فاوست الثاني / قصة قصيرة / روابح الحاج *
بواسطة مسارب بتاريخ 8 فبراير, 2016 في 02:24 مساء | مصنفة في متعة النص | تعليق واحد عدد المشاهدات : 3052.

 

الإهـــــــــداء

 

إلى الأستاذ وسيني الأعرج الأديــــــب الجــــــزائري الذي منحني جينــــــــات فاوست لإستنساخ فاوست الثـــــــــــاني لتستمر حياة “مملكـــــــة الفراشــــــــــة”

 

إن المغـامرة من خيارات الحالمين كي يحموا أحلامهم من
سطــــوة الوهم 

 

على إثر إهتزازات وقع صدمــة جنون عاشق إِنكفأت كلّ هواجِسِــه وكوابيسِـــه التي طالما لاحقتْه لِأزمان طويــــلة………

 لم يتوان بالإندفــــاع نحو العبوديــــة المتفرّدة التي ترسم أغلالهــــا وأسوارها بدارة نور الحب  
وكسنونوة أضاعت رحلتها وتخلّفت عن سربها وبقيت مبتلّـــة ومرتعشـــة وحيـدة يحاصرها شتاءٌ قاسٍ في مدن الشّمال حملها كريشةٍ بين كفّي الحلم وخبّأها بداخل روحه الشّفافــــــــة ولأوّل مرّة تنكشف لذاته المعاني الحقّـــة للحيــاة فقد صار قلبــه يكبر عقلــــه وجسده على خلاف ما عهد نفسه.  سكنَتْـــه كضلال آلهةٍ عتيقــــةٍ فصار أمام مرآة أحلامه أمومــــة فائضة الحنان أعطى ما تبــــقى لحياتــــه كلّ الممكن من الجمال تاركا الرّتابة والسّآمــــة وحروب البشـــر وقساوة الحيـــاة خلفـــــه. إنّه أوّل فراق طبيعي مارسته حواسّه بكل طلاقة مع تناقضاتـــــه ؛ فاندفع نحوها بفيض الحب وحده وحــــــده …… 
أيُّ ملاك هذا الذي أعـاده دون كبسولات زمنيّة إلى طفله الجميل ليعيش غربة لا متناهية مع الكراهية بثـــّت فيه شوق الخروج إلى الضّوء حتى يتمكـّن من إنتاج عالم جديـــد لا يشبهــه تمامـــاً فكلّ مــــا زرعته فيه من ألقٍ في مكامن الإغراءات الحـياتية التي رآهـا تحمـيه من موت مغفّل ظـلّ متربصا به دفعه كل هذا إلى أن يستعجل كلّ قفزاته على عقد التّرديد التي إكتسبها من خيباته العاطفية المتكررة ودونما مكابــح للروح والجسد فرّ هاربا لعالمــــــها اللاّزوردي وبين العشـق وحماسة الحب إنسحبت اللغـــة بينهما فجــأة لتسدل السّتار للصمت .  يتواطـــأن معاً للصّمت أيقونـــة العاشقيـــــن.

 طلقـة قتـــلٍ رحيـــم وحيدة تُنهي عذاب أشواق رميميـّة إنكشفت للضيّـــــاء بعد سرمديّــة طويلـة لحواسٍ تائهةٍ في العدم نار ماجوسيــــة لا تخبو تتراقص لهباً على شفتيهمـــــا .
الرّصاصة خطّاطــــة إنشطاريّـــة محشوّة بالرّغبــة تسقط في بيت نار قلبيهمــا وحيــــدة ومشتركة وتتأجّج بينهما لعبة روليت الروسية القاتلة الطّلْقة تُرْدِيهِما قتيلا قبلة إفتراضيّة إلى حين السنونوة عادت فراشــــة” موروفو” حلّقـــت وحلّق معها وسرعان ما انطفـــأ تحليقهما على زهـــــر حدائــــق الكون الكبيـــر حين باغته إنقطـــاع النّت……  
عــــاد الى مخدعــه ممتلأً بها بِلا نوم وظلّت أمانيـــه مستمرّة في ولعِــه واستمّر هكذا إلى أن أشـــاع الفجر خيوطـــه الأولى على وجه يوم جديـــد توجّه بحيويـــّة وطاقـــة زائدة نحــو تركَتِه التي توارثها من القطاع العمومي جهاز حاسوب كقوقعــة سلحفــــاة عملاقة ينتصــب على طاولة يهريــــها خواء الطّلاء والزّمن تتكدّس من حولها أغراض عديـــدة مهملـــة وفضــــــلات تكنولوجيـــّة يحتفظ بها من بينها هاتف نقّال هرئ يعاني شحّ البطاريـــة وقلـــّة الإتصالات .
أعلى الحاسوب عَلِّق على الجدار شهـــادة شرفيّــة يتركها للمواســـاة ساعات إنكساراته الحــــادّة 
يعلو الغرفة منبّه بوجه بومــة قبيح تزيد دقاته من سقامة الوقت الرّاكد والمتباطئ في ساحة غرفته 
كلّ هذا الموروث الأخرق كان قد كُرِّم به كمكافأة من لجنة الخدمات الاجتماعية إثر تقاعده مذ سنوات

