نجمة أمل بوشارب السردية/ محمد حسن مرين*
بواسطة مسارب بتاريخ 26 أبريل, 2016 في 11:38 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1434.

رواية  سكرات نجمة لأمل بوشارب  الصادرة عن منشورات الشهاب 2015، تأخذ قارئها في رحلة سردية عبر 429 صفحة ببنيّة سرديّة يتقاطع فيها الشكل البوليسي مع المضمون الثقافي، بمنظور دلالي ينسج علاماته ويفتحها على القراءة، فهي رواية العلامات والأيقونات المرتبطة بمجموعة من الرموز الرسمية والاجتماعية المحيطة بنا، بما يُحيطها من غموض ودلالات تاريخية وثقافيّة، غالبا في تقاطع لمجموعة من الحضارات والثقافات، حيث تنبني الرواية على حادثة مقتل الرسام إلياس « إلياس ماضي أستاذ أساليب وتقنيات الرسم المعاصر في أكاديمية ألبيرتينا بتورينو» ص79. فهو من أب جزائري وأم إيطاليّة، فيمتلك النص الروائي إثارة الحبكة من بدايته في غموض شخصية القاتل إلى حدّ اعتبار أنّها (انتحار الفنان إلياس ماضي في منزل جدّه في العاصمة طعنا بالسكين، هكذا عنونت الجرائد خبر مقتل إلياس بعد أن عجزت الشرطة عن إيجاد أي دليل) ص 404. حيث تأتي الصدمة الروائية في الصفحات الأخيرة، لأن الجريمة في الرواية لم تكن سوى محور سردي داخل ذلك الفضاء الفسيح من التضايف الأدبي والتاريخي والثقافي، فكأنها جريمة رمزية في ذلك العالم الرمزي « كان كل شيء في ذلك المكان يُنبئ أنّ الأمر لا يتعلق على الإطلاق بجريمة عاديّة، وشعر إبراهيم الآن وهو يتأمل وجه القتيل وكأنه يقف أمام جريمة من نوع آخر» ص09.

وهكذا تنطلق الرواية من محاولات المحقق كشف سر الجريمة عبر شخصية القتيل غير العادية، الفنان القادم من إيطاليا، صاحب اللوحات الغامضة التي كانت جزء من الحادث « وهو يجول ببصره إلى اللوحة المطعونة وقد غدا مقتنعا أنّ كشف سرّها قد يكون المفتاح لكشف لغز الموت» ص 11. ومن خلال غموض رحلة البحث التي يقوم بها إلى الجزائر للبحث عن طيف امرأة يتصوّر وجودها في مكان ما، ومن خلال مسار سردي مُواز تنفتح الرواية على نسج مزيد من الغموض والسحر و الألغاز السردية في رحلة تتبع دلالات مجموعة من الأيقونات والرموز المنتشرة حولنا، سواء في الثقافة الشعبية أو في الرموز الرسمية « فالرموز يُمكن أن تُشير إلى مفاهيم ملموسة أو مجرّدة، أحداث حقيقية أو متخيّلة…» ص348. في مجالات متنوعة من حياتنا حيث تُهيمن الرموز المتوارثة.

 وتوسّعت الروائية إلى دلالات ذلك في ثقافات متداخلة، وتعمّقت إلى جذورها التاريخية بما جعل الرواية تزخر بالمادة المعرفيّة التي لا تقلّ إثارة عن إثارة توزيع الغموض على مجموعة من الشخصيات المحيطة بإلياس القتيل ليظل القارئ معلّقا في الأسئلة حول القاتل، مثله مثل المحقق « وقد تجمّعت أمامه معطيات كثيرة، منذ بدء التحقيق تُشير بأصابع الاتهام للجميع لكنّها لا تُدين إلى الآن أحدا…» الرواية ص344. كما تظل صور الشخصيات مرتبطة بالمناخ العام للرواية وهو حضور الأيقونات والرموز، وبأسلوب سردي متناوب بين مسار التحقيق، ومسار استرجاع سردي لرحلة إلياس إلى الجزائر و الشخصيات المحيطة به، رسمت الرواية ثلاث مجالات لنسج عالم رمزي يكتنفه الغموض والجذور الدلالية من خلال:

