القصة فن شهد الانتشار بين مبدعيه في الآونة الأخيرة ، و الكتابة في هذا المجال تنوعت و تعددت ، و في ظل هذا الزخم الهائل أجدني أتصفح و أقرأ بعض القصص على المواقع الالكترونية أو على الكتب فتشدني حالات سردية تجمع بين الفكرة و احداث القصة بأسلوب له خصوصية لا يمكنها أن تنطبق على باقي الحالات ، كذلك هو الامر بالنسبة لهذه القصة الموسومة بــ ” أربع طرق لقتلي “
للمبدعة السورية فاديا عيسى قراجة .نشرت بالموقع الالكتروني “الملتقى الأدبي السوري “يوم 17 يوليو 2011 م
قصة تبنى على الحوار و الاختيار بين التنفيذ و اللاتنفيد ، و بينهما تبدو المهمة مستحيلة رغم الامكانية القائمة للتنفيذ ، المحكوم عليها هي المرأة و المنفذ هو الرجل ” السيد ” المرأة بين الضعف و القوة ، و الدهشة هنا في قوة الضعف الذي يقتحم و لا يخاف ، ربما لأن الكاتبة تريد للمرأة واقعا آخر للمرأة و تراها قادرة على ذلك
و عليه هل فكرة القتل التي تختارها و تعرضها على من هو سيدها له القرار هي خيال يخدم الممكن ؟ و هل هذا الامكان يتعارض مع حالة الدهشة التي تملأ ذات المرأة العاشقة لسيدها و تريد واقعا فيه قوتها رغم ضعفها ؟
هي ثنائية المضادات الغريبة و الممكنة التي تأخذ بالمتتبع للقصة في حالة اقدام و احجام وصد و معايشة شعورية لكن متباينة بين القراء ، تشبه الشعور الديكارتي الذي يعطيه العقل لحالته الخاصة في معايشة الحرية .. انا وحدي من أستطيع الشعور و بكل حرية و أختار بين الحتميات ، فلا حتمية غيري .. من هذا المنطلق تبدأ الكاتبة الحوار بقولها : ” بين تلويح ضوء شحيح , وأفول نجـــــــــم صغير .. قلت له :
– مولاي لنبدأ بالحرق .. فالحرق لن يبقي على أي أثر .
قال بعد تفكير طويل :– الحرق ؟؟ لا يا ريقي .. لأن الدخان سيتصاعد , وسوف تكنسه الريح , وتأخذه إلى أماكن شتى ,و سيسكن روح القصب , فيأتي الراعي , ويصنع لنفسه ناياً كي ترعى أغنامه بسلام ,ناي القصب ستبوح بسر الدخان الذي سكنها , والدخان سيعيد سرك يا سري الأوحد ,وتخرجين ثانية معافاة ..”
هي لوعته و وجوده في الكون لكنه سيتخلص منها ، تقترح عليه و يصعب عليه التنفيذ لأن روحها تسكن الأشياء و الأماكن ، في تباين صارخ ، ربما لان الكاتبة ترى بان المرأة مازالت تحمل مفهموم الخطيئة من الزاوية العقلانية للرجل الذي ترافقه دائما و لا يمكنه الخلاص بحكم قوة الضعف هي مفاهيمية تبرز للقارئ من خلال الاستنتاج و الذرائعية التي يقدمها من بيده سلطة القرار .
و تواصل الكاتبة في اقتراح الموت بالطريقة الثانية في قولها : ” قلت ببهجة طفل غرير:
– إذاً الذبح فلا هواء ولا دخان ولا أرواح قصب تفشي سري للريح والشجر
كاد أن يعدَّ المذبح كي يقطع عنقي لكنه تراجع وقال:
– الذبح ؟؟ لا يا منتهى اشتهائي ..الدم سيتدفق, وينغرس في رحم الأرض وسوف تشربه شجرة التفاح العطشى ..سيأتي الرجل ويجلس تحت ظلالها ,وسوف ينتقي تفاحة أملودة براقة , سينهشها بجوع الذكور كلهم..و ستقف حروفك في حلقه, وتقفزين كجنية في ذرات دمه التي ستغلي تحت وابل من ثرثرتك..لن ينفع الذبح.. اختاري ميتة لا حياة بعدها ..”
التفكير و الاعتراض و العودة للأعذار ،لأن الحياة تسكن كل العالم الذي يحيط بالمرأة ، و عليها ان تختار موت لا حياة بعدها ، لكن هناك حياة بعد الموت لا نعلمها التي قائمة في ذواتنا و في عقولنا ، فالأشياء الصامتة هي في واقع الحال تتدفق بالحياة ، قد يرفضها سيدها الذي يهم بقتلها ثم يأمره القلب بشوقه للحياة ، هو يريدها و لا يريدها ، هو يعشقها إلى حد الجنون و يريد التخلص منها إلى حد الجنون ، فيقترح عليها موت تختاره فتقول الكاتبة : ” تجولت أمامه وأنا أفرك جبيني ..قلت له بصرخة من اكتشف قارة من الرحيق :
– إذاً الشنق ..حيث لا عواء ريح , ولا دم يجري ولا شجرة خطيئة تثمر , ولا أرواح قصب تهذي ..
