دلالة العنوان:
إن عنوان الكتاب “فيزياء” يحمل دلالات كثيرة منها :علم ،قانون، تحول ،انتشار، انصهار تبخر، يقين ،مجال، و كل دلالة من هده الدلالات توحي بمعاني خفية مضمرة حيث نلاحظ أن العنوان جاء بصفة النكرة وكأن الأديب يريد أن يحفز القارئ على البحث عن خفايا مضمون هذا الكتاب و ما يحمله من علوم و فرضيات ،فهو يحاول دعوة القارئ إلى الغوص في أعماق مضمونه و الكشف عن أسراره و حقائق الفيزياء، و ما تخبئه من قوانين كانت و مازالت ليس لها تطبيق أي أنها مجرد فرضية محتملة .
لقد أسقط الشاعر القوانين على القارئ إذ قد يصيب في تأويله و قراءته للنص و قد يغوص في أعماقه لكن لا يجد له حلا أو نقطة خروج ،وقد يبقى معلقا وكأنه يحاول حل معادلة من درجة عاشرة يستحيل الوصول معها إلى حل منطقي يرضي العقل ،حيث نلاحظ أن هذا العنوان جاء مكسوا بطابع عقلي خالص وعلى القارئ أن يستعمل عقله للوصول إلى المعرفة الأولية التي يراد بها أولا والمعرفة اليقينية(المعاني الحقة )التي يراد بها ثانيا ،ومن جهة اخرى نلاحظ أن الكاتب يحدد طبيعة العنوان بمبادئ صارمة فهو يريد القول أنه عبارة عن تشريع عام يخضع له جميع القراء لذلك هم مجبرون على البحث عن المعاني و حقائقها وليس هناك تخيير .
إن الشاعر يؤكد مسلمته بحجج علمية رياضية عقلية ومنطقية ،فنحن إذا تأملنا في الصورة نراها على شكل كون والحروف التي حولها عبارة عن كواكب ،إن الكون يتموضع في شكل متعالي لذلك يستحيل معرفة أسراره وخفاياه،وهكذا هي المعاني متعالية وما على القارئ إلا السجود ،قال تعالى (و إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين’4′)،فإذا أردنا أن نربط بين مضمون الآية الكريمة ومحتوى الصورة سنجد أن هناك تداخل كبير يكمن في إعجاز الكون في خلقه الذي يقابله إعجاز المعنى في ابتكاره وثلاثة عشر كوكبا بما فيهم الشمس والقمر يقابلها ثلاثة عشر حرفا و اللفظ و المعنى .
إن اللفظ واضح وضوح الشمس لكن المعنى له وجهان وجه يبدو جليا في ظاهره ووجه مظلم غامض في أعماقه ،كأن الدكتور رابحي يريد القول أن القارئ رغم معرفته بالحروف و ألفاظها إلا أنه يحتال على معانيها و دلالاتها ،إذ سيراهم ساجدين أمامها فهي متغيرة نسبية في كل مرة و ليست ثابتة .إن الصورة تعبرعن عالم مشوه مشتت وغير منتظم وهذا يدل على تشتت القارئ و عدم و صوله إلى العالم الحقيقي حيث تكمن المعاني الحقيقية المثالية التي يريدها الدكتور رابحي، فإذا تأملنا في الحروف فإننا نجدها واضحة لكن من الصعب معرفة دلالاتها و ما تحمله من معاني و خير مثال على ذلك القران الكريم حيث نجد عدة سور بدايتها حروف دالة على معاني مجهولة الدلالة .إلا أن الشاعر لم يكتف بالحرف بل تعداه إلى جذره وهذا رمز من رموز الرياضيات التي هي في الأصل علم ثابت ذات قوانين و أنظمة ،فالجذر دالة دائما متزايدة على مجال موجب لا متناهي وهنا يقصد الشاعر إلى أن المعنى لا متناهي على مجال مفتوح من القراءات و التأويلات.
تبوح الصورة بثورة علمية تمتاز بمعايير صارمة :ثورة العنوان على الصورة وثورة الشاعر على اللغة و ثورة المضمون على القارئ، فالشاعر يحمل عمقا فلسفيا كأنه يريد الغوص في أعماق الكون وأعماق المعاني ،ومن خلال الصورة نجده يعيش نوعا من الضياع و الشتات وهذا ما توحي به الألوان التي تدل على اضطراب في نفسيته و عدم اتزانه و تشويش في الأفكار ،ويسود اللون البرتقالي في الصورة وهذا يدل على الحزن و الاضطراب و الألم ،فكأن الدكتور رابحي يعاني ألما كبيرا و حزنا دفينا و بؤسا عظيما في أعماق نفسه ،إذ نظرته الفلسفية جعلت في داخله نوعا من التشاؤم،هذا و نلاحظ أيضا أن اللون الأزرق و اللون الأخضر كانا تقريبا متساويين في التوزيع ،فالأزرق يدل على الصفاء و الهدوء والسكينة و الراحة كذلك الأخضر يحمل دلالة الحياة و الانبعاث والصحة والجمال، و هنا نلاحظ أنه رغم بؤس الشاعر وألمه و معاناته وحزنه إلا أنه متفائل بحياة جميلة ساكنة هادئة ،وربما أيضا تعني أنه رغم بؤس القارئ وألمه وحزنه من عدم الوصول إلى الحقيقة التي تبقى في كل مرة نسبية متغيرة من قارئ إلى آخر إلا أنها تعطي حياة للكتاب وشعره وانبعاثه من جديد ،وبذلك الدكتور رابحي في راحة و طمأنينة و ارتياح لأن كتاباته تحتاج قراءات نقدية و تأويلات جديدة في كل مرة.
