اللّغة في رواية “تلك المحبة ” ستظل سيدة الزمن./ فضيلة بهيليل*
بواسطة مسارب بتاريخ 18 نوفمبر, 2015 في 04:54 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 3571.

 

الروائي الحبيب السائح

الحبيب السائح، هو الروائي الصادق وقبل ذلك الإنسان البسيط الذي ترفعه بساطته وصدقه ، هو الكاتب الذي تفرغ للكتابة، قدّس الحرف فحضن اللغة. كتب فأبدع فخلب. هو الرجل في زمن قلّ فيه الرجال. يقول كلمته دونما تردد. لا يمدح إلا عن استحقاق ولا يتحدث إلا ليثري.

قرأت له روايته “تلك المحبة” بطلب من الدكتور تحريشي محمد لتكون عنوان مذكرتي. وما كنت أعرف عن الرواية شيئا، إلا ما مر على ذاكرتي من مقالات ودراسات حولها.

بعد بحث استعرت الرواية من صديق. إنها الليلة الأولى التي فتحتها فيها. جميل مطالعة رواية ليلا. وكان أجمل من ذلك كله بدايتها: “خطي بشفتيك على صدري صبر النخيل”.

مضى من الليل كله. كانت الصفحات التي قرأتها تلك الليلة من أكثر ما قرأت وأقل مما فهمت. لغة تولد الخوف والاطمئنان معا. سحر خفي يسكن تلك اللغة. وروعة تخييل دقيقة تجعلك تبحر في غياهب العوالم اللامرئية. وحده إحساسك وعدم تبلد طبعك يفتحان بعضا من أسرار تلك الرواية: “تلك المحبة”.

قراءة أولى للرواية. توقف الفهم. تساءلت كثيرا: ما سر هذه الرواية؟ كيف لم أصل لبعض منها وقد كنت ما إن ألتهم رواية حتى أصاب بالشبع؟ فمن أين كل هذا الجوع؟ عاودت قراءة الرواية للمرة الثانية فالثالثة. وبدل أن تسكن الرواية خزانتي سكنتني، أنا: لغتها الموقّعة كسمفونية راقية. أمكنتها الصحراوية المولدة للشوق وللحب. أحداثها التي تصيب بالدهشة لكثرتها وغرابتها. ألهذا عزمت شد الرحال نحو المكان الذي ولد فيه هذا النص العجيب: “تلك المحبة”؟

مودة سكنت ذاكرتي قبل أن تطأ قدماي تلك الأرض التي تيممت فيها برياح الڤبلي من بعيد. واغتسلت بمياه فڤاراتها، لأحس داخلي كله نقاء ودهشة ورغبة لجنون مسّني. ذلك، كلما عاودت فتح صفحات الرواية، بحثا عن خيط يقودني لتلك الأمكنة التي سكنت الروائي الحبيب السائح فأسكنها بعضا من نصوصه مقدما “تلك المحبة” عربون عشق لها ولقرائه شوقا ولهفة للبحث عن تلك الأمكنة وتلك الأساطير والحكايات وبعض من ذاك الحنين. لذا، كانت زيارتي الأولى لأدرار كلها فضولا.

لمحته خارج باب دار الثقافة بأدرار يحضر ملتقى السرديات الذي أقيم في ديسمبر 2013 يقف رفقة بعض من النقاد والباحثين، يتحدث دون أن أسمع ما يقول. لحظتها، عادت صفحات الرواية تقلب أمامي كأنما ريح جنوبية هبت فاستقرت على فقرة لكثرة ما كنت أعاود قراءتها انفرجت طيتها حتى كادت الصفحة تتمزق، ورحت أردد داخلي:” “أنفتح لك كتاب محبة مخبوءا بين ضلوعي تقرئين فيه بحرف الماء و صوت الرمل ما كتبه النور في عيني لأرى رقوم وجهك الجميل، مثل إشراق صبح أعارته ليلة مقمرة بقية من ضياء و ترصيع، و أسمعك تستخبرين قدرك سر هذا الأمر الغريب(…)، و أن تكوني وحدك المرأة واهبة الحياة في الصحراء  وباعثة الغيرة في صدور النساء…”[1].

أعدمت ترددي في محادثته بعد أن رددت الفقرة وأنا أقول في نفسي: ” من يكتب عن المحبة بتلك البراعة والصدق لا يمكن إلا أن يكون طيبا ومحبا ولن يتجاهلني كقارئة أولا وباحثة في متن روايته ثانيا”.

اقتربت فتراكمت كل الصور أمامي وحضرت كل الشخصيات: البتول، باحيدا، سلو، مبروكة، جبريل، طيطمة…وما عرفت كيف استرسلت في الكلام. لم يكن يترك لمتكلمه حرجا. كنت أسأله عن روايته. فكان وبرحابة صدر يجيب. تيقنت حينها أن من يكتب عن المحبة بذلك الصدق لا يمكن إلا أن يكون كما هو، بقلب نقي.

ونحن في الجولات السياحية للمنطقة، كنا نراه يستمتع بكل التفاصيل الصغيرة التي نغفل عنها. يتأمل. يبتسم. يحاكي تلك الصحراء الهادئة. ويرقص كما سكان المنطقة على إيقاع الطبل الأدراري. كأنما كان يعيد بحركات جسده رسم “تلك المحبة”.

لغة الحبيب السائح، في “تلك المحبة” لغة تمتاز بالجمالية والحسن في التركيب. تجذب القارئ إليها قبل الموضوع، وكأنه يستقي كلماته من عالم آخر ومن قواميس جديدة لم تفتحها أنامل رواة آخرين قبله. لغة تستوقفنا في عنوان الكتاب قبل محتواه. عنوان على شكل لغز لا يُفهم القصد منه أتعجبٌ هو أم استفسار أم إخبار؟ وكذلك الأمر يبدو محيرا كلما تجاوزنا صفحة من صفحات الرواية. فالنص من بدايته إلى نهايته يعتمد على أناقة اللغة وجماليتها حتى في تصويرها للمشاهد الأكثر ابتذالا، لأن السائح متمكن من العبث والتفنن مع الكلمات ومع مزاجها الذي يتوافق ومزاجه.

لغة الرواية في “تلك المحبة” تظل سيدة الزمن. فكلما عاودنا قراءتها تبين لنا سر جديد من أسرارها التي لا تنتهي. فهي تتجدد مع كل قراءة. وتتولد فيها الدلالات جديدة. إنه مصدر قوة النصوص الروائية عند الحبيب السائح وسبب حفاظها على مكانتها وقهرها للزمن.

وأختم بما كتبه يوما الحبيب السائح على جداريته بالفيس بوك:

” كم نحب أن لا تكون كتابتنا أثرا على رمل. ولكي تكون نقشا في الحجر يلزمنا عمر من الصبر. وقد نغادر الدنيا من غير أن نتمكن من رفع رأسنا لنرى ماذا خلفنا. لكن بالتأكيد سيأتي من يقف على ذلك يوما. كذلك قلت لأحد الأصدقاء القصاصين”  

َ

َ


[1] الرواية،ص:22.  

 

 

 

* شاعرة وباحثة من الجزائر 

 

 

َ

 

اترك تعليقا