صراخ الوجع في صمت / عمار بوزيدي *
بواسطة مسارب بتاريخ 17 نوفمبر, 2015 في 11:03 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1151.

شخيره يستفزني أستمع إليه و هو غاطا في نوم عميق  أفكر في جلب السكينة من المطبخ و غرسها في صدره  هذا الملعون طالما احتضنني صدره حتى ظننتني ألا أفارقه أبدا  هي ضربة واحدة و يسكت هذا الشخير المقيت إلى الأبد . كيف رماني القدر هذا المرمى و تركني أتمزق سفلا و علوا  أهو قراري أن أرتبط به  أم هي الظروف المجنونة التي يغيب فيها الخيار و يختفي صوت العقل و الحكمة  هل تسرعت في قطف نصيبي فقطفته فجّا فلا أنا أهنأ به و لا أنا أرجع عنه . تبا له إنه يهنأ بالنوم و أنا لا و فوق هذا كله رعونته و عجرفته و تطاوله و بذاءته التي أصبحت لا تطاق … نام على الفراش الوثير من عرقي و أكل الأكل الطيب من عرقي و أسكنته السكن الرفيع من عرقي و أركبته المركب الهنيء من عرقي  أنجبت له درتين هما كل حياتي و نور عمري و ضياء روحي  لأكافأ بالحرمان و الرعب المستمر و الخوف الذي يقطّع أوصالي صباح مساء  أهذا جزائي منك أيها الغادر الخسيس ، ألم أرفع رأسك ؟ ألم أشرفك مع أهلك و مع كل الناس ؟ .

 ويلاه منك كبرت في حشاشتي سرطانا خبيثا ؛ لا أنا أستأصلك و لا أقدر على الإبقاء عليه داخلي  آه آآآه ما أشد هذا الوجع بصدري ، يلومني الأهل و الناس فيه و ما يدرون بمصيبتي يرونني في السيارة الفاخرة  يحسدونني على عملي  يحسدونني على سكناي  يحسدونني على مكانتي ، يحسدونني على شخصيتي  يحسدونني على هندامي و زينتي ، يحسدونني على سعادتي  و أين أنت يا سعادتي ليتني أراك أو أشمك و أضمك  أبعد الناس عنك أنا  يرونك في مظهري  و مخبري جحيم  ناره تلظى تحرقني في اليوم مرات و مرات  أين العدل ؟ أهذا قدري يا ربي ؟ أن أشقى في الدنيا و الآخرة ؟ لأني سأقتله  و حقك يا ربي سأقتله  أم أنك سطرت في لوحك المحفوظ امتحاني ؟ أهذا امتحان ؟ و عزتك و جلالك لم أعد أطيقه ، لم أعد أطيقه .. يا أرحم الراحمين خذ بيدي .

في هذه اللحظة ارتخت يدها  و انفلتت السكّينة ممزقة صمت السكينة ، و لم تشعر إلا و برد البلاط يراودها عبر قدميها و ركبتيها العاريتين  و لفحة برد تخترق كوة المطبخ تهاجم صدرها . تسعل سعلة خفيفة ؛ تردها بيمناها و تتسلل عائدة إلى غرفة النوم كانت الأشباح تتراقص على جدران الغرفة إثر نيران المدفأة و كأنها النائحات يندبن حظها العاثر؛ تسمع عويلهن  إن هن يدفعنها للجنون . ترى صورة والدها ضاحكا مبتسما و هو يضمها تحت جناح برنوسه دون إخوتها ، تذكر صوته الحنون و هي تحلق ذقنه قبل ذهابه للعمل … فجأة تغطي إحدى النائحات صورته الجميلة بمؤخرتها العريضة . فتمد يدها مرتعشة صارخة : أبي أبي … لتستسلم لدموعها المنهارة ؛ فقد سُرق منها والدها و هي أشد ما تكون بحاجة إليه.

في سنوات الضياع التي تخلى عنهم والدهم فيها عاشت أسوأ سني حياتها مشردة باحثة عن عمل تعيل به إخوتها و أمها المفجوعة بزوجها ، فقد ترك  فراق الوالد فراغا رهيبا تضرب فيه رياح باردة و عواصف من زمهرير ، تفقدها الشعور بالحياة لتكره صنف الرجال و تعلن الحرب على غريمتها في أبيها و في كثير من المواجهات  تستسلم لحالات من الهستيريا و العصاب و الفصام  و بكثير من العلاج و الرقى و البعاد تهدأ لتلتفت إلى حياتها وشاء القدر أن تندمج في عمل قار يملأ فراغ وقتها و ينسيها بعض الشيء في معاناتها. لقد أصبحت وحشا كاسرا تقرأ الغدر في عيون الناس  سرعان ما تنشر مخالبها و تكشر عن أنيابها لمن تسول له نفسه على مهاجمتها أو حتى إساءة اللفظ عنها أو عن والدتها أو حتى إخوتها ، صار والدها يتجنبها و يتحاشاها ، إنها تدافع عن والدتها و إخوتها كلبؤة شرسة عن جرائها ، ملأت القلوب رهبة  و حضورها يوعز السكينة والإحترام             

و تمر السنون تتسلل فيها العنوسة إلى جسدها البض ، تستفزها كل خلية منها ، خصوصا أن ريح الزواج طار بأخواتها إلى الحياة الوردية ، فتنكر و تتردد … و قد تحسد . إلى أن رأت مبسما ضاحكا و عينا شغوفة حرّكت بركتها الساكنة في ظلام الحياة و أيقظت أحاسيس الفطرة من بحر اللاشعور، فنسيت أو تناست و حدثت نفسها بالضنى ، تكبح به عنف الرفض و تخضّد به غلواء الكراهية … ارتمت في أحضانه و استسلمت للقدر  و ذاقت آلام اللذات آخرها في ولادتها بقمر التي أضاءت لياليها الطويلة سعادة و فرحا .

تلمست وجهها المضيء فقد كان الضوء الخافت في الشارع ينعكس على وجهها المشرق و هي تذوب حنانا و دموعا  و بدر صغيرها يتقلب على يسارها يشعرها بالأمان و يثلج صدرها المتأجج بالنيران  غلبتها العاطفة و حملتهما و هما نائمين و احتضنتهما بقوة و بكت بحرقة و آهة و وجع . فقد أُجبرت على مفارقة ذاك الصدر منذ زمن .

ما بك يا أمي – قالها بدر و هو في رخوة النوم – هل مات أبي . هنا فطنت و انتبهت لضجة تلاها سكون ، أنصتت فقد سكت الشخير في الغرفة المجاورة  خرجت مسرعة لتجده ملقا على الأرض لا يحرك ساكنا .

َ

َ

* قاص من الجزائر 

َ

اترك تعليقا