتها القطعتين، تلطفت في نظرتها إلي وابتسمت في نظرتي إليها تلك الابتسامة التي بقيت ثاغرة على وجهي ذكرتني بالعجوز الذي كان يتكئ هناك لم أره منذ زمن خلته ينتظرني كعادته لأساعده على النهوض كان لا يقوى على الحراك ولا الكلام فقط هي إشارة من عينيه التي لا يكاد يرى بها ابتسامتي…ها قد غادر من دون رجعة إن لكل من المرأة والعجوز مأساة في الحياة وحقيقة تجمعهما في الممات المدينة تغطيها مساءات كئيبة وأنا تائه جائع بين أسوارها أنظر إلى المارين من حولي تارة وأنظر إلى المحلات تارة أخرى لاابتسامة على وجوههم ولا حتى نظرة من فتاة يائسة فكرت للحظة أن ينتهي هذا العالم وبعد أن ضاقت بي الأرض والسماء وفي لحظة ألم ويأس قررت الاعتزال عن هذه المدينة واخترت العزلة إلى البادية حيث الخلاء علني أجد ما يثلج صدري حيث هذه الزهور البرية تستنشق منها عبقا وندى يقطر رقة وخرير ماء صافٍ عذبٍ يعزف على صفيح الجداول ونسمات ريح شرقية تعزف على أوتار السنابل منسقة سيمفونية عذبة ونغما موسيقيا شجيا كلها ألحان من الطبيعة هناك حيث يوجد بيت قديم اتجهت صوبه كانت جدرانه مصنوعة من الطوب وسقفه من أوراق النخيل، فتحت الباب كان الهدوء يخيم على المكان وعلى سقفه ثقوب تدخل منها أشعة الشمس وكأنها أعمدة ذهبية يعلوها غبار وصوت طنين الذباب إنه مشهد يجعلك جامدا ساكنا لتشعر لبرهة أن العالم من حولك قد توقف…! البيت قصة تحكي عن صباحات أم تقوم باكرا ورجل يخدم أرضه وصبية تصنع من شعرها ضفائر وتمرح مع خرافها وفتى يرعى غنمه ويشدو قصائدا مع الغروب، وفتاة جميلة عذراء تجلس على ضفة النهر وتغتسل بماء المطر صنعت من البيت معتكفا لوحدتي وأحزاني كانت ليلة تعوي فيها الذئاب وتنبح فيها الكلاب وتحيط بك الأفاعي والعقارب… فبدا الخوف يسرى في جسدي وبدأت فرائصي ترتعد حينها تذكرت أن هذا الجسد الذي لدغ مرات من سموم الحياة لا يبالي أن عضته أفعى… فلتلسعي أيتها العقارب ولتعضي أيتها الأفاعي هذا الجسد عسى أن تجدي مكانا خاليا من السموم لم يكن ينوي أن ينام لكن التعب قد نال منه واستسلم للنوم كالطفل الوديع كانت عيناه جاحظتين والدمع يشق خده عندما تذكر إبنته الوحيدة التي ذبحت أمام عينيه خرج مسرعا متجها إلى المقبرة أخذ حبلا وصعد إلى الشجرة العالية ووضع الحبل على عنقه وربطه بالجذع ووقف على الحافة رفع يديه عاليا وهو ينظر إلى القمر وكأنه يقبله واستعد للرحيل الأخير فجأة اهتزت المقبرة وخرجت رفاتها من الأموات وظن أنه يوم البعث فخاطبه كبيرهم : – ما أنت فاعل أيها الحي…؟ – أود اللحاق بكم…! – نحن نحسدك لأنك مازلت حيا…! – لماذا تحسدونني وأنا الذي تجرعت سموم العالم…!؟ – نحسدك على تلك القطعتين والعجوز وابتسامتك في وجوه الأبرياء. – ألم تكونوا تفعلون ذلك وأنتم أحياء…!؟ – لا لم نكن نفعل ذلك لأننا لم ندرك يوما أننا سنموت…! استيقظ وهو يصرخ ممسكا بعنقه ظنا منه أنه صار مع الأموات وأدرك أنه مازال حيا لقد ذكره الحلم بابنته الوحيدة وفي لحظة يأس أدرك أن للعالم مآس أخرى .
َ
* قاص من الجزائر
َ




