أَشواك من الذاكرة / قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة مسارب بتاريخ 17 نوفمبر, 2015 في 11:46 صباح | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3041.

من فوهة “كانكي” عتيق يشّع ضوء سقيم خافت متعب ومرتعد. الغرفة يعلو أجواءها سحب لدخان كثيف لايمطر إلا غيضا. توسطتها طاولة تحيطها كراس لجلاس من جثث هامدة وعيون شاخصة ترقب ما أحاط بها بوجوه مشرئبة في السواد.

كلهم كانوا هكذا إلاذلك الوسيم الأشقر المعمّر الاسباني مستوفي بريد *القصر* الذي استرخى على كرسيه مغمورا بفرحة عارمة منتشيّا بحظ الورق الذي ابتسم له كثيرا هذه الليلة.

وفي هذه الأثناء الصّامتة كانت نجمة” اسهيل “قد تنفست من ضلع بقايا ليل يطارده نهار

(زيزة ) صاحبة الدار تملا من جديد كاسات (الآنيزيت ) تنفخ من عطرها تفرغ المكان من رائحة السوفي والبول .

تعرّي من جسدها البلوري – تبرز انتفاخات نهديها الممتلأتان بالغريزة الطازجة يعرف الجلاس قواعد اللعبة جيدا فمحظوظ الورق محظوظ مخدعها والكنز المخبوء بين فخذيها  من نصيبه أيضا .

همّ الخاسرون بالرحيل ومغادرة المكان بتثاقل رهيب وحسرة ملتهبة تحرق الأحشاء – الاّ هو  فقد تسّمر في مكانه قبض بشدة على اصابعه طرطقهم طرطقة حرّكت من سكون الغرفة . أعاد من جرعات أنفاسه الهاربة وأدخلها أعماق صدره زفر بها ضجرا كبيرا امتزج بتنهيدات حادة .

نظر مليا بين أصابعه طلب كأسا وزاد أخرى شرب بلهفة شديدة – تحسس ببرد يلسعه علم انه تبول كثيرا في مكانه .

لم يتردد كثيرا في خلعه من أصبعه ظل يداعبه بكلتا يديه يمنة ويسرى – تبسمت غمزته أثارت جنونا لامس عقله – قبلته فملأته قشعريرات تمادى كثيرا في رغباته الجامحة وازداد طعماها في مخياله تعرت سماءه كلها من نجمة ( اسهيل وداوود) أمسك به وألقى به على صحن الطاولة فأعاد اللعبة من جديد .

عاد صاحبه من مواخير الحي اسفنجة متشبعة بالاستهلاك الأنثوي ومن فمه تفوح خمرة  ( البوخة) ثمل كثيرا هاته الليلة في حانة مريم وبرغم كل ذلك لم ينس موعد عودتهما .

وعلى الطاولة نفسها وجده يقلب كفّيه تارة ويضعهما على خديه تارةأخرى وبين الفينة والأخرى يعضّ بقسوة على شاربيه تومض من عينيه شرارات وامضة من الحيرة والحسرة وحينما وضعهما اعلى راسه ليشدّ عليه حتى يخفف من ألام صداعه الشديد لاحظ صاحبه خواء أصبعه من الخاتم المرصّع بختم تاج الحكم .

حينها أدرك أنّ القائد الجديد أضاع ماله وحكمه على طاولة القمار .

بدأ الصبح يتساقط تدريجيا وهما في طريقهما أشرقت على وجهيهما شمس ذابلة باهتة تجردت كلّ الافكار في حجرة عقيليهما تبادلا نظرات غامضة وخاطفة همس كلّ على حدى مع نفسه بهمسات مبهمة دارت بينهما تساؤلات داخلية فضيعة تقاطعت الصور في هواجس وكوابيس وما انفكت تاملاتها  ان تنقطع حتى ادركا الديار .

