يفتح لنا القاص سعدي الصباح في مجموعته القصصية الجديدة ((سرّ البيت المفتوح)) (1) الباب على مصراعيه لبيت هو في الحقيقة مفتوح ،ولسرّ سيصبح مكشوفا بعد القراءة .فهو يتحايل على القارئ بطريقة جمالية تدفعه بشغف لمعرفة سرّ يظن أنه مكشوف بالنظر للفظة ( مفتوح )التي وردت في العنوان ، لكن قراءة العنوان وحدها لا تكفي دون قراءة المتن وكشف تفاصيل هذا البيت المنفتح على الانغلاق .
وتغوص بنا هذه المجموعة في مكنونات النفس البشرية ،وتتعمق في علاقاتها مع بعضها البعض فتكشف عن أحزانها وأحلامها وآمالها… بلغة شعرية جميلة . وهذا ليس بجديد على الكاتب فلغة الصباح غير مباشرة يستحضرها من زمن المتنبي وينسجها من حبات الرمل والسبخة وأريج الورد وصوت الخلاخل وزقزقة العصافير وسحر البوادي….فلغته تنساب من حسّ شعري ،ولغة أنيقة ، حيث تتسرب اللغة القصصية كنبع صاف تتفرع عنه سواقي متعددة ، لغة تقترب من لغة جبران خليل جبران عندما يطير بقارئه في أجواء إبداعية ساحرة نحو ألإق طبيعية غير محدودة،كما تعامل سعدي الصباح بوعي كبير مع مكونات الطبيعة ليعبر عن الذات من خلالها فتحولت إلى فضاء شاسع يحوي الذات، يعبر عنها بقاموس لغوي مستمد أيضا من الطبيعة ، ولعلّ ما يلاحظه قارئ هذه المجموعة أن السرد فيها جاء بضمير المتكلم ” …هناك مررت أمشي الهوينى…تماشيني وحدتي أحدق في سرب الحسنوات..”(7)إلا أن ضمير المتكلم لم يوظف ليقرب السرد من المذكرات أو التجربة الشخصية، بل يعتمده كتقنية في الكتابة القصصية التي تعلن عن تجربة لغوية وفكرية واجتماعية، تجد في هذا الضمير الفردي بعدها اللغوي، تجربة تعلن أن ثمة رؤية جديدة للعالم وللذات وللأشياء التي اكتسبت قيمتها الطبيعة وأعادت لعا قدسيتها كما أعلنت عن مصالحة أبدية بين الذات والطبيعة فهي ملجأ الكاتب الذي يهرب إليه كلما ضاقت به فوضى المدن ، ومنه فإن ضمير المتكلم عند سعدي الصباح عكس رؤيته للكون وللغة وللإنسان… لغة تسمو عن الكائن والمألوف والمبتذل لغة أدبية تخييلية، تتراكم فيها الصور الفنية وتتناسل “لقيتها على حافة التيه…رشقتني بالنظرة الساحرة والبسمة الماطرة.حدثتني عن حزنها ،فتحت لها أوردتي لتدخل العصافير…انحنيت إجلالا لبراءتها واقتنصت رشاقة الضبي…”(65)
والمتأمل لأسلوب هذه المجموعة، يجد أنه رغم بساطته إلا أنه يتصف بالإيحاء والتكثيف والتركيز والوصف والاستمرار في السرد والقدرة على الانتقال من مشهد إلى آخر دون إشعار القارئ بالملل والارتباك.
كما تحضر المرأة عند الصباح بصورة مكثفة أيضا بل إن كونه القصصي مبني عليها.وما سر البيت المفتوح إلا حكاية امراة تعاني بصمت فتفشي سرها ومعاناتها ولعِلمه أن الإبداع لا يستوي دون أنثى تؤثث معالمه ،فقد استحضرها في كل صورها: فهي البدوية التي يحنّ إلى صفاءها وهي الحبيبة التي يفر إلى حضنها وهي الأم الرؤوم وهي الوجع الذي لابد من احتماله، وهي الطبيعة التي ينتعش بسحرها وهي الأسطورة التي يقدسها وهي الوطن ..وبقيت تتسامى حتى بلغت سدرة الكون وأصبح حضورها معادلا موضوعيا للفضاء ففاضت كلّ الأمكنة بها .
أخيرا أنوه بدوري إلى الأهمية الأدبية لهذه المجموعة القصصية المتنوعة والتي ولدت من رحم الطبيعة ورصدت من قاموسها مواقف حياتية تجمع بين اللذة والألم تكفلت لغة الصباح الشعرية بنقل تفاصيلها وتحويلها إلى لوحة فنية جديرة بالتأمل والقراءة.
سعدي الصباح،سر البيت المفتوح،قصص،دار علي بن زيد للطباعة والنشر،ط1،2014ـبسكرة،الجزائر.
َ
َ
* قاصة وباحثة جامعية من الجزائر
َ




