المحنة… يُتم الإنخراط / بقلم : عبد الحفيظ بن جلولي.
بواسطة مسارب بتاريخ 25 فبراير, 2012 في 10:26 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 2008.

عبد الحفيظ بن جلولي / قاص وناقد

 

 

نتاخم حالة من الإحتضار الثقافي والجذب الوجداني، اللذان ندرك بهما المستويات المجتمعية في خلال الحركة الدّؤوبة نحو الفعل الإجتماعي الفاعل، ويستبد باللحظة وهم التّجاوز الذي نستسيغه على مضض فقط من خلال الترسيم النصي لحدود الرؤى والإتجاهات، لكن على مستوى الواقع نكاد نعدم مستوى المبادرة المانحة لمكنة الإرادة الخالقة لمصيرها الوجودي، أو لعلها محنة التّوحيدي ما زالت مستمرة في الوعي الثقافي العربي.

لعلنا نشعر خلال حركيتنا الإجتماعية الكادحة، أنّنا نحمل همّا ثقافيا، وتترسّخ لدينا القناعة بتفعيل هذه الشّرارة المنقدحة في عمقنا التائه خلف مسرّة الخطف “العشقاني”، كمحاولة لإدراك المعنى الحقيقي للمسار الشّخصي في نطاق بنيوية حركة العقل الإنساني نحو بلوغ كمال الكينونة، حيث لا يتدفّق تيارها إلا من خلال المجال الذي تجيد فيه الإنبثاق والتوثب .

 تفقد الكينونة قدرتها على الظهور في غير مسرحها، المجهّز بالإضاءات والديكورات المضبوطة على إيقاع العلاقات الممهورة بالمشاركة في إطار تفعيل الدور المسرحي، الذي لا يتبأر حول شخص الممثل إلا بمقدار ما توفره مشاركة الجمهور في ترتيب خطابية الحوار، ذلك أن الخشبة ليست فعلا معزولا عن واقع الحياة وبالتالي فالجمهور يمثل لحظة الحياة داخل المسرح، وحركة الرّكح تعبّر عن روح الحياة.

 حينما نفقد دافعية المشاركة، تحاصرنا العزلة السّلبية لانعدام خطابية الحوار، وما يوفّره المجتمع للمثقف من مجالات لا تشبع فيه النّهم المعرفي التواق للكشف والإحتراق بين دواوين المعرفة قراءة وكتابة، هذا الواقع قد ينحرف بالمثقف أحيانا كثيرة عن الممارسة الإبداعية لفعل الكينونة، حيث هذه الأخيرة ليست منصبا وكفى، ليست مستوى اجتماعي معيّن وكفى، ليست علاقات عامة توفر حالة عبور وفرص متاحة، الكينونة إبداع يتجلى من خلالها الجوهر في تدعيم الوجود المادي بالوجود الروحي، عبر انتفاضات عميقة قادمة من عتمات لا تضاء إلا في مسافات عزلة ايجابية أو كما يطلق عليها بعض النقاد انفعالات ايجابية، يتيحها فضاء الإنتاج في فعاليات الخلق المستمر لدى الأنا العارفة، ولهذا استدل ديكارت على  أناه الوجودي بوجوده الفكري، وكذلك فعل الدكتور حسن حنفي حيث استدل على وجوده الأنوي بوجوده العملي، ” أنا أعمل إذا أنا موجود”.

قد يحدث أن تكتشف الأنا الوجودية التي تتلبّس الوجودية الفكرية، متأخرة انحصار الثقافي ـ خلال مسعاها الكادح وبعد انهماك كبدي ـ في مستويات حياتية لا توفر سعة اللحظة المتعبة باجتراح الوهج الثقافي، بما لا يسمح لها تبوّء الفضاء الأنسب لتصريف شحن الإبداع، وتقع فريسة سهلة للضياع بين اللامبالاة المجتمعية وتراكم الفيض الإبداعي الذي يتدفق سدى أو هكذا يتصوّر المثقف لانعدام القناة التواصلية التي من خلالها يستطيع أن يفعّل إنتاجه المعرفي/الثقافي كما حدث مع أبي حيان التوحيدي، فالوسط المحيط له أعظم الدّور في تحريك ألذات وإبرام عقد الصراع الدافع نحو إنتاج اللحظة العارفة، وهذا فقط عند توافر عنصر البيئة الحاضنة، فما جدوى الفعل العارف الذي لا تتداوله المشاركة الثقافية والمعرفية.    

 غياب البيئة الحاضنة يؤسّس للامبالاة المجتمعية فينجذب المثقف إلى ضغط الإندقاق تحت ضربات المهماز الإجتماعي الجبّار الذي يأكل نضارة عقله وعاطفته في غمرة بحثه عن الرّغيف دون الإنتباه إلى الوردة وكتب الحب والنار، حيث يكتمل مركب النضالية الحياتية المؤطرة للإنفعال الإيجابي، وهكذا ينعزل رغيف الخبز عن الوردة والكتاب، ويسير أعرجا لا يؤسّس لتجربة متكاملة تأخذ في حسابها الأبعاد الإنسانية المحفّزة للتجربة/الحركة.

المجتمع المحفِّز(الدافع) للتجربة، تنوجد فيه جوهريا حاسّة لاقطة تنقّب عن جوهر الفرد العارف الذي يتفاعل مع وجوديته لإشعال الشرارة المحرّرة لدفق الطاقة التي تضيء الطريق وتسهّم الإتجاه نحو الأهداف الفردية والمجتمعية التي تبلور معنى المنحة، و بتجاهل هذه العلاقة ينفصم الثقافي الفرداني عن جوهر المجتمعي في وظيفته اللاقطة فيضعف المشروع المجتمعي وينهار  التراكم وتولد المحنة، مستمرة في إنتاج ذاتها ومسوخها، لعدم إدراك آليات الفعالية التي تنجز عبر التركيز على نقل الدوافع الفردية إلى اللاوعي الجمعي كما أوضح ذلك يونغ.  

يبدو لي أخيرا أن خلاصة المحنة تنحصر في ارتياد مجالات مبتورة الصلة بالإبداع، ليس من الناحية المنبعية، لأنّ كل نشاط مصدر إلهام، ولكن من حيث المناخ الذي يتاح للفعالية الإنسانية النّخبية الدافعة للجوهر نحو الإبداع والإبتكار. 

اترك تعليقا