تمرد الشاعر على الألوان بشكل رهيب حيث أنها تفتقد إلى التناسق و هذا بهدف تشتيت القارئ و اللعب خارج دائرة مخيلته،و كأنه يحاول أن يجعله يعاني بتكيثف الرموز و النظريات دون الإحالة عليه. فالشاعر هنا يريد القول أنه مهما بلغ القارئ عمقا وقوة في القراءة من أجل الوصول إلى المعنى الحقيقي أو المعرفة الحقة فإنها ستبقى مشتتة ،حيث نلاحظ أن اللون الاحمر جاء مرتين في الصورة بشكل صغير ،ونحن نعلم أن هذا اللون يدل على الثورة والتمرد إذ الشاعر حقيقة أعلن ثورة فكرية وفلسفية على النسق المهيمن ،و صار في حالة صراع عميق وهذا ما ينتج عنه السؤال التالي: هل المعنى موجود أم أنه متعالي؟ هل القارئ متمكن للوصول إليه أم أنه سيعلن استسلامه؟ لكن اللون الأحمر لا يدل على الثورة فقط بقدر ما يدل على الحقيقة التي نورها ضئيل جدا على القارئ ،وحتى إن رأى الشمس/ الحقيقة /المعرفة على شكل مقتطفات أوأنه التمس الوصول إليها إلا أنه سيبقى مسجونا وراء احتمالات أخرى .
وضع الدكتور رابحي العنوان في نصف الكتاب حيث يشغل حيز المركز،وهذا يمثل عوالمه المتأرجحة بين ماهو ثابت علمي و ماهو متغير نسبي ،بين أديب يبحث عن المعنى الغامض و بين قارئ يسعى للوصول إلى عنوان الأدب (الفيزياء) وحقيقة محتواه أو مضمونه .
إذا تأملنا أكثر نجد تحت الصورة كلمة (شعر)،والدكتور رابحي ذكرهذه الكلمة التي هي في الأصل أدبية بالدرجة الأولى بعيدة عن ما هو تجريبي فيزيائي علمي رياضي، وكأن الشاعر يريد القول أن هناك تداخل بين العلمي والأدبي بين الشعر والفيزياء ،مثلا نذكر كلمات التداخل :فراغات نجدها في الفيزياء ونعبر عنها بأنها فراغات بين القارئ و النص ،نجد توتر والتوتر أيضا يدل على الشتات بين المعنى وحقيقته واضطراب بين القارئ ومعنى النص ،غليان ،حدة، بؤرة ،مركز، أيضا كلمة نواة وهي الأساس والمعنى التي يراهن عليه الأديب ويؤسس لها .إن هذه الدلالات مرتبطة بالعنوان إذ حتى لو كان شائعا معروفا إلا أنه يثيرالشك ويولد الحيرة لدى القارئ .
يأخذ العنوان انطلاقا مما قلناه سابقا بعدا شكليا إذ نلاحظ أن مضمون الكتاب ذو صفة فيزيائية أو مادة تحدث عدة تفاعلات كيميائية على مختلف مستويات الكتاب، و لكن الدكتور لم يكن غرضه الإيصال أو الإخبار عن مادة فيزيائية و إنما طرح اللغة بشكل مختلف للقارئ ،ربما ليضيف شعرية و جمالية و يجذب الانتباه إلى الكتاب و ليؤثر في المتلقي ويجعله يبحث فضولا عن المضمون وهذا الأمر نفسه يجعله يزرع الاضطراب في فكره و قلبه دون أن يصل به الامر إلى معرفة المعنى النهائي ،لأن الشتات يخلق له نوع من الاضطراب و في نفس الوقت المتعة و الحرية .إذن الشاعر يدمج بين ما هونفسي جمالي وماهو علمي يقيني و كأنه يحاول أن يجمع بين النص الأدبي و العلم التجريبي و القارئ (النفس البشرية) و المعروف أن الخطاب الإنساني نسبي ولا يمكن تطبيق قوانين علمية عليه، وهذا ما ينطبق على المعاني فهي نسبية ومتغيرة ولا يمكن وضعها في قالب علمي ،لذلك فالعنوان شكل لغة علمية جديدة داخل نسق شعري جمالي وهنا يكمن تأثيرها في القارئ .
من زاوية أخرى نلاحظ أن الأشكال جاءت على شكل بنايات معمارية عالمية من مستطيلات و مثلثات و مربعات وهذه الأشكال تتميز بالانتضام، فالمربع مثلا له أربعة أوجه من نواة .زوايا .سكينة .كتلة وهذه أطر ومحاور تشكل في مجملها الصورة بدء من النواة مرورا بالأبعاد انتهاء بالحيز الذي تربعت عليه الصورة، و كأن الشاعريصور مدى اتزانه و استقامته الدينية و الدنيوية .
أخيرا يمكن القول أن المساحة التي كانت سائدة جاءت باللون الأدبي الذي هو في الأصل يدل على النقاء و العفاف و السلام و الهدوء و الأمان فرغم جمالية الكتاب من ناحية الشكل او المضمون إلا أن الشاعر ينادي بالبساطة
.
َ
باحثة جامعية من جامعة سوق أهراس الجزائر
َ
َ