ـ الشخصيات الإيطالية مثل شخصية كاترينا المتغطرسة « وهي تتذكر أنّها أصبحت غصبا عنها خالة العربي… لم تكن تستوعب وبعد مرور أكثر من ثلاثين سنة من زواج أختها مارتينا بالمدعو الطاهر وتبنّيها لولده إلياس» ص182. وكانت تتمنى اختفاءه من حياتها، وصديق إلياس الإيطالي (إيرمانو بيرغنزي) الذي يُحاول متابعة أثر صديقه وقصّة المرأة التي يبحث عنها، التي تُلهمه رسم تلك اللوحات الغامضة والرمزية،  ولكن يغرق في متاهات رموز رسمية وعمرانية للجزائر وإيطاليا في تداخل بين الحضارات والديانات والحركات السرية مثل الماسونية، بداية من رموز العلم الوطني « علّه يجد شيئا عن تاريخ الرايات الجزائرية، وربما توضيحات عن رمزية النجمة في العلم» ص308. أو جواز السفر « قلّب إلياس صفحات جواز سفره بحذر وكأنّه يُحاول العثور من داخله على حلّ أحجية الختم الذهبي للجمهورية والذي بدا ملغّزا على نحو مربك» ص 73. وبهذه الطريقة في إثارة الأسئلة حول الرموز تنطلق رحلة البحث عن الدلالات دون أجوبة حاسمة، ولكن من خلال مجموعة من الإحالات الثقافية والتاريخية المفتوحة على قراءات مختلفة.

ـ الشخصيات الاجتماعية من خلال تاجر الأواني النحاسية المنقوشة، وصديقه بن عبد الله للغوص في تلك النقوش والزخارف والأيقونات والتمائم المتوارثة والأغاني الشعبية، في محاولة لكشف روافد وجذور الثقافة الشعبية الجزائرية خصوصا المسكوت عنها، حيث تتداخل الثقافات والمراحل التاريخية مثل الكفّ الخامسة أو بعض الحلويات المشهورة ويتم توظيف هذه الشخصيات في متن النص السردي للإحالة على الواقع الجزائري وخصوصا الواقع الثقافي، لكشف مظاهر الريع و الانتهازية فيه، من خلال شخصية مدير معهد الفنون الجميلة، وشخصية الناشرة الشابة، وشخصية مديرة المعهد العربي «عن الميزانية الضخمة التي رصدتها الوزارة التي استلمتها المديرة السابقة لمعهد الأبحاث في التراث العربي، وذلك من أجل تنظيم احتفالات ضخمة هذا العام بمناسبة عيد الاستقلال» ص403.، إنّ هذا الفضاء الثقافي هو الفضاء الذي يستقبل إلياس، المتداخل مع فضائه الاجتماعي، وهو الفضاء الذي تمت الجريمة فيه، لتكشف الروائية القاتل في صدمة روائية، تفتح نهاية الرواية على تأويلات متنوعة، ولن نكشف عن القاتل في هذه القراءة احتراما لبُنية الرواية وغرضها في توليفتها الفنية لمُتعة القارئ.

ـ  البحث عن المرأة بوصفها مصدر إلهامي، وهي محور سردي أساسي تنبني عليه الرواية، بشكل فيه من الرمزية والغموض، ليظل كذلك حبيس تقاطعات المسارات السردية، وكأن هذه المرأة في طيفيتها وغموضها واستحالة تجسّدها وعلوّها الرمزي تُشبه نجمة في سماء مملوء بالنجمات الصالحة لتجسيد الإلهام الفني للفنان إلياس، ولذلك نتوقف عند أسماء عديدة أوردتها الرواية بهذا الوصف النجومي، لنكتشف في الأخير أن النجمة يمكن أن تسقط من الغموض ومن سماء الأمل إلى فضاء الواقع المعقد والذي تنازعه نوازع بشرية أرضية دنيئة، لم تفهم عودة إلياس وهدفه المثالي في البحث عن نجمة أنثوية لا تسقط على الأرض كما تسقط نساء كثيرات ورجال أكثر، خصوصا وأن الجريمة تمّت في بيت العائلة، في ذلك الحي  من أحياء العاصمة، « كان الكل في شقتها، الكثير من أبناء الحي مع أبنائها يشاهدون المقابلة، وكانت هي تُحضّر لهم الشاي، وتدعو لهم بين الفينة والأخرى، كان يبدو الجميع مخدّرا بأطوار مباراة الجزائر و إنجلترا» ص425. لتعود الرواية إلى نقطة البداية وهي ذاتها نقطة النهاية.

َ

َ

* روائي من الجزائر 

 َ

َ

َ

اترك تعليقا