قراءة في نقوش على جدار قديم لعيسى ماروك/ مهدي سمر ـ بن نويوة وسام *
بواسطة مسارب بتاريخ 7 ديسمبر, 2015 في 11:31 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1388.

 

يقول الهادي المطوي:”العنوان عبارة عن رسالة لغوية تعرف بهوية النص وتحدد مضمونه فيجذب القارئ إليه”.

يعتبر العنوان نصا موازيا إذ لا يزال يشكل مدخلا أساسيا لدراسة النص الأدبي،ومفتاحا مهما للولوج إليه بوصفه علامة تتموقع في واجهة هذا النص،انطلاقا من ذلك يعد أهم مرجع يتضمن بداخله كثافة رمزية ،تكون في حقيقتها جسرا واصلا بين النص وكاتبه.

بين العنوان والنص بنية كتابية تعلوه وتتعالق معه دلاليا ،لذلك يمكن القول أن العنوان يقدم فكرة شاملة عن النص تمكن المتلقي من إدراك بعض غيبياته من ناحية الموضوع،فهل يمكن أن يكشف عن مضمون النص الأدبي باعتباره أول عتبة تواجه القارئ أم أنه مجرد إجراء شكلي فقط؟وما مدى التوافق والمطابقة والمفارقة بين عنوان النص ومضمونه؟.

استطاع العنوان المعاصر كسر هيمنة العنوان الحرفي الاشتمالي ليؤسس بدلا عنه عنوانا تلميحيا.

المظهر العام للعنوان:

جاء العنوان في شكل متوالية لفظية أو سلسلة مركبة،فهو بمثابة جملة على خلاف العناوين الواردة في أغلب الدواوين ،ولعل الغاية من اعتماد هذا النوع من العناوين البعد النفسي والتواصلي الذي ابتغاه الشاعر من خلال قطعه محطات كلامية تستقل كل واحدة بدلالاتها الفردية،لتنفتح على بعضها مفرزة دلالات أخرى أوسع وأشمل.

فالعنوان عبارة عن جملة اسمية غاب فيها الفعل،وهذا دليل على الثبات والسكون والاستقرار ،وهو أعم وأثبت في الدلالة من الفعل بل وأقوى في الوصف.وتختزللفظة”نقوش” حركة تقوم على الدقة والاتقان حرصا على نقل رسالة ابتغى لها صاحبها الخلود والدوام.لقد جاءت اللفظة في صيغة الجملة لأن ما ابتغى الشاعر إيصاله ليس موضوعا واحدا بقدر ماهي هواجس كثيرة تعادلها لفظة نقوش المرتبطة بالتأريخ للأحداث البارزة والهامة لدى المبدع،ومن هنا تنفتح القراءة على حقيقة هذه النقوش وغاياتها وأبعادها،إذ جاءت على جدار قديم،وهو أمر جاذب للانتباه لأن النقش غالبا ما يرتبط بالحجارة الجديدة المعدة والمهيأة لمثل هذا الإنجاز،غير أن الشاعر هنا اختار لنفسه جدارا قديما،وهو خطاب ينفتح على مغزى هذا الجدار الذي بات في حقيقته تراثا ثابتا .ثم تأتي النقوش لتثبت المثبت وكأننا 

بصدد قراءة تاريخ التاريخ،وهنا يمكن القول أن الشاعر يرغب في الربط بين الماضي والحاضر،أي بين الأصالة والمعاصرة أو القديم والجديد.

إذن يؤمن الشاعر بعدم التعارض بين الأصالة والحداثة ،فيجمع بين أصالة الفكرة والرؤية والرمز الأسطوري.

قراءة في الغلاف:

حظي الغلاف بأهمية بارزة في الدراسات الحديثة،فبحضوره الشكلي اللغوي يشكل عتبة محورية تعكس المواقف والحالات ،وعبره يمكن الإبحار في أغوار النص الدلالية والرمزية،يقول حسن نجمي عنه بأنه:”هوية بصرية ينبغي أن نتقبلها كإحدى هويات النص”،فهو الواجهة الأولى التي تشد القارئ للارتباط القائم بين مركبات الغلاف الخارجي وفضاء الكتابة ،حيث يتأسس على علاقة إبداعية ارتكازية تحمل بنية حكائية.

