الظّاهرة المسرحية بين نداء الفرجة وفضاءات النّص – ندوة مسارب
بواسطة مسارب بتاريخ 11 نوفمبر, 2015 في 10:36 صباح | مصنفة في نقد مسرحي | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1476.

 

 


ما أوجه الإختلاف في رأيكم بين النص المسرحي الذي يكتب للقراءة والإستمتاع وبين النص المسرحي الذي يكتب للعرض والفرجة المسرحية ؟ وهل من الممكن الإشتغال فنيا وتقنيا على النّص الذي يكتب للقراءة والإستمتاع بهدف تحويله إلى فرجة مسرحية من دون المساس بفضاءات النص المسرحي كنص أدبي له خصوصياته الأدبية  ؟ ..وجهنا هذا السؤال إلى عدد من الكتاب والمشتغلين في الحقل المسرحي فأجابونا …تابعوا ….

ثوابت النّص المسرحي ستبقى قائمة حتى في حالة تحول النّص إلى فرجة مسرحية

محمد الزاوي / كاتب مسرحي ومخرج سينمائي

إذا كان كاتب النص المسرحي يتخيل أشخاصه ووقائع الحكاية والديكور والموسيقى ويكون له باع من التجربة في الكتابة والإخراج المسرحي معا فإنه قد ينجح في توفير فرجة مسرحية . لكن إذا كان كاتب النص لا يعرف ويتحكم في تقنيات الكتابة المسرحية وليس له إلمام بكل العناصر التي تحيط بفبركة عمل مسرحي فإنه قد يخسر في رهانه وهو الأمر الذي يجعل الكثير من الأدباء يسخطون أو يكونوا غير راضين على القطع الذي قام به مخرج المسرحية أو التغيرات التي أحدثها ، أو يكون غير راض عن صورة البطل وسلوكاته ، لأن الصورة التي وضعها كاتب النص الأدبي أو المسرحي لأبطاله ليست هي التي عند المخرج، فالمخرج يعطي للأشخاص إيجابا أو سلبا لباسا ، وصوتا ، وموسيقى ويضعهم في ديكور قد يكون ليس الديكور الذي وضعه الكاتب في نصه، ولذلك فإن الكثير من المخرجين يتهربون من التعاون المباشر ..أي أنهم يسمحون للكاتب بحضور عرضهم يوم عرضها على الجمهور أو فيما يمسى بالعرض المسبق “الجنرال” ويكتشف حينها الكاتب قصة جديدة رغم أن ثوابت نصه قائمة ورغم أن المخرج لم يخرج عن أدبية النص ، فالمخرج يعمل على عناصر التشويق وجلب في الجمهور ، بينما كاتب النص يفكر في هذا التشويق ولكنه يعمل على إنفراد لا يعمل مع أشخاص آخرين . المخرج يعمل مع تقنيين وفنانين  لكن في الأخير هو بهدف تمكين الجمهور من هذه الفرجة، خاصة إذا كان الجمهور غير هاديء ويحتاج إلى عناصر الفرجة ويتفاعل معها . لأن الجمهور في بلاد المغرب أو في الشرق يختلف عن جمهور الغرب. جمهور الغرب هاديء ولا يتنفس أمام العرض المسرحي ويصفق في الأخير حتى ولو لم يكن معجبا بالعمل المسرحي .

الممثل هو المحرّك الأساسي ، فيمكن له إنقاذ نص ضعيف من الفشل فيما يمكن للممثل الضعيف القضاء على نص قوي .

نفطي سالم/ فنان مسرحي متخصص في السينوغرافيا

قبل أن نتتطرق لأوجه الإختلاف بين النّصين نص المخرج والإضاءة والديكور وكافة المكملات الفنية ، ونص الكاتب المسرحي كنص أدبي ، لابد أن نتطرق أولا  إلى العرض المسرحي المحترف وماهي عناصره الأساسية والتكميلية. ومن الأمور الأساسية أن يكون هناك نص جيد ثم قاعة عرض يقدم عليها هذا النص ومخرج يفسر هذا النص ويضع إطاره العام ويضبط إقاعه ثم يأتي الممثل ليجسد هذه الأفكار  ويضعها موضع الحقيقة الملموسة بأداء صوتي وتعبير حركي  ثم يستكمل باقي العناصر من إضاءة وموسيقى ومؤثرات وتصميم سينوغرافي .”فماهي أوجه الإختلاف بين النص المسرحي الذي يكتب للعرض والنص المسرحي الذي يكتب للقراءة وهل من الممكن الإشتغال فنيا على النص الذي يكتب للقراءة وتحويله الى العرض أو الفرجة المسرحية ” من وجهة نظري الخاصة أرى أن الممثل هو المحرك الأساسي إذ يمكن أن ينقذ نصا ضعيفا من الفشل كما يمكن للممثل الضعيف أن يفشل نصا قويا في غاية الجودة و الإتقان فبعد تقسيم المسرحية الى أهداف عامة وخاصة مما يتطلب من أهداف أدائية قصد فهم الفكرة العامة للنص المسرحي وماذا أراد الكاتب أن يقوله من خلال نصه ويبقى كل مخرج ونظريته وأسلوبه سواءً كان كلاسيكيا أو حديثا فمنهم من يعتمد على الجمالية السينوغرافيا ومنهم من يعتمد على الفضاء الفارغ والأنظمة الضوئية وهناك من يتعامل مع روح النص ويخرجه من منطلقاته الخاصة فلا يهم إن كان نصا مكتوبا للمسرح أو نصا أدبيا مسرحيا فالمسرح الحديث دخل منذ عقود في موجة من التجارب الحديثة والتى أختزلت الوقت والإمكانيات والمهم هنا الحفاظ على فكرة الكاتب هذه رؤيتي و”فلسفتي” الخاصة كفنان سينوغرافي إشتغلت على عدة نصوص كلاسيكية وأخرى حديثة وبعضها كانت مجرد أفكار على الورق.

