اشكالية تأنيث النص الفلسفي / أ/فضيلة عبدالكريم *
بواسطة مسارب بتاريخ 2 أبريل, 2016 في 08:41 مساء | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1166.

 

أنا و الدرس الفلسفي ،تواصل فيه نشوة المحبة لعالم الفكر ، و حضور المرأة في هذه الساحة ضرب من المغامرة ، عندما اخترت هذا المجال ، و عندما أصبحت أستاذة لهذا النشاط الغامض في رأي الكثير ، و الذي يعزف عنه البعض ، و يدرجه البعض في خانة التكفير و الزندقة . كنت مقتنعة بهذا الاختيار و بضرورة اكتشاف الغموض .
إن الفلسفة بتدقيق كبير هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم, و أن تكون الفلسفة في تميزها واختلافها عن العلوم والمعارف الأخرى مجردة , فهي خاصية تميز الفيلسوف بل يشاركه فيها العامي ورجل العلم والسياسي والفنان …الخ, لكن لماذا ارتبطت الفلسفة بالتفكير الخاص عند الرجال دون النساء ؟هل يمكننا الحديث عن تجربة فكرية فلسفية عند المرأة عموما و عند المرأة العربية بشكل خاص ؟هل المرأة عاجزة عن بناء مشروع فكري ثقافي فلسفي , وأن تكون رائدته بامتياز؟
و لكن رغم ذلك كان لي مسار في تناول الإشكالات الفلسفية ، و الواقع 
أصدقكم قولا أن الطريق كانت مليئة بالعراقيل و المشقات ، بحيث أثناء سير الدرس المقرر على التلاميذ حدث كثيرا أن سألني الطلبة عن عدم وجود آراء فلسفية للمرأة ، و لماذا هي غائبة عن هذا المجال ؟ 
ثم ينظرون اليّ و الى اختياري لهذا المجال الصعب كما يقولون هم عنه . 
و عليه ما زالت تفصل ما بين النساء والمعرفة هوة سحيقة أي صنعة الكتابة على وجه الخصوص . و في الإقرار بهذه الحقيقة تأييد و تأكيد على سيطرة الخطاب الذكوري على انتاج الأفكار . المبرر هنا هو الفوارق البيولوجية و الفكرية و عليه تقوم قطاعات مجتمعية وسياسية على استغلال الاختلافات الطبيعية العامة بين الرجال والنساء من أجل تصنيف الأعمال الإنسانية . فيكون للرجال مهامّ العمل و الإنتاج المادي بينما تلزم النساء أشغال البيت . وبموجب هذه المهام يصبح الرجل هنا منتج الثروة المادية والعقلية ومن ثم المتحكم فيـــها و في عالم الأفكار .والثروة المادية والعقلية هنا هي بمثابة الموارد في علم السياسة، أو السلطة في علم الاجتماع.
، وأحد أشكال السلطة هنا هو تنظيم الثقافة وفي حركة الافكار العامة 
و عليه الرجل ينتج أفكارا تضعه مرادفا للعقل أما النساء فلا ينتجن الأفكار ومن ثم فهن الموضوع لا الذات أو الجسد لا العقـــل ..
في الثقافة العربية القديمة والمعاصرة رسمية كانت أو غير رسمية، مارس الرجال احتكارا لإنتاج الأفكار وتدوينها. ، قد يقول قائل إن عالمنا العربي لم يكن استثناء في نزعة احتقار عمل النساء بالكتابة، ففي الحضارات الآسيوية والأفريقية والغربية أيضا نماذج مشابهة لشكل التعامل العربي ، لكن الاختلاف الأبرز يكمن في مدى كثافة استمرارية نمط إقصاء النساء الكاتبات من مجالات المعرفة . والعالم العربي يعجّ بطوفان حقيقي للتنميط و إعادة إنتاجه، وهناك بالفعل عداء لمشهد المرأة الكاتبة أكثر من أي مشهد آخر ، و المتتبع للتعديلات التي شرعتها بعض الحكومات العربية حول مشاركة المرأة في السياسة ، نجدها قد و ضعت الامور في نفس الوتيرة مع حالة تزامن وجود المرأة الكاتبة و المرأة في باقي المستويات ، و هنا يجب أن نفرق بين المتعلمة و الحاصلة على الشهادات العلمية و المبدعة و الكاتبة التي تحمل مشروعا فكريا . و في ذلك تدمير لطاقات المرأة التي تريد تسجيل حضورها الفكري و الثقافي قبل الحضور في مراكز القرار السياسي . 
إن تجربة التأمل كما هي تجربة ميتافيزيقية تبعدنا عن الواقع وتجعلنا نهتم بالعموميات ولا تمكننا من إنتاج أشياء جديدة وإنما تسقطنا في وهم الانتصارات اللازمانية على الفلاسفة والحكم على جهودهم بطريقة اختزالية متسرعة وباطلة , بإرادة الهيمنة وتضليلات المخيلة بينما التأملات هي الأشياء نفسها إذا نظرنا إليها في عملية إبداعها لمفاهيمها الخاصة, فالفلسفة هي فن تشكيل وإبداع وصنع المفاهيم ليس جديدا بل موجود في تاريخ الفلسفة وما انفك كل الفلاسفة يقومون به منذ ما قبل السقراطيين والحكماء السبعة وأنه لم يقم سوى بنفض الغبار عنه وتسليط الضوء عليه لأن الفلسفة كانت ولا تزال إبداع المفاهيم وكل الفلاسفة اشتغلوا في حقل إبداع المفاهيم ومقدار الجدة والريادة تقاس بالتغيير الذي يطرأ على المفاهيم فكل الأنساق الفلسفية تميزت واختلفت باختلاف المعاني المعطاة للمفاهيم الجديدة التي أبدعها أصحابها .