إطمأن قلـــبه كثيرا حين لاحظ تدفق النّت بشكل طبيعي هذا الصباح شغـــّل شاشـــة أحلامه واستعْسر ولوج الحساب إلى سطح المكتب المنهك و إنتابته فجـــأة إنفعـــالات قلــــق حادّة متسارعة وفضيعة يحرّك برجله اليسرى بعشوائيّة يقضم أظافره حتّى يدمي حوافها متسمِّرا في نوبات الشوق الحادة وفجـــأة تغطي صورة الحساب صدر الشاّشة العجـــوز..
يفــــرّ سريعاً بعينيه إلى خانـــة الرّسائل يجد العدد كالعـــادة أو يزيد يتعجّب من ساكنة هذه المملكة العجيبـــة التي لا تنام كانت الرّسالة الأولى من الجزء المشرق من النصف الآخر للأرض عرف أنّها من ماشوسيّة بلاد السّامبا وتحديدا مدينة ريودي جانيرو فمهوسة الجنس ترسل صورة خليعة لجسدها الطّري وهي مستلقيّة على رمال كابا كابانا الذّهبية بعد أن طرّزت مؤخرِّتها النّحاسيّة بوشم تنين آسيوي ينفـــث ألسنة بوذا المستعرة . 
لم يعر أي إهتمام لهوسِها الجنسي شغـــــّل اليوتيوب بعد أن حدّد موسيقــــاه بأنغام رقصة الروح التي يشتهيــــها كل صباح يرى نفســه زوربا المفعم في رائعة نيكوس يبتهج كثيراً لرسالة الشّقراء الأثينيّة التي تكتفي دائما بإرسال ملصق كيوبيد ينهي بقلبـــه المقسوم بسهمها رقصته التي إعتادها كرياضــــة صباحيّة مستلهماً حراكاتِها وسكناتِها من عجوز هوليود .
كلّ شيء في هذا العـــالم البسيط الذي يحيطه يصير حرًّا ينقطع إلى عوالــــم أخرى وقبل إشعـــــال سجارته الأولى يرتشف( كأساَ وسكي مارتيني مثلج) ودونما يشعر تُغرِق موسيقا صلاة ماتيلدا المكان بالأحزان ومع عود الثّقاب تنتفخ غيمة الدّخان السّوداء في قلبــــه قبل رئتيــــه فالرّسالة المواليـــــــة .

من ياسمينة الشام التي يحاصرها الحب والحرب وهي متشبثـــة بالحيــــاة كنــــاي دمشقي
عريـــق إنزلق من جيـــب داوود سهـــــوًا تعزف ألحانــــه الأبديّـــة للشّمس والسّـــــلام 
يقرأ رسالتـــها الطّويلة والحزينـــة التي تروي مأساة الإقتتال والحرب الأهليّة المعلنة والحرب الكونيّــــة الخفيـــــّة التي دمّرت البلاد فخلعت منها روحها لتصبح أرض خراب تعشّش فيها الأشباح 
كان آخـــــر ما كتبت حزينا جدا أثار شجنًا إعتراهُ عباراتٌ مؤثرة جدّا حين كتبت 
: حبيبي الاعظـــــــــــم
الحرب هنا تمضي دائما الى الأمام هي لا تنظر خلفها حتى لا ترى قبحها
حين الحرب يكثر القتــــل ويشتــــدُّ الحب أيضـــــا ً 

