حراق/ قصة قصيرة / قلولي بن ساعد*
بواسطة مسارب بتاريخ 21 فبراير, 2016 في 03:01 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1434.

 

كانوا مجتمعين ببيت أحد أعيان البلدة الصغيرة وكان وحده يذرع شوارع بلدته غير آبه بمن حوله يتفقد أركانها المنسية والزوايا التي شهدت صبواته وتجارب الحب الفاشلة التي ذوبت أنفاسه الزافرة بظلال أشجانه الهاربة المتروكة لسراديب الوهن والهشاشة التي رانت عليه فصيرته هشيما ..الريح الصرصار العاتية كانت تلفح وجهه وتداعب وجنتيه ..وخز الجليد ينداح على رأسه وجسده ويديه المعصورتين من شدة البرد ..الأصوات تحاصره وتصم أذنيه ..أصواتهم وأصوات آبائهم التي يعرف ذبذباتها وهم يوجهون له بعض سهامهم الطائشة 
-لا مكان لهذا الولد الضال بيننا إنه يريد أن يعلم أبناءنا ” فقه الخروج عن الصف”
تناهت إليه أصواتهم وأصوات آبائهم ..لم يجد عناءا كبير في التعرف على مصدرها ومكان تواجدهم …فجأة أطل عليهم كفارس سقط من سماء بلدته .. كان يشعر بالغضب الكامن فيه ..هو لازال يذكر كيف أنه حتى عندما كان فتى صغيرا يتهجى الأبجدية في مدرسته الصغيرة البيضاء كان شديد التمرد والشغب ولا يحبذ الدخول في “الصف” مثل أترابه والتزام الهدوء ..كان شديد الولع بالرفض والتمرد والشطط الجنوني ولعله تنهد عميقا قبل أن يقول 
- على السلطة أن لا تعاملنا كخصوم لها كلما اشرأبت أعناقنا إلى أبعد مما لايراه الأعمى ساءها ذلك كثيرا 
قال إبن شيخ القبيلة الذي علمهم الطاعة والصمت والصبر ناظرا إليه 
- سيأخذ منك التعب منتهاه لن تجني سوى الخيبة وبؤس المصير .. فنحن راضون بحكمة ولاة أمورنا لا نريد منك شيئا 
رد بأسف 
- يا و”جه الشر ”  أردت أن أفتح عيونكم على الأفق البعيد لكنكم راضون بالوضع الذي أنتم عليه يبدو أن شعار ” كل شئ على ما يرام” قد راق لكم أو أنكم قد صدقتم الوهم” كأن على رؤوسكم الطير” 
لفحات الريح لا زالت تدغدغ أذنيه وأنفه ..تصطك أسنانه من وقع البرد والجليد الذي يتقاطر على أطراف جسده الهزيل فتنفتح شهيته عن آخرها لإفراغ ما في جعبته من منسوب الغضب الكامن فيه ..كان يريد أن يخلصهم من الجوع والبؤس والمذلة والفقر وبعض المنح والوجبات الموسمية التي يرونها سخاء لا حد له مستسلمين للنوم ولأقدارهم وللأصوات الخفية الداعية إياهم للإستسلام وللصمت المريب وأقترب من محطة الحافلات متوجها إلى ” البهجة” *ومنها إلى عرض البحر كأي ” حراق ” لم يجد ضالته تحت شمس بلاده فأراد أن يلقي بنفسه في اليم ولم يلتفت لهم .. لقد طاله اليأس مما هم فيه بل خيل إليه أنه بينه وبينهم جدار سميك من السكون والفناء الذي غشي عقولهم وأبصارهم وأنه كان يتحدث إلى الحيطان والخشب والألواح وأن صوته الذي كان يعلوا ويهبط بإتجاه الهاوية وأعماق صدره الذاوية بسبب الجوع والبرد وضيق الحال كانت ترد صداه الحيطان ولم يتردد أو يتراجع ولا خطر بباله هاجس الخوف أبدا 

 

*/ البهجة يعنى بها الجزائر العاصمة 

 

 

 

* قاص وناقد من الجزائر 

 

 

َ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقا