
بين صورنا في الواقع وبين ظلالها على المراياهناك مسافات لا
تنعدم..إلّاإذاأكدنا للمرآة..أن الذي يسكنها هم نحن..والقصة القصيرة التي
أكتبها..هي بنت الحقيقة في كل أبعادها المتباينة..قد يتقزّز لقراءتها
البعض..مثلما يصادق مواقفها كثير قرّاء..عذرا
حين قابلها بميدان-سانتا ماريا-العتيق،الموغل في تاريخ -روما- الرخامي،لم
يك يدري أن هذا الجمال الروماني البارع،سيأخذه الى حيث يتوقف الزمن،وأن
شبابه سيندثر بعد شهر من لقائها..فراح في نهم الظمآن يبحر في شطآن
مقلتيها الزرقاوين تارة..وتارة يتمنى في لهفة الصادي أن تنغمس يمناه في
دفء نهديها المتطرفين الى أبعد حدود التطرف..وهما يرفعان صدريتها في جنون
وفتنة.
وقد رأت منه كل هذا الإعجاب..كل هذا الإندهاش..فما كان منها إلا أن ترفع
فستانها القرمزي المنقط بزهر النارنج البديع عن ساقيها الرشيقين..حتى
تزيده حريقابميدان -سانتا ماريا-الساحر.
تقدم منها بعدأن كسّركل حواجز التردّد وأذاب فواصل الشكّ**آنستي
الفاضلة..إسمحي لي أن أقول لك وأنا غريب على بلدي..أني قابلت من النساء
كثيرات،لكنّي لم أجدإمرأة تثير في كوامن الجنون مثلك أنت..وأني أبحرت في
عيون مئات الساحرات،لكني لم أغرق في عيني فاتنة إلّاك..فهل تسمحي أن أبدي
لك إعجابي الشديد بك وأكشف عن مدى ولهي..**ولم تصدق-كاترين-ماقاله لها
هذاالغريب الذي يسمى-خالد-..فراحت شفتاهما تتطابق على مرآى العابرين،أحسّ
لحظتها أن كل حرارة الكون تجمعت على مساحات ثغرها الصغير المدوّر كخاتم
شرقي..فازداد في عناقها أكثر..ضمّهاالى صدره مثلما حاصرته بذراعيها
الفضّيتين وذابا في لحظة لا وعي لذيذة،أكيدأنه لم يظفر بها لدى
فتيات…اللواتي كثيراماكان له معهن وصال الليالي وإلتحام الأرواح في
مواسم جني العنب و الرمّان..ولم يفق من غيبوبته المحمومة إلّاوهي تدعوه
بإلحاح شديد..داعية أيّاه بكلّ توسّل أن يرافقها الى فيللتها..ولم يتمالك
-خالد-ذاته أمام هذا الطلب الأمل ،الذي طالما أراد كشفه ل-كاترين-لكنّه
يتردد خوفا من الرفض الذي قد تلاقيه به..لكن هاهي نفسها وبكل إغراءات
المرأة الجميلة تدعوه الى…
في البدء أرادأن يبدي شيئامن التمنّع،لكن أمام إصرارها ثم أمام رغبته
الخفية..نزل عند طلبها..
وساعة فتحها لباب الفيللا ،كانت كل نظراته تتوزع على مساحات خصرها
الإجاصي الهيف..مثلما كانت تغمر صدرها البضّ الناهد..دعته الى
الجلوس..حيثما تعود من..ولكم كانت لحظات حرجة تلك التي أمضاها في
إنتظارها..جلبت إنتباهه صورتها معلقة على الباب وهي في أروع مفاتنها..قال
في طوية ذاته**بعد لحظات سأرتشف عبق هذا التمثال المرمري بكل حرية..**قام
من مكانه يتحسّس صورتها بأنامله المرتجفة..وماكاد يلمسها حتى قالت
له**خالد..هيت لك**كانت ترتدي ثوبا شفّافا لايكاد يستر شيئا إلا
قليلا،وقد بدت له ظلال تقاسيم أملودها الغضّ كأحلى ما يكون
الجنون..ناولته يمناها..أخذها في لطف تامّ..أستوقفته قائلة**بقلب أعلى
قمّة للحزن يا نجل العرب..تنتحر نرجسات الخوف والإرتعاش**وراح-خالد- يمضي
ليلته الشرقية بزمن غير عاد..مرّ كحرق سيجارة يدخنها رجل قلق..
وعند الباب قالت وهي تعانقه**أرجو أن نلتقي ليلة أخرى**
في الصباح البارد الذي غمزت ثلوجه أرصفة وشوارع المدينة الصاخبة..توجه
-خالد- الى كافيتيريا ليتناول فنجان قهوة..أخذ من فوق الطاولة التي يجلس
إليها..جريدة يومية لها توزيع كبيربتلك المدينة..لكنه ماكاد يفتحها على
الصفحة الثانية..حتى صعقته زلزلة كهربائية رهيبة..دكت بداخله كل معاني
الحياةو راح يقرأ في ذعر شديد/الرجاء من كل الرجال كالذين كان لهم مع
الآنسة-كاترين-واقعة وصال جسدي ،أن يتقدموا الى مصلحة الفحوص الخاصة
بمرض…لدى المستشفى المركزي وهذالأجل إجراء التحاليل والحجز الصحي/
وحاول أن يعزي نفسه بأن المقصودة بإعلان الصحيفة ليست صاحبته-كاترين-لكن
صورتها المنشورة رفقة الإعلان..قطعت كل ريب وشك..ليرم كوب القهوة
والجريدة على الأرض..ويخرج من الكافيتيرياالى الشارع صارخا بكل يأس**لقد
أنتهيت..إني على وشك الموت …إني على وشك الموت
* قاص وشاعر من الجزائر