أثارت هذه العبارات أحاسيسهُ بشكــــل رهيب فاختارها كمنشور صباحي على يومياتـــــه 
أرفق ذلك بصورة طازجة تداولتها مواقع التواصل الإجتماعي لتوّها صورة شابـــة بمقتبل العمر مصلوبة على قضيب حديدي مشوّهة الملامح والجثّة بإحدي ساحات الموصل وقـــد تحلّق من حولها وحوش تنظيـــــم داعش.
مرّ بسرعـــة إلى رسالته التّاسعة هرباً من حقيقــــة باتت وشيكـــة تنذر بفناء دول شقيقـــة 
قرأ رسالة صديقه” شوشو” الذّكري الوحيد من مجموعـــة أصدقائه وردّ عليه برسالــــة مطوّلة الرّسالـــــة المواليّة من سكريتيرة الحزب المحل مجنونة قرطاج التي أخلف وعدها بعد أن نشّط معها سابقا ذكريات الإشتهاء والغوايـــة فوردت الرّسالة كثيرة اللّوم وظــــلت ذرائعه واهيـة لا تقنعها حيث نكـــث عهدها وتخلّف عن لقائهمـــــا الرسمي ككل ” رفيو”
فهي ترى أن محاولاته لإقناعها بتردّي الأوضاع الأمنيـــــة في بلاد ثورة الياسمين هذا العام بائــــسة وأجمل ما أنهت به رسالتـــــها عباراتها الرهيفــــة كما تعوّدت أن تكتب دائمـــــــا :
حبيبي الدزيري
ايجـــــــا بحذايا توحشتك برشا
حلق الواد حزيــــــن
إنتظرتك بمقهى الصّفصاف وحيدة بفنجان قهوة بارد
أيضا برتقــــال باردو يشتهيــــك
هناك عند نادل سوس بلاس( قنينات بيرة سلتيا) تتندّى لأجلـــــنا

تبقى إلاّ هي التي لم يجد أيّة أثرٍ لرسالة منها تحدّث يقنع نفسه “يبدو أنّها مازالت تغــــطّ في نوم عميق صريعة حمّى قبلـــة البارحة الحارقة………………………النوم بدعة في حضرة العاشق……… 
لم يرزخْ لإلحاحاتــــه بمغادرتها فســــافر إلى صفحتها حتى يُنهي كل شُكوكــــه وظُنونــــه بعدم دخولـــــها” الفيس” اليوم. 
ماتزال لوحـــة نساء الجزائر لبيكاسو تعتلِي حائطها يشتـــهي الغوص في محياَّ صورتهــــا الشخصية مقاتلـــــة نينجا شرسة بلثام لص بغداد يخفي وجهاً عداَ عينين ثاقبتين بِوميض بارق كسيف ساموراي قاتـــل وبينمــا كان يُطالــــع رسائلها السّابقــــة حتّى باغتته برسالة صاعقة فَلْتَلْعَنْكَ كلّ آلهة البشر يا فاوست اللّعيــــن ماعُدت أقوى حماقاتك الكثيرة وليس لي طاقة على إحتمال عشقك المجنون الذي سلبني قلبـــــي وعقلـــــي هِيَ ذِي رسالتي الأخيرة تُنذِرك بموعــــد قدوم أعاصيري التي ستدمّرك كرهت فيك زاباتا بلباسه الرّث وحذاء السنتياغو الأغْبر ومِظلّــــة سانبريرو المشؤومة أصابني القرف من غلظة شاربه الكثيـــف الذي يذكّرني بجزّار حيّنا الملْعون الذي يعاكسني دائما . 
أَلا أنّه آن لي أن أرى نوروجهــــك الذي تخفيه وراء هذه الصورة الخرقــــاء إنّي أرى على حائطك أميرنا عبد القادر مجهد من عناء ركوبه الحصان أسْتًجْدِيه في جنوني كي يتنازل عن فرســــه الشّرود لتركبها وتأتيني إنّي أُمهلك فرصة توبـــة العاشق وسمّ روميو بيدي اليمنى وزهـــــــرة حمراء بيدي اليسرى هناك بوهران أين سقط الشاب حسني إتّخذ العشاق
مَزارًا رمزيًّا للحب إنّي إخترته للقائنــــــــــــــــــــــــا وإليك رقم هاتفي وعنوان عملي  وإقامـــــتي وقبل مغادرتي يا حارق الفراشات امضِ في محرقتك بجد واحِظر كل صديقاتك الآن كعربون ثقة بيننـــــا وهاذي قبلتي تحرقنــــا سويًّا آخر ما أكتب لك 
أمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــمممممح
إكتشف أخيرا أنّها من ذلك التّـــــل الوهراني الذي تنازعاه إلهان عبثيّان وتركاه لسلطـــة الحب والحياة دون بحــــر إلى أن عفى الزّمن فعمًّره المغيـــــــث الولي الصــــالح سيـــدي بلعبــاس فأثمر ذريّة صالحة وقف متعباً ومتعجّباً مما طلبته منه وهمّ بشحذ سكاكيـــن الحظر دون تردد مستسلماً لهوى سلطانهــــــــــــــــا .

