الإعلام الثقافي بين الإبــــلاغ و التثــــــاقف/ فضيلة عبدالكريم*
بواسطة مسارب بتاريخ 6 يناير, 2016 في 12:08 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1610.

أعتقد بأنه لا يوجد لدينا ما نطلق عليه إعلامًا ثقافيًا، يحقق فعل التثـــــاقف ، بل هناك مجلات ثقافية، وصفحات ثقافية بالجرائد اليومية، والمجلات الأسبوعية، وأبواب على المواقع الالكترونية الإخبارية، وجميعها لا تجمعها رؤية ولا أفكار أساسية تنطلق منها، ولا تعمل وفقًا لاستراتيجية واضحة، وإنما تخضع للاجتهادات الشخصية تشكر عليها في زحمة الرداءة ، و أحياناً أخرى تطغى المصالح الضيقة التي تسيطر عليها، و عليه فهي ليست مفتوحة لتلاقح الأفكار والرؤى من كل الاتجاهات والتيارات الإبداعية والفكرية والثقافية، فضلاً عن كونها متعثرة وليست لها صفة الاستمرارية باعتبار أن الثقافة والإبداع في ذيل قائمة اهتمامات المؤسسات الصحفية والإعلامية.
إن مصطلح الثقافة الذي يشير إلى كل ما أنتجه البشر من أفكار، وتصوّرات، وعادات، ونُظُم اجتماعية وسياسية، ومدلولات اقتصادية، وفعاليات أدبية فنية هو في الواقع وثيق الصلة بفعل التواصل بين الأفراد، وبين الجماعات المختلفة، وبين الأمم والحضارات ؛ إذْ أن الإعلام ليس أداة للتواصل والترويج فحسب كما يعتقد البعض، وإنما شريك حقيقي في تكوين الأدوات الفكرية، والمفاهيم والمنظومات، والقيم الفاعلة في المجتمع ، بل إن الإعلام يكون مساهمًا، فاعلاً في توليد الثقافة، ونشْر المعرفة، وإدخالهما ضمْن آليات الوعي الفردي، والجمعي لمصلحة التغيير. 
إن مصطلح الإعلام الثقافي يُقصد به رصْد الساحة الثقافية وتبليغها للمتلقّي عن طريق الوسائط الإعلامية المعروفة ،فالهدف الأساس من الإعلام الثقافي هو توصيل المعرفة إلى المتلقّي؛ حيث الثقافة والإعلام هدفهما بالكاد واحد، و هو مخاطبة الناس، والاتصال بهم عن طريق الصورة، وعن طريق الصحيفة الورقية، وعن طريق الصحيفة الإلكترونية، وكذا عن طريق الصوت، كل ذلك وفْق الوسيلة المتاحة، أو التي يختارها المتلقّي بمحض إرادته، إذْ لا ثقافة بدون إبلاغ وتعبير، فلا يمكننا الحديث على إعلام جيّد دون ثقافة تؤازره، علمًا أن وسائل الإعلام وبخاصة في أيامنا هذه بقدْر ما هي وسيلة للتبليغ، والتنوير، فإنها وسيلة هامة للتثاقف، وتلاقح الأفكار.
و لكن هل يمكننا الحديث عن إعلام ثقافي داخل منظومتنا الاجتماعية ؟
وهل هناك برامج إعلامية تحقق فعل التثاقف ؟
لو نكتفي بالحديث عن الصحافة المكتوبة ونغضّ الطرْف عن الوسائط الأخرى ، ونقوم بعملية مسْحٍ شاملة للصحف اليومية، والأسبوعية كي نحدد بدقّة ماهية الصحف التي تُعطي أهمية للمنتوج الثقافي، من ناحية وعمّا إذا كانت هناك صحف ما قد خصصت ملحقًا ثقافيا أسبوعيا لذلك. واقعيا أصابع الاتهام موجهة لهذه الصحافة المكتوبة سيّما المعروفة ذات السحب المرتفع التي إن اكتفت بالخبر المقتضب لعملٍ ثقافي، أو الإشارة لإصدار حديث فإن الأمر لا يتعدّى الإشارة السريعة ، فلا تقنع القارئ بما يحفّزه كي يتفاعل مع الحدث الثقافي، أو الإصدار ممّا يجعله يتوجه إلى التظاهرة الثقافية، أو يتحمّس لاقتناء الإصدار.
