وأنا أحاور نص الشاعر العراقي ماجد الكعبي الموسوم بـ”سيدة الحب” قابلني ذلك الحنين المرتحل بين ثنايا الوجع….وذلك الهمس المؤسس على رغبة الالتقاء والتمثل…وذلك الحلم بالاكتمال الذي تسيجه اللانهائية والتعدد….وذلك التشكل المستنجد بالآنية رفضا للحظة مغيبة .فما يقوله النص؟
العنوان”سيدة الحب” يتشكل العنوان من ملفوظين إذ تحمل اللفظة الأولى “سيدة” دلالة العظمة والأنوثة الكاملة والمكانة والرفعة …..،وأما لفظة” الحب” فتحمل دلالة الحنين والارتباط والتوافق والانسجام والارتياح والتفاهم ،وترد في صيغة الملحق أو التابع باللفظة الأولى إذ لا تتحدد هذه السيدة ولا تعرف إلا بتابعها ،ومن هنا يستمد اللفظ الأول من الثاني وعناصره المفهومية اكتماله ،ويستمد أيضا اللفظ الثاني من الأول الاكتمال ذاته ،حيث يلتحف بالمهابة والتعالي وكأن باللغة تتحول إلى هوية مكتملة حينما تلامس هذا الحنين وهذه الرغبة في الاقتراب من نصها المستقبل لها .ويرد العنوان في صيغة مبتدأ غاب خبره وهذا استفزاز للقارئ حتى يلج النص باحثا عن خبر هذا المبتدأ أو هذه السيدة التي تحيطها الأسرار.
دعيني فهذا
الحب حرك خافقي
أنا قتيل العشق
من غير قاتل
كتبت لعينيك أحلى القصائد
وتمر علي الليالي
وأخاف من أحلامي
لكن الأماني سعيدة
لأنك البدر
عند الفجر مر خجولا وصبحا أنت وكل لحظاتي
هيفاء القوام كأنها
عود المسك يقطر الطيب
يوجه النص أمره في صيغة رجاء إلى اللغة،إذ يؤصل لهوية متحركة لا ثابتة ،ومن هنا فهو يطالبها بالانفصال المؤقت أو الظاهري لأنه أعلن ارتباطه ووفاءه لماضيه أو لحظته المنقضية”حرك”،ويستمر في توصيف حالته إذ قتل النص معناه أن يحيا مؤولا من جديد ،لذلك فهو سرعان ما يعترف بحياة أخرى مع الكتابة ،لكنها متجهة نحو تمثل الماضي”كتبت” احتراما لهذه الاعتبارات القبلية واعترافا بجذورها الممتدة ،لينتقل بعد ذلك إلى موضعة البوح في إطار مستقبلي متحرك ليكون بصدد الإعداد الدائم وغير المنتهي”تمر ـ أخاف ـ يقطر” لتكون الحركة الماضية بينها”مر” تذكيرا بهذا الانتماء النصي التاريخي ،ومن هنا يقيم الشاعر تصالحا بين اللحظتين ليؤكد هوية حدودها التاريخ والمستقبل المنفتح على التعدد معا.
مزيدا من الحب
أمنحك يوم أجيء إليك
وأبكي
جنين روحك يا سيدة الحب
ها أنذا….أنتظر وأموت
…أموت حنينا وحبيبا
وأقترب من الحلم
ومن المستحيل
أجئ
إليك ثانية وأعلق وجهي
أمامك كغصن
ندي فأستبيح
خوف صدري
ونشوة حلمي
الجميل
ويستزيد النص من هذا الترابط العاطفي بينه وبين اللغة ،إذ يحسم لحظته بمنحها لزمن المستقبل”أمنحك ـ أجئ ـ أبكي ـ أنتظر ـ أموت ـ أقترب ـ أعلق ـ أستبيح ” إيمانا بهذا التشكل المتتالي أو بهوية لا نهائية تستمد خصائصها من الزمن المنفلت ناحية القادم لا المحدد والمسجون في ذاكرة التاريخ،إذ يعترف بهذا الإمداد الدائم من هذا التوافق والحنين ،ومن هذا الوجع الذي يسيج زمن الالتقاء أو زمن الانتظار ،حيث يغدو الاقتراب حلما تلفه الاستحالة ،ومن هنا يكون الموت لحظة انبعاث جديد حينما يفاجئ لحظتها بالاقتراب أو الحلم بوشوك التحقق ،ليكون التكون “غصن ندي” إعلان عن انتشاء بهذا الالتقاء في زمن المستقبل.
وأسمع رهيف قلبك
مثل رفيف العصافير
يصحو فجرا ويضحك غناء
كالرفيف فأزهو بحبك دوما
وأزهر كوردة
فلتسمع
العاصفات من الريح
أني أحبك يا روح تغفو
على مسامعي وأحبك
صوتا يستقر في مهجتي
وأرسم فوق ذراعيك قلبا
وشجرة من القبلات
امنحيني
مزيدا من الحب يوم أجئ مكللا
بحبك الأبدي وأدخل صدرك
وأمنح نفسي دفء
روحك وأذوب بعطرك
وأموت عاشقا ويستمر زمن المستقبل وتستمر الهوية النصية في استعارة خصائصها ومكوناتها من مساره الممتد بعديا”أسمع″،حيث يتصنت النص إلى نبضات اللغة المشتاقة إلى التمثل ضمن مساراته وحدوده ،ليجد طلبها الملح تسيجه الرغبة التي تمثلها” العصافير”، والحلم المأمول التحقق آنيا “يصحو ـ يضحك ـ أزهو ـ أزهر “،حيث هذه الحركة هي انعكاس لحالة البشر من هذا الالتقاء لذلك فالنص يتحدى بصيغة أمر” فلتسمع″ كل المربكات الخارجية “العاصفات من الريح” ،ليكمل تشكيل هويته وارتباطه باللغة ضمن مسارات مستقبلية”أحبك ـ تغفو ـ يستقر ـ أرسم “مستفيقا على فعل الأمر”امنحيني” حتى يجعل اللغة في حكم الموجود المقابل لا المغيب ،ومن ثمة يحسم النص انوجاده ضمن لحظة المستقبل واستنجاده بهوية التحقق الآني”أجيء ـ أدخل ـ أمنح ـ أذوب ـ أموت”.
* قاصة وباحثة من الجزائر ورئيسة تحرير مجلة جيل للدراسات الأدبية والفكرية