وعليه فإن المرأة اليوم في مجتمعاتنا العربية تعاني مضايقات كثيرة من الرجل الذي يعطي لنفسه حق الريادة و التفكير و التميز ,وإذا قال العكس فهو يحاول تبرئة نفسه من هذا الاتهام و يعطي أدلة على ذلك من خلال ذكره لأسماء نساء هن اليوم في الساحة رائدات ,لكنني أعتبرهن تابعات في تفكيرهن للرجال , أنا لا أنفي صورة التكامل و التعاون لكنني أتكلم عني الإبداع الذي مثلته صورة النساء في الصدر الأول للإسلام .
ولأن الواقع يكرس مسألة تهميش إبداع المرأة لصالح إبداع الرجل و إبعادها من ميدان الإبداع الإنساني ، لكي يحتكره الرجل لنفسه ، و الكلام عن حقوق المرأة كلام شعاراتي ,الهدف منه الترويج لفكرة عزل و إبعاد المرأة عن منافسة الرجل ، لأن الرجل لا يقبل بالمنافس ، وإن لم يكن كذلك فلماذا تم تخصيص خانـــــة للأدب النسوي ؟ألا يعتبر ذلك تحيزا ؟يجب التأكيد على اصطلاح الأدب الإنساني الشمولي في القاموس اللغوي, إذا ليس هناك أدب نسوي و آخر رجالي ، هناك فكر و أدب إنساني شمولي ، هناك مجالات ثقافية و فكرية و إبداعية إنسانية تشارك فيها المرأة إلى جانب الرجل ، و على المرأة الواعية أن ترفض هذه التسميات التي تحصرها في خانة واحدة ,لا أعتقد أن حصر الإبداع النسوي في جبهة واحدة يخدم “قضيتها” إن كانت هناك قضية ، و إنما يخدم في النهاية مطامع و محاولات بعض الرجال في إبعاد المرأة المبدعة عن المجالات الإبداعية أقول هنا بعض الرجال , كيف لا و بعض الرجال يبعد بعضهم بعضا من الساحة …فكيف بإبعاد النساء ؟ 
فالمرأة لا تظهر فيها بثوب المبدعة إن لم تقف أمام الرجل و على نفس الأرض و في نفس حلبة المنافسة ، و إلا تكون الخسارة لها , يجب ألا ننسى أنّ الأوضـــــــــــــــاع الاجتماعية تفرض على المرأة مكانة غير مكانة الرجل، وهذا يحدث في العالم كله شرقه وغربه وجنوبه وشماله والفارق في الدرجة وليس في النوع، وفي الغالب يتم إزاحتها للهامش، فمن سيكتب هذا غير كائنات الهامش الذين يعبّرون عن حلمهم بأن يقولوا كلمتهم للحياة, فإبداع المرأة هو زاوية للرؤية ليس فقط تختلف عن الرجل ولكن أيضا عن قريناتها من الكاتبات, والأشد مرارة أن تكون المرأة ضد المرأة وهي التي تزيحها من المشهد الإبداعي, إن العوائق كثيرة وخاصة حين تكون الكاتبة غير مدعّمة بمؤسسة اجتماعية أو ثقافية أو إعلامية و لا توجد لها علاقات بمؤسسات التمويل الأجنبي والمراكز الثقافية الأجنبية، هذا عائق يحول دون الكاتبة الحقيقية التي ترغب في تقديم إبداع ليس بشروط الغرب، ولكن بشروط القيمة الإبداعية والجمالية والإنسانية والانحياز إلى قضايانا وليس تهريبها في كتابة تحتفي بالشكل على حساب الموضوع, كذلك عائق تراجع القراءة وحصار الفلسفة والأدب الذي دخل عزلة الفلسفة والفن التشكيلي وغيره من الفنون الراقية، كذلك الثقافة السائدة التي تكرس للسائد والعادي والمألوف, وتضع المرأة المبدعة في إدانة أخلاقية ما لم تتماهى مع الثقافة السائدة وكذلك هيمنة الموروث دون تجديد ,فعلا هناك مأزق وظيفي للمبدعة يحذر المرأة المبدعة ما لم تتفنن في ابتكار الأقنعة وأنا ضد الأقنعة، إذا كان لديَّ تجربة إنسانية أرى أنها قد تفيد وتمتع وتدهش الآخرين لن أتنازل بفعل عوائق قد تتبدد مع الزمن. . 
أخيرا أقول :لي حلم …لكِ حلم بحجم الحياة التي نعيشها مرة واحدة لا بد أن نتبنى سيكولوجية التجاوز والقفز على الصعاب لأن هذا شأن كل مفكر ‘امرأة كانت أو رجل في كل العالم, إن أهم وظيفة للإبداع هي أن يساعد الإنسان على مزيد من الوعي الذاتي والاجتماعي بمعنى أن الإنسان المبدع يزداد معرفة بنفسه ومجتمعه في كل عملية إبداعية. 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* شاعرة وباحثة من الجزائر 

اترك تعليقا