قصة قصيرة / ظمأ
بواسطة مسارب بتاريخ 24 فبراير, 2012 في 06:03 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1811.

 

خليل حشلاف /قاص و روائي

    • سقايات الماء، المواعين النحاسية، صليل المعادن، وشوشات النساء تحت المنحدر، وأيديهن في شغل، سيقانهن البيضاء تأخذ بدريئة القلب، تذهل الأطفال، وسارق النار يسائل نفسه:
      أأكتب ما لم يكتب؟ أأكتب وما أنا بكاتب؟ أأكتب هذي الشمس حين رحيلها وقش السحاب الوردي؟ أأكتب هذي الروح حين تنسرب معانقة الأمداء؟ أأكتب هذين العينين والشفتين، والنهدين؟
      – أكُتبْ هذا البياض العذري وأنحت من الكلم زهرات سريالية.
      كان يبرقش الورقة ويتوجس مخافة أن يرسمها فزعات ثم يمزقها كأخواتها، كانت لحظة من الانثيال، عيناه ممتدتان، يضع يده ماسحا على الصور التذكارية، يلمس شراشيف السجاجيد، ينظر من النافذة إلى نهايات الاشنيات القرميدية كان في أهبة من أمره، يومئ إلى جمهوره، شيء ما في القلب ما زال في سني طفولته الأولى، هل ابريئه؟ أليس فيه بعض الشيطانية التي تجعله ينط هنا وهناك على شبابيك الأناسي؟ تمشى بطيئا ثم التفت. كان يشعر بالوله وآيات من الشوق، تنتابه صور ضبابية، فراشات لم تحلق قط، زرقة بحجم السماء، بيوت، فتيات يخفين وجههن وفي خفر يترجلن الأزقة الضيقة. كانت هناك واحدة تشده برمش عينيها، تهجد لها، صمتت في صبر وراحت تنصت إلى تهجيه أبجدية تعلمها من الكتب، تبسمت من حياء الرجل الذي يغالبه بقوة، اقترب منها باندفاع لا يريده، لكن لا يستطيع كتمانه، ابتعدت قليلا، يعجبها عناده، ولكنها لا تبدي ذلك، صممت في موقفها، يصمد هو في اندفاعه، يقول : أحبك-
      تجيب : سمعتها من قبل -
      يخرج ورقة مثنية، مضمخة بعطر فيه بعض قصائده، تضعها في جيب حجابها ثم تهرب من زقاق إلى المنحدر، بقلبه طائر يزقزق لا يستمرئ بمكان، هل يحدث أن يلقاها؟يدخل إلى أزقة أخرى عساه يركض في إثرها أو يجد من تشابهها، يواعدها على الود واللطف الأبديين، يضع يده تحت ذقنها ثم يرفع وجهها عاليا، ويطبع خدها بخاتم حبه، يضرب أخوها الخد الآخر…
      لم يسعفه الحظ اليوم، ربما في الغد يهربان معا، تشده بما ملكت يداها، يأكل من ثمرها يعطيها، يتساقيا، ماء الزهر يجري بينهما وبعض آثار الورد الأحمر على أثوابها…
      ها هي على حافة سريرها، تتأمل مقطعات أبياته، وكتفتح الوردة الندية تقرأ شفتاها كلمات القصيد ورحيق صوتها يدور في أفلاك الغرفة، تنزاح إلى كل الجهات، لا يسلم مكان في السرير تقبض على المخدة، تذهب توا إلى الخزانة تخرج كل ألبستها، تنثرها على شطآن السرير تجربها واحد تلو الأخر، تأخذ كل فراعتها إلى المرآة، تأخر قدما وتقدم أخرى، تضع يدها على شعرها، نهدها، فخذها، أشيائها المنتهاة…
      ٱتشتعل أصابعه بنار من يطفئها؟ في قلبه رماد، والروح دخان يرى من فوهته الليل، تخرج المرأة من غرفتها على رؤوس الأصابع، يخرج الرجل، يلتقيان في النصف الأخير من الطريق.
      كانت ترغب في أن يذهب بها بعيدا عن العيون، وكان يريد الذهاب إلى أبيها، حذرته بعيون محملقة، فهم ما كانت تخافه، ذهبا إلى الغابة، كانت الشمس تترك تحياتها على السماء أشكالا وألوانا قزحية، كانت صفوف الأشجار تحرسانهما، كانت أيضا جموع من الناس من ورائها والفؤوس تبرق القمر، والرايات السوداء مبايعة، اتكأت على كتفه، ونظرت إلى الأعلى، كانت الغربان تتجمع ثم تحط على خيوط أعمدة الهاتف، قالت هامسة في أذنه:
      ..! هذه الطيور جائعة
      كان يقبلها، حين كانت تنبش من لحمهما، وتضمه مجتنبة شقات الفؤوس، مرة غطت دمه بسالف شعرها، شد هو يدها كي تكف عن النزيف، وراحت تغطيهما صفائح الصخور، كانت وردات ابن النعمان تتغذى من جسديهما.
      …….
      كان يعشق الورقة وقد سالت بكارتها، بادهته حيرة في أن يكتب قصته بنهاية أخرى، ويهرب بفتاته إلى مدن أخرى، لكنه سأل:
      – أليس في كل موت حياة وفي كل حياة موت؟!
      ومضى كي يجرب ما تخيله، ويترك نهاية قصته لكاتب آخر، وتسلل من سطح البناية إلى التي كانت تسمر عينيها في نافذة غرفته العالي

 

 

اترك تعليقا