ما نلاحظه في ساحتنا الإعلامية أن الصحف التي تتفاعل مع الأحداث الثقافية، من خلال إهدائها للقارئ المتلقي أسبوعيا ملفًا ثقافيا، ولتكن التسمية ما تكون …هي في مجملها لا تتعدّى أصابع اليد . و عليه فالمتلقي الذي لا يكتفي بالأخبار العادية، من ّحقه أن يغضب عندما لا يجد زاده المعرفي في صحيفته اليومية التي ارتبط بها، وهو يقتنيها يوميا، هذا القارئ يرى بأن الصحافة في عمومها اعلانات ترويجية أكثر من كونها تثقيفية ، فإن هي اقتصرت على الخبر الثقافي السريع، نحــتْ نحو السطحية، وإن هي تعمّقت نوعًا ما مع خبر ما فذلك انطباع يخلو من العمق و التخصص .. فهناك المتّهمون إمّا بالتحيّز لأصدقاء لهم، يروّجون لإصداراتهم إنْ كانوا مبدعين مثلهم، فقد تكون الساحة بها إنتاجات أفضل ولكن يتجاهلونها، ولا يشيرون إليها لا من قريب ولا من بعيد، فنحن نلمس هذا التحيّز، ونلمس ذلك الإقصاء عندما نجد بعض الأسماء يُشار إليها باستمرار، وتغطّى نتاجاتها في نفس الصحيفة أكثر من مرّة، ولا يُشار إلى أخرى ، إن الإشكالية هنا هي مكانة الثقافة لدى هذه الصحيفة، أو تلك وهي في مجملها تضع الثقافة في آخر اهتماماتها بدليل أن الصفحات الرياضية لها مكانتها يوميا، بينما الصفحة الثقافية قد تختفي يوما، أو يومين، أو حتى أكثر. 
أضف إلى ذلك بعض الصحفيين الذين يعملون بالأقسام الثقـــــافية لا علاقة لهم بالإبداع ، و أحياناً الصحفي له أهداف أخرى كأن يهمه وضع اسمه على الصحيفة لا غير، او وجوده بهدف أغراض انتخابية في مواعيد معينة ، أقول هذا بحكم أن المبدع يملك قدْرا محترمًا من الثقافة إضافة إلى قدْرٍ مرْضٍ من الحسّ النقدي. كما أن أغلب المعلومات المنشورة هي من الإنترنيت وبعيدة عن الفعل الثقافي الحقيقي، بجانب غياب الثقافة المحلية على قلتها، وهذا التجاهل العـمدي للفعل الثقافي يعود لأسباب تجـــــــاريــــة بحتــة، وأن معظم الصحفيــين المبتدئين يتمّ توجيههم للعمـل في القسم الثقـافي ـ إنْ وُجد ـالإعلام الثقافي بين النخبوية والجماهيرية -.
و حتى نحقق فعل التثاقف نحتاج إلى جهود مشتركة ، لا إلى مشاريع معزولة الكــــلام فيها أكثر من الفعــــل ، و ما أراه حاليًا هو أن الملامح الأولى تتحدث عن فلسفة الربح والخسارة في الإعـــــــــــــــــلام الثقافي، أو تعبئة صفحات لن يقرأها أحـــــــد الا أصحابها بادعاء أنها موجهــــــــــة للنخبة، أو البحث عن نوعية من أخبار الثقافة التي لها علاقة بالجريمة الثقافية والتحرش الثقافي، والجنحة الثقافية، وأخبارًا من هذا القبيل والتي لا يمكن بالطبع أن تصنع مجتمعًـــــــــــا متثاقفاً ، و في الحقيقة قد وصلنا لهذه النقطة بجـــــدارة. و أن يتحدث البعض عن الوضع بأنه على ما يرام بحجة أن الاعلام الثقافي في البلاد ، قائم بدور مهم سواء في الصحافة المكتوبة او المسموعة او المرئية، فيوجد تقريبا 140 جريدة و حوالي 55 إذاعة ، فالأمر ليس بالأرقام لأن المجتمع و النخبة الفعلية .. الكل بعيد عن هذه المعطيات التي يتحدث عنها هذا المسؤول أو ذاك في المشهد الثقافي . و لكن لا أنسى أن أشيد ببصمات قلة من النخب الثقافية التي تحاول جاهدة إضاءة شمعة في دهاليز الظلام .
و العلاج يكمن في تجاوز هذه الحركة الثقافية الغير منكفئة على ذاتها، و التي تنتج وتقتات وحدها ما تنتجه، و تحقيق حركة تعيش مجتمعاتها ومطالبها وأحلامها وطموحاتها، تعمل وفقًا لرؤية مشتركة مهما اختلفت تياراتها أو اتجاهات أصحابها، تنبذ الشللية ولعبة المصالح ، يكون همها الرئيسي هو العمل على خلق مجتمع حر، قارئ، قادر على الاختلاف وتقبل الآخر. فمصيبة مجتمعاتنا في نخبها الثقافية التي تعمل باختصار شديد لحساباتها الشخصية ولتذهب مجتمعاتها للجحيم.
 

 

 

* شاعرة من الجزائر 

 

َ

َ

 

اترك تعليقا