يحمل هذا الغلاف دلالات متعددة أبرزها مايؤكد البعد الإشهاري أو الدعائي للنص،من خلال الألوان الموظفة وكذلك الأحجام المتعلقة بالكتابة والمؤسسة الناشرة وكذا المرتبطة بكل من العنوان وصاحب الكتاب .لا يخرج الغلاف عن الحجم المستطيل والذي هو في حقيقة الأمر نتاج مربعين يتوافران على أساسيات الاستقرار والاعتدال والاتزان.

يقول كاندسكي:”إن اللون موسيقى وهذا عملا بالتجريدية وهو أيضا تفسيرا لحالة فيزيولوجية وسيكولوجية ترتبط ارتباطا وثيقا بالنفس البشرية وتحولاتها”.ويقول:هوذالك الإحساس الناتج داخلنا من خلال رؤيتنا لشيء حسن الإضاءة”.آثر المبدع والناشر اعتماد اللون الأزرق الفاتح المخالط للأبيض،وهما لونان متقاربان لا يخرجان عن فضاء اللون البارد،حيث يشير الأزرق إلى دلالات نفسية تقنية تتمثل في التوازن النفسي والثقة الخالصة ،وكذا النجاح والأمل والطموح والحياة الهادئة التي بها حركية وتفاؤل بحياة أفضل،فضلا عن تلك الرؤى الميتافيزيقية ،ولهذا نلاحظ أن النقوش بمثابة موقف وإرادة ابتغى الشاعر ترسيخها على جدران قديمة لما تحمله من رسائل مبطنة وخفية تستهوي القارئ وتدفعه إلى فك شفراتها.

كما كان للون الأبيض حضور واضح في هذه العملية التواصلية بحكم دلالاته الكائفة عن صفاء الموقف المجسد في شكل نقوش ابتغى لها الحضور والخلود،فهو لون يؤكد على معنى الأمل والصفاء والتصالح بين التراث والحداثة.

يلعب اللون الأبيض دور المساعد للأزرق ،حيث يمثل الامتداد نظرا لما يعطيه من قوة لكل لون يوضع إلى جانبه،فالأبيض امتداد لكل لون يتضمنه،ومن خلال هذين اللونين المتقاربين والمتناغمين يشعر القارئ بالانجذاب والرغبة في الاطلاع،خاصة 

وأن العنوان يوحي بشيء من الغرابة بسبب العدول ،ذلك أن النقش لا يكون إلا على الشيء المهيأ والمساعد على إيضاح الخطاب،بينما استند الشاعر إلى جدار قديم لغايات قد يفصح عنها خطابه الشعري الرئيسي.

يظهر المستطيل داخل الغلاف ويدل هنا على التخصيص والحصر ،إذ يحمل كل المعلومات المتعلقة بهذا الديوان،لذا سرعان ما تصبح عين القارئ موجهة ومحصورة داخل المستطيل الجامع لكل من اسم المبدع وعنوان ديوانه ثم جنس الإبداع.بينماتتموقع هوية المؤسسة المنتجة خارج الإطار لأن اللوغو المرسوم يتعلق بهوية المؤسسة لا بهوية العمل.

إذا عدنا إلى المستطيل نجد عتبات لسانية أخرى تتمثل في اسم المبدع ثم أثره(العنوان) وأخيرا المجموعة ،وكأن العلاقة باتت سببية تبدأ بعيسى ماروك المؤلف لهذا الديوان،وتنتهي بمجموعة شعرية لتمييزها عن باقي الأجناس الأدبية الأخرى حتى لا يقع القارئ في لبس.وجاء اسم المؤلف في الأعلى ليركز على الشخصية المبدعة المنتجة لهذا العمل الإبداعي ،بينما أخذ العنوان حجما كبيرا وتموقع وسط الغلاف بالخط المغربي ليبرز هويته الراسخة في المغرب العربي.

هذا ونلاحظ أن الحروف التي دون بها العنوان خالفت أشكال الأحرف الأخرى،وكأن العدول الحاصل في حقيقته ـ أي العنوان ـ سايره عدول على مستوى الشكل الذي كتب به.أما اسم دار النشر فقد جاءت أسفل فضاء الغلاف للدلالة على مكان نشرها ،حيث أخذ الديوان طابعا إشهاريا.ويمكن أن نستشف من ذلك أيضا أن ذكر اسمها بمثابة كلمة شكر وعرفان لهما بالمشاركة في إصدار هذا العمل.

 

  

اترك تعليقا