لماذا كلما رأيت في التلفاز صورة لبركان ثائر تذكرتك فجاة ، ما العلاقة بينكما؟ يطرح السؤال على المحللين النفسيين ، في انتظار ردهم أزف إليهم بشرى بأنك أصبحت رمادا ، و أهمس في آذانهم أنني أهديت هذا الرماد للثانية لتكحل به عينيها ، أعتقد أن هذا في شرعة الحب مقبول جدا لضمان ديمومة دورة حياة الجمرة، إن لم تبرره النار التي تشتعل في قلبي ، فسيبرره لمعان الكحل في عينيها ..
يالخسارة الحب !تمرّين عليّ اليوم مفزوعة كمسكينة تدخل إدارة متزلفة تدقق في عيون الموظفين باحثة عمن مازال فيه بقية من إنسانية ، لا صولجان لك و لا أبهة ..رثائي للعواطف حين تُستجدى !
هلامية أصبحت أشعة عينيك ، فقدت كهرباءها ،لا مدلول لها سوى عبثية خربشة مسؤول على مسودة و قد أصابه الملل في اجتماع رسمي روتيني ..
ها أنا أعلن في لحظة صحوة كبريائي عن انتهاء عهد كانت فيه نظرتك طلقة رصاص في كل حياتي ، ليصبح هذا الرصاص مروضا داخل قلم يكتب على صفحة قلبي بلون باهت.. رصاص كرماد تذروه المشاعر هنا و هناك..أرجوك أيضا لا تتحدثي ،فما عاد صوتك يدغدغني ، و إنما انقلب إلى رنة مسؤول العمل ليلا في يوم عطلة ..
ما الذنب ذنبي و لا ذنبك ، و لكن هو الزمن يظلمنا حينما ينهي الصلاحية دون استشارتنا ، تنتهي صلاحية جاذبيتنا فجأة بجلطة عاطفية مفاجئة مجهولة الأسباب دون صراخ و لا مأتم إلا أنين عينيك الذي أقام عليهما الخرس انقلابا بلا لون ، و لكن طعمه مقرف ..
الجسد أنثى ، و المضمون خزان يطفح أنانية ، لست متأكدة من أنك الأولى ، و لم يعنيك ذلك ، و لكنك متأكدة الآن أنك ليست الأخيرة ، أو بالأحرى لن تكون هناك أخيرة واحدة بهذه الصحوة ، يسليك مصير القادمات ..
كان وجومك يلهبني ، أما الآن فحتى ابتسامتك أضحت مقززة ، وددت لو لطفت الوصف ، لكنها الحقيقة التي تعرفينها ، لا تفرضي عليّ أن أقتات على الذكريات ، و أن أعيش باعتبار ما كان ، أنا ابن الفكرة ، و الفكرة متجددة ، أما الأحاسيس فهي عرضة للتآكل و الزوال ..تعالي فكري معي فيمن تصلح أن تكون بديلك ، اعكسي المرآة و ستجدينها لي ،و اذرفي عليها دموعا قبل قيامة مصيرها ، فهذه الدموع تخفف عنك و عني ..
كنت تمرين عليّ فأجاهد نفسي حتى لا أرقص أمام حضرة الدراويش التي تحييها عيناك ،فيرقص قلبي داخل قفصه ثم يتعب إلى حد الثمالة ، بعدها أسلك في سلسلة لا تنتهي أذرعها.. أما الآن فقد انقشعت تلك القشعريرة ، فلا تتعبي نفسك لأنه لا جند منّي يعينك عليّ ..
ماذا تبغي مني عيناك ؟ ألأنها أخرجتني من كهفي يجوز لها أن تأسرني في كهفها ، على الأقل في كهفي أنا رقم معروف و غير مفتوح على الإضافة القابلة لآلاف التأويلات ، أما في كهفهما ، فسيختلفون في ترتيبي ، سيقولون خمسة سادسهم .. أنت تعرفين التكملة ..
عندما كنت ساذجا أعتقدت أن رباط عقدة العينين مسروق من كساء الكعبة في غفلة من حراس الحرم ،و لكنني عرفت بفضل أشفار عينيك أنه مقطوع من السوط الذي الذي يسلط على المذنبين ؛ دموعه دماء النادمين..
كانت تقنعني عيناك حينما تشرعان في أداء دورهما ، كما أستاذ مادة الفرنسية الأنيق ، يصول و يجول بالعامية و بالحكايات التراثية العتيقة مع شيوخ القرية ، فإذا تشابكت عيوننا بعينيه تزخرف بأزرار فيكتور ، و أقنعنا بأنه لا يخلع رداءه المزركش أبدا ، فانخدعنا له ، في حين تخلع عيناك رداءهما في اليوم ألف مرة ..
أصبحت كل انحناءة في جسمك قبرا لأحزاني ،و كل انحناءة انزلاق خطير نحو الهاوية..
كانت لعينيك السلطة الأولى ، و كان أمرهما بين الحاءو الباء ، أما الآن فهما مثال لمعلم درست عنه ، و هو في آخر مشواره ، مدح من قبلي ، لكن أنا ما سمعت منه إلا قصة حياته التي كان يعيدها كل حصة ،كذلك عيناها تروي مجدا قديما لم يعد له معنى الآن..
انتهى ذلك الزمن الذي كانت استدارة رأسك تحدث حالة طوارئ قصوى في كياني..لقد اكتشفت متأخرا أن السائق يشغّل الأضواء و الأصوات يخادع الناس حتى يفسحوا له الطريق ، لا مريض داخل سيارة إسعافه ..
استفقت أخيرا و نضجت ، و أصبحت لا أقف أمام عينيك تلك الوقفة التي يقفها المغفلون أمام النصب التذكارية التافهة ليلتقطوا صورا تبقى مع الزمن ، لقد عرفت أن عينيك من أعدائي ،فلم أرفع لها قبعة في حركة تبجيل و توقير ..
كنت أغالط نفسي حين أخطئ من وصفوك بالقمر ، كنت أرد عليهم مازحا بأن القمر مذكر، و لا أريد أن أتخيل حبيبتي بشنب ، و أقول: إن القمر يدور حول الأرض و حبيبتي يدور حولها كل العشاق ، كما أن القمر عندي جغرافيا الأحزان و حبيبتي جغرافيا البهجة و الخصب ، ثم إن القمر يستمد نوره من الشمس و حبيتي نورها من رهافة روحها ..لا سبيل لتسمية حبيبتي بالقمر ..ىه كم كنت أغالط نفسي ، لأنني كنت أحمل نظارات خاصة بالخسوف ..
لا أريد أن أكون جبانا ، مثل أولئك الذين يسبوم السياسي الميت أو المعزول ، ها أتبرأ منك و أنت في أوج قوتك .. ينبت التواضع في نفوس الجبارين..
كم من مرة قلت لك بأن عينيك مرآة الصفاء ، مازلت أرددها ، فالمرآة حتى تعكس لابد أن تطلى بلون داكن ، فلا شك أن داخلك داكن ، و أن هذا الصفاء مصدره الأجواء الخارجية ..
* قاص من الجزائر