وجداه مسترخيا فاتحا على أزرار بزته الرسمية يضع بجانبه مسدسا ومحفظة منتفختة لم يتفاجآبالضيف الغير مرحب به فقد كان يعلمان موعد مجيئه جالساه بديوانه استهجنا كثيرا من حركاته ومما كان يبديه من تصرفات استعلائية .

فتح محفطته ليخرج وصولات التحصيل انزلقت منها كمشات من الأوراق النقدية وتدحرجت بفوضى أسفل الفرش – باشر تحرير وصولات الايتوات والضرائب نفخ بخارا من فيه حتى يلين انكماش الدمغة المتصلبة بالحبر لم يسترجع تلك الأنفاس حتى أنفذ ذخيرة مسدسه في رأسه تركاه يسبح مدة في برك دمائه – خرج على قومه في زينته بعد نفير عام أبلغهم به صاحبه .

تبسم أمام جمهوره التعيس ووزع ابتساماته العريضة على كل البائسين من قومه رجالهم نسائهم صغارهم عجزتهم . لم ينطق بكثير الحديث أمر أحدهم بانزال علمهم وحرقه كبر ثلاثا ( الله أكبر الله أكبر الله أكبر ) وأعلن الاستقلال .

 لم تعمر جمهوريته كثيرا فقد أحكمت سلطات الاحتلال قبضتها العسكرية على محيط *القصر الخارج عن الطاعة .

 وقبل  أن تدرك شمس ذاك اليوم المغيب استقبل رصاصات عدوه بصدر عار وعلى مرأى من قومه كما اشترط .

 سقط وحش الجبل مبتسما مخضبا بدمائه حضنه والده بأسى كبير حضرت كل عائلته رحيل روحه الى بارئها الاّ زوجته .

وبصمت لا تحركه الاّ وشوشة الأموات دوى أزيز شاحنة رونو العسكرية التي كان على متنها حرس مسلحون وهي تقل صاحبه مكبلا في طريقه الى سجن (كايان ) وبينما كان عبابها يخترق بطن الجبل عرج بذاكرته كثيرا فتحركت كلّ السيناريوهات والصور الكثيرة لفيلم حياته .

نظر الى طريقهما التي طالما شّقاها معا تبسم مع ذاته دندن بصوت أجش أغنيتهما الصعلكية التي طالما غنياها معا وهما في طريقهما الى سحر الزمن هناك في *القصر* المجاور * أشرب لانيزيت هي تقتلك ولا تحييك ولا تقدي في قلبك شعالة *

اثر سنوات الاستقلال الأولى كانت سينما الحيط تجوب القرى والمداشر بالجزائر العميقة تمكن مسن من أهالي المنطقة بالتعرف على ملامح شخص يشبه الى حد  بعيد منفي كايان اثر عرض شريط وثائقي بالضواحي يروي مأسات محاربي الصحراء الذين قضوا في خطوط النار اثناء الحرب العالمية الثانية .

كما تمكنت فرق البحث المتخصصة في استعادة رفاة الشهداء من المقابر العشوائية في جبال المنطقة من استرجاع جثة لشهيدة في عقدها السادس متابطة لمحفظة تظم وثائق هامة لجيش التحرير من بينها فواتير شراء أسلحة من المغرب الأقصى ونسخة أصلية من بيان أول نوفمبر أما الخاتم فقد بيع مؤخرا بمزاد علني بباريس مع كثير من المقتنيات الثمينة تعود ملكيتها الى يهودي فرنسي أشهر افلاسه اثر أزمة العقار الاخيرة .

 

َ

……………

1-  لقصر تجمع سكاني حسبما أقره قانون الاهالي بمقتضى لائحة كريميو

2-  كايان سجن بجزيرة مهجورة بكا لدونيا الجديدة خصص لنفي الجزائريين الذين يعارضون سياياسات الاحتلال

3-  الآنيزيت خمرة فاخرة شديدة التركيز

 

 

 

* قاص من الجزائر 

 

 

َ

 

اترك تعليقا