شخيره يستفزني أستمع إليه و هو غاطا في نوم عميق أفكر في جلب السكينة من المطبخ و غرسها في صدره هذا الملعون طالما احتضنني صدره حتى ظننتني ألا أفارقه أبدا هي ضربة واحدة و يسكت هذا الشخير المقيت إلى الأبد . كيف رماني القدر هذا المرمى و تركني أتمزق سفلا و علوا أهو قراري أن أرتبط به أم هي الظروف المجنونة التي يغيب فيها الخيار و يختفي صوت العقل و الحكمة هل تسرعت في قطف نصيبي فقطفته فجّا فلا أنا أهنأ به و لا أنا أرجع عنه . تبا له إنه يهنأ بالنوم و أنا لا و فوق هذا كله رعونته و عجرفته و تطاوله و بذاءته التي أصبحت لا تطاق … نام على الفراش الوثير من عرقي و أكل الأكل الطيب من عرقي و أسكنته السكن الرفيع من عرقي و أركبته المركب الهنيء من عرقي أنجبت له درتين هما كل حياتي و نور عمري و ضياء روحي لأكافأ بالحرمان و الرعب المستمر و الخوف الذي يقطّع أوصالي صباح مساء أهذا جزائي منك أيها الغادر الخسيس ، ألم أرفع رأسك ؟ ألم أشرفك مع أهلك و مع كل الناس ؟ .
ويلاه منك كبرت في حشاشتي سرطانا خبيثا ؛ لا أنا أستأصلك و لا أقدر على الإبقاء عليه داخلي آه آآآه ما أشد هذا الوجع بصدري ، يلومني الأهل و الناس فيه و ما يدرون بمصيبتي يرونني في السيارة الفاخرة يحسدونني على عملي يحسدونني على سكناي يحسدونني على مكانتي ، يحسدونني على شخصيتي يحسدونني على هندامي و زينتي ، يحسدونني على سعادتي و أين أنت يا سعادتي ليتني أراك أو أشمك و أضمك أبعد الناس عنك أنا يرونك في مظهري و مخبري جحيم ناره تلظى تحرقني في اليوم مرات و مرات أين العدل ؟ أهذا قدري يا ربي ؟ أن أشقى في الدنيا و الآخرة ؟ لأني سأقتله و حقك يا ربي سأقتله أم أنك سطرت في لوحك المحفوظ امتحاني ؟ أهذا امتحان ؟ و عزتك و جلالك لم أعد أطيقه ، لم أعد أطيقه .. يا أرحم الراحمين خذ بيدي .
في هذه اللحظة ارتخت يدها و انفلتت السكّينة ممزقة صمت السكينة ، و لم تشعر إلا و برد البلاط يراودها عبر قدميها و ركبتيها العاريتين و لفحة برد تخترق كوة المطبخ تهاجم صدرها . تسعل سعلة خفيفة ؛ تردها بيمناها و تتسلل عائدة إلى غرفة النوم كانت الأشباح تتراقص على جدران الغرفة إثر نيران المدفأة و كأنها النائحات يندبن حظها العاثر؛ تسمع عويلهن إن هن يدفعنها للجنون . ترى صورة والدها ضاحكا مبتسما و هو يضمها تحت جناح برنوسه دون إخوتها ، تذكر صوته الحنون و هي تحلق ذقنه قبل ذهابه للعمل … فجأة تغطي إحدى النائحات صورته الجميلة بمؤخرتها العريضة . فتمد يدها مرتعشة صارخة : أبي أبي … لتستسلم لدموعها المنهارة ؛ فقد سُرق منها والدها و هي أشد ما تكون بحاجة إليه.
في سنوات الضياع التي تخلى عنهم والدهم فيها عاشت أسوأ سني حياتها مشردة باحثة عن عمل تعيل به إخوتها و أمها المفجوعة بزوجها ، فقد ترك فراق الوالد فراغا رهيبا تضرب فيه رياح باردة و عواصف من زمهرير ، تفقدها الشعور بالحياة لتكره صنف الرجال و تعلن الحرب على غريمتها في أبيها و في كثير من المواجهات تستسلم لحالات من الهستيريا و العصاب و الفصام و بكثير من العلاج و الرقى و البعاد تهدأ لتلتفت إلى حياتها وشاء القدر أن تندمج في عمل قار يملأ فراغ وقتها و ينسيها بعض الشيء في معاناتها. لقد أصبحت وحشا كاسرا تقرأ الغدر في عيون الناس سرعان ما تنشر مخالبها و تكشر عن أنيابها لمن تسول له نفسه على مهاجمتها أو حتى إساءة اللفظ عنها أو عن والدتها أو حتى إخوتها ، صار والدها يتجنبها و يتحاشاها ، إنها تدافع عن والدتها و إخوتها كلبؤة شرسة عن جرائها ، ملأت القلوب رهبة و حضورها يوعز السكينة والإحترام
و تمر السنون تتسلل فيها العنوسة إلى جسدها البض ، تستفزها كل خلية منها ، خصوصا أن ريح الزواج طار بأخواتها إلى الحياة الوردية ، فتنكر و تتردد … و قد تحسد . إلى أن رأت مبسما ضاحكا و عينا شغوفة حرّكت بركتها الساكنة في ظلام الحياة و أيقظت أحاسيس الفطرة من بحر اللاشعور، فنسيت أو تناست و حدثت نفسها بالضنى ، تكبح به عنف الرفض و تخضّد به غلواء الكراهية … ارتمت في أحضانه و استسلمت للقدر و ذاقت آلام اللذات آخرها في ولادتها بقمر التي أضاءت لياليها الطويلة سعادة و فرحا .
تلمست وجهها المضيء فقد كان الضوء الخافت في الشارع ينعكس على وجهها المشرق و هي تذوب حنانا و دموعا و بدر صغيرها يتقلب على يسارها يشعرها بالأمان و يثلج صدرها المتأجج بالنيران غلبتها العاطفة و حملتهما و هما نائمين و احتضنتهما بقوة و بكت بحرقة و آهة و وجع . فقد أُجبرت على مفارقة ذاك الصدر منذ زمن .
ما بك يا أمي – قالها بدر و هو في رخوة النوم – هل مات أبي . هنا فطنت و انتبهت لضجة تلاها سكون ، أنصتت فقد سكت الشخير في الغرفة المجاورة خرجت مسرعة لتجده ملقا على الأرض لا يحرك ساكنا .
َ
َ
* قاص من الجزائر
َ