تحرّك يعرُج بصعوبة برجل إصطناعيـــــة نبتت معه حين كان ضابط إحتياطي بثكنـة مرسى 
الكبير بوهران فقـــــد نجا من موت مؤكد حين باغتت عناصر إرهابية مسلّحة وهاجمت سجن الثّكنـــــة لتحرير متهميـــــن بأعمال العنف والإرهاب التي عصفــــت بالبلاد آنذاك 
وبعناءٍ كبير وصل قَبْوَهُ ومن متحف زجاجات النّبيذ المعتّقة التي يحتفظ بها لمناسبات إحتفالية كبيرة إختار من بينها( زجاجة سانتا كروز الفاخرة )ليكمــــل بها يومـــــه الدّامي الإفتراضي 
جعلت منه تلك المسافة يسترسل ذكريات مدينة الجن والملائكـــــة الثانية الباهيـــة درّة سيدي الهواري فمن أعالى قلعـــة سنتا كروز بجبل مرجاجو حطّت به بوارق الشباب الجامحـــــــة بساحة بلاس دارم بمقربـــة من صالة الأوبرا التي تحرسها أسود قصر الحمراء مشّـــــاءاً إلى مسرح الهـــــواء الطلق أين صدحت أغاني الرّاي الصّاخبة صاعدا إلى الواجهة البحرية أيـــن اصطفّ باعة الياسمين وتكدّس من حولــــهم العشاق يعلقــــون الأطواق ويلتقطــــــون الصور الفوتوغرافية نازلا من على عتبات الدّرب القديم الضليلة التي تلحفها نسائم باردة لا تدفئها إلاّ مومساتــــــــــه .

حين اعتلى كرسيَّــــه أنهى ماتادور وسيم وأنيق فصول كوريدا منسيّة بوهران لينطفيء هيجان ذكرياتـــــه هنـــــــاك كَثِيرَانِهَــــــــــــا .

باشر في سكــــره وتواصله إلى أن سطتْ الحِلكة والأحزان غرفته كانت المدّة كافيّـــــة لحرق جميع فراشاته أفرغ من تصفيّات جسديّــــة إفتراضيـــــّة قارب عددها عدد مجازر بن طلحة التي دائما تغرقه في الأحزان كلّما مرّ على مشهـــــد قتل أو إبادة ففي ذات يوم مشؤوم قضت زوجته وعائلتها على أيدي جماعــــات الجيّا حين سافر بها إلى هناك لتضع بذرة النور التي زرعها في رحمهــــــا إستطاع تجاوز حزنه وبكائه الصّامت وتوجّه إلى خزانتـــه أخرج جواز سفره وبطاقة الإئتمان المصرفيّـــــة تناول هاتفه وهَاتَفَهَا : 
ألو “موروفو” تغيّر المكان أنتظرك حجزت تذكرتــــان إلى مكان جميل هناك في الضّفـــــة الأخرى يحترم الحب والحياة وعلى نغمات إنتصارات الفايكيغ خرج ولن يعود غير خائف أو مترقّب…….. 
حين أقلعت فراشة “موروفو” عملاقة من مطار هوّاري بومدين الدولي وهي تشـــــقّ عرض المتوسّط أخرجت هاتفها الذي يكبر وجهها وبتقنيــــة” سالفي” قبّلتـــه وأطلقت العنــــــــــان لصورتها على حسابها أثار إستغرابها إشعار أعجبني الذي كان بأقل من لحظة لنشر الصورة وصل من حساب فاوست تبسّــــم وطلب منها قراءة الرّسالـــــة التي ستصل 
مرحبا أنا شوشو الجميل الناجي الوحيد مع فراشة الموروفو من مجزرة فاوست الثاني “
شكرا فاوست لما فعلته من أجلي انتهت المهمة تم نشر قصة سيرتك الذاتية في مملكة مارك زوكربيرغ 
الآن حسابك يحتضر ……قتلت فاوست ههههههههههههه

* قاص من الجزائر 

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. دائما ما عهدناك بكتاباتك الرائعة والهادفة؛ وفقك الله في مسارك الأدبي أخي الفاضل وشكرا لأنك أمتعتنا جدا وجدا

اترك تعليقا