يكفي أن تتوفر في النص الطاقة الدرامية الكفيلة بنقله إلى خشبة المسرح

محمد الصالح قارف / كاتب درامي

إذا أخذنا بالسياق التاريخي فسنجد أن ظاهرة أو فعل قراءة النصوص المسرحية كانت موجودة بالموازاة مع العروض التي كانت تقام في العصر الكلاسيكي، فهاهو أرسطو يشير ضمناً إلى الأمر في كتابه الشهير “فن الشعر/ لبوطيقا” حيث يقول : ” ففي الإمكان إدراك قيمة المسرحية بمجرد قراءتها” ص.230 . يضاف إلى ذلك أن التفرقة وقتئذ بين الكتابة المسرحية والشعر لم تتبلور بعد كما أن وجود مسرحيات -بالمعنى العام للكلمة- معدة للقراء حصراً كان وليد ذلك العصر أيضاً إذ يمكن تصنيف حوارات أفلاطون والتي كان بطلها سقراط ضمن هذا الإطار خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار لا القيمة  الفكرية والفلسفية فحسب لهذه المحاورات بل الصنعة الأدبية والدرامية لأفلاطون في هذه المؤلفات والتي أشاد بها النقاد على مر العصور.

وإذا أخذنا بحقيقة ترادف ظاهرة المسرح المعدّ للقراءة أو للعرض عند مؤسسيه اليونانيين فإننا سنكتشف أن فعل القراءة المسرحية لم يكن فقط الوسيلة التي حفظت لنا نزراً من أعمال الأقدمين بل إن الكتب وقراءهاهم من نجحوا في تخطي مقصات الرقيب أو الطاغية فمع وفود المسيحية التي حاربت المسرح الإغريقي لما يمثله في نظرها من تعظيم للمعتقدات الوثنية تم اتلاف العديد من المصادر الكلاسيكية التي لم تكن تتوافق مع الدوغما المسيحية في العصور الأولى هذا وقد استعان الكتاب الإنجليز إبان الحرب الأهلية   منتصف القرن السابع عشر بالكتابة الدرامية الموجهة للقراءة فقط أو ما يسمى بالـCloset drama إثر قرار إغلاق المسارح العامة من أجل بثّ أفكارهم بين جمهور القراء فيما اتفق على تسميته بالعصر الذهبي لهذا النوع من الكتابة المسرحية الذي أصبح شكلاً مستقلا بذاته عن المسرح بالمعنى المتعارف عليه

أما عن تقديري الشخصي للمسألة فإنني أرى أن الفرق يكمن أساساً في تفاصيل تقنية تتعلق بالعرض المسرحي إذ أن هذه النصوص ذات الجوهر الأدبي لا تقيم وزنالضوابط العرض المسرحي إذ أن الخشبة مثلاً تُعرف بمحدودية العرض سواء من حيث المكان الزمان والفعل الدرامي كما وأن النصوص المعدة للقراءة يمكنها مقاربة فنون أدبية أخرى بحرية أكثر إذ يمكنها أن تنهل أكثر من السرد مثلاً دون أن يشكل ذلك خطراً على البناء العام كما وأننا نلاحظ أن النصوص المعاصرة –خصوصا في الغرب- تشهد ميلاً نحو إعادة الرباط القديم بين  الشعر والكتابة المسرحية

أما عن الاشتغال الفني على مثل هذه النصوص بغرض مَسرَحتها فوق الركح فإن ذلك يرجع أساساً إلى أمرين: أولهما قابلية المسرحة للنص الأصلي بمعنى أن تكون الطاقة الدرامية فيه كفيلة بنقله إلى الخشبة على نحو سليم ثانياً أن المقتبس إن جاز التعبير يجب أن يعيد اخضاع النص إلى الضوابط المسرحية المتفق عليها على أن نجاحه في الوفاء لأدبية النص الأصلي سيعود إلى الموازنة بين هذين الأمرين بشكل فني. وهذا ما يجعل الحكم بالنجاح أو الفشل على تجربة نقل النص المسرحي الأدبي يتعلق بخصائص هذه النصوص ولا يمكن الحكم بشكل عام على هذه التجربة.

على كاتب النص أن يجرّب فنون الإخراج لكتابة نص قابل للإخراج المسرحي

علي قوادري/ قاص وكاتب مسرحي

يعيش المسرح اليوم أزمة نص  وذلك لسببين أساسين : تغييب كتاب المسرح من الأقلام المميزة وذلك بالإعتماد على الارتجالية وعلى ما يكتبه الممثلون من نصوص تميل للعرض ويغيب عنها النص المكتوب وأما السبب الثاني غياب دور المسارح والمهرجانات  والقليلة منها من أثبتت حضورها دون التوسع والاعتماد على ألأدباء والكتاب المعروفين نقدا وكتابة لهذا النوع ونضيف لهذا عدم وجود تحفيز مادي ومعنوي لكتاب النص المسرحي الأدبي..

هناك اختلاف كبير بين النص المسرحي كمتن ابداعي موجه للقارئ والنص المسرحي المتجه للتمثيل والفرجة..وأهم هذه الاختلافات اللغة فالأول يختار لغة أدبية تبتعد في تجلياتها عن الجمهور الحاضر للعرض عكس الثاني الذي يتوخى التواصل من خلال لغة أكثرها يكون عاميا أو من اللغة الثالثة..بالإضافة أن الكاتب في النص لا يهمه الجمهور بل يكون مرتبطا بفئة معينة تحاول فك رموز اللغة والاحاطة بالمشاهد وفلسفة الابداع ونمو الشخصيات وحراك العقدة في مضماره الهندسي الذي يكون جامدا من خلال القراءة ومتحركا من خلال خلفية المتلقي الفرد عكس العرض الذي يركز على أمور كثيرة تصاحب النص كالإضاءة والسينوغرافيا والحركة والتعبير الجسدي والشفوي للمثل ومن خلال تفاعل جمهور مختلف الأذواق و لكل ما يبحث عنه في العرض..

في اعتقادي أنه يجب أن يكون النص المسرحي قابلا للعرض وحتى يكون له هذا على كاتب النص أن يجرب فنون الاخراج لكتابة نص قابل للإخراج المسرحي  من خلال مواكبة عمل المخرج والسنواغرفي والممثل حتى يتوصل لتقنيات ايصال الخطاب أو الفكرة للجمهور وحتى يسهل الأمور للمثل والمخرج والعاملين على انتاج النص..شخصيا من خلال تجربتي القصيرة في بعض الأعمال المدرسية وجدت أن النص المكتوب لغرض العرض يكون أسهل تجسيدا لأن النص الآخر يلزمه فئة معينة من الممثلين والمخرجين وقليلون من يملكون هكذا تكامل في بيئتنا المسرحية رغم الامكانات الكبيرة التي تزخر بها بلادنا من كتاب وممثلين ومخرجين وسيونوغرافيين ومختصين في الموسيقى والإضاءة..وحتى يبقى النص المسرحي نصا أدبيا يلزمه هذا الكل الواعي بدءً  باستعاب النص وفنيات كتابته ومرورا بطاقم مسلح بفلسفة الابداع وبأبجديات التنوع وتقنيات التواصل كل في مجاله..

علينا أن نقر أننا في الجزائر نمر بقطيعة أو قل تباعد بين أطياف الابداع في مجالات عدة هي تمثل روافد لمنبع واحد كالموسيقى والأدب والمسرح والسينيما ..هناك تنافر وأحيانا نوع من العداء غير المعلن في سياق تنافسي غير مبرر لزوايا الشكل الواحد رغم اختلاف التسميات وهنا لايجب أن نبتعد عن فكرة أنا أفعل كل شيء، أكتب وأخرج وأمثل وأغني لأن هذا الأمر يشتت ويضعف العمل فالأصح أن يكون هناك تشارك بين الكل الكاتب والمخرج والممثل والسينوغرافي والموسيقي وكل من يساهم في بلورة وبعث الروح في العمل الأدبي ..التقاء هذا الكل هو من يصنع الوعي ويؤسس لثقافة الابداع والتميز والالتفاف حول الفعل الثقافي المبني على الأسس الصحيحة والمراد بها رفع الذائقة وانتاج الفرد الممكن للحضارة والتحضر والقادر على بناء المدنية الصحيحة..


مجلة مسارب

،

َ

اترك تعليقا