قال وهو يطيل النظر في احتضار الليل:
– الشنق …الشنق ..لا ..لا ..ماذا تخرّفين يا شمسي ؟ ستلتف حبال القنب الحنون المغمسة بزيت الزيتون حول عنقك .. وهذه الحبال هي ابنة شجرة القنب التي تحيكون من خيوطها مفارش اللذة والألم .. والزيت هو من شجرة لا غربية ولا شرقية.. سيتصارع الأقنومان على أكل لحمك… وهنا التصاق اللحم والدم , .. يعني ثرثرتك ستعمر آلاف السنين..وستضرب جذورها في الأعماق …ما بك يا ريقي اخترعي ميتة لا حياة ولا ثرثرة بعدها ..”
هي شمسه و ليله و نهاره و كله ، يرفض موتها الذي سيبقى حيا آلاف السنين ، و ستبقى الخطيئة تطارده ، يريد موت لا حياة بعدها لن تتحقق له بين الاشتهاء و بين قوته و ضعفها و ضعفه و قوتها ، فالحبال منغمسة بزيت الزيتون ، رمز الخلود و الحياة البعدية ، هي جذور الحقيقة التي لا تنتهي بموتها بل تبعث من جديد ، صورة ترسم بالمخيلة منتهى اليقين الذي لا نعيشه لكننا سنؤول اليه بظلمنا ، بعدلنا ، بحبنا ، بعشقنا ، كل هذا يأتي بعد موتنا .
و تختم القاصة هذا المشهد بالمستحيل و حقيقة الامكان في اقتراح الطريقة الرابعة للقتل فتقول ” جلست مثل أرنب يرتجف.. قلت بتردد يشبه تردد جندي حسم معركته :
– الغرق …. لا قنب, ولا زيت, ولا أرواح شيطانية تتراقص .
كاد أن يربطني, ويكمم وجهي , ويقودني إلى بحر متلاطم الأمواج لكنه توقف على حافة جرف شاهق.. ثم عاد بي إلى زمهرير الوقت .. كنا نمشي منكسي الرؤوس .. لم أسأله لما عاد بي ..لكنه انتحى مكاناً دائرياً أدخلني في طلاسمه.. ثم قال وكأنه يهذي :
– الغرق ممكن جداً … لكن يا سمكة شهوتي ستتحولين إلى زبد أبيض يسبح فوق الموج , ويحكي لعشاق الشواطئ عنك .., وتصبحين عروسة الحرف من جديد, تسبحين ضد التيار , وتلهمين النوارس المتمردة على شواطئك , وسيعود جنون ضجيجك وشغبك يخترق الآفاق …لا ..لا .. أعيدي التفكير الوقت يمضي وأنا لا قدرة لي على الصبر …”
هو الاقتراح الأخير في هذه الليلة المظلمة و الشديدة السواد في حوار يشبه قصة ” شهرزاد و شهريار ” لأن الصبح أشرق و هو لم يقف على طريقة لموتها ، حتى الغرق و أمواج البحر ستحكي يوما للعشاق عن حالها و يعود صوتها في النوارس و امواج البحر التي ستحدث الشواطئ بسرها . لتقول ” – سأقتلك حباً .
ثم اختفينا ولم يبق منا أيُّ أثر ..” بعد طلوع النهار .
قد اختار سيدها طريقة خامسة و هي أن يقتلها حبا فلا ضجيج الا ضجيجها و لا حياة له الا حياتها و لا وجود له الا بترنيمة بوحها و بسر وجودها موته تعني موتها و حياته هي حياتها ، قصة من ألف ليلة و ليلة ، نسجتها المبدعة و قدمتها بصورة رائعة جعلت الخيال فيها دهشة و ملاحقة جمالية الحوار ، اسلوبها الذي قدمت به الفكرة و العبرة التي تربط تاريخ الأمس باليوم و فكر الامس باليوم ، و يبقى المستحيل يسكن الامكان في زمن الردة التي تعيشها العقول ، هي ومضات فيها خيال البارحة و الغد و ما اللحظة الا جسر للعبور دون توقف للضفة الأخرى .
إلى احلام تعيشها الكاتبة و تحاول كشف الستار عنها و هي تعيش أزمة بلادها سوريا ، متألقة و مبدعة تشد اليها الأقلام المتابعة و الفاحصة .
——————-
اليكم القصة كاملة
———-
أربع طرق لقتلي
نشرت يوم 17 يوليو 2011 ” الملتقى الأدبي السوري “
قصة قصيرة
القاصة : فاديا عيسى قراجة
———————-
بين تلويح ضوء شحيح , وأفول نجم صغير .. قلت له :
– مولاي لنبدأ بالحرق .. فالحرق لن يبقي على أي أثر .
قال بعد تفكير طويل :
– الحرق ؟؟ لا يا ريقي .. لأن الدخان سيتصاعد , وسوف تكنسه الريح , وتأخذه إلى أماكن شتى ,و سيسكن روح القصب , فيأتي الراعي , ويصنع لنفسه ناياً كي ترعى أغنامه بسلام ,ناي القصب ستبوح بسر الدخان الذي سكنها , والدخان سيعيد سرك يا سري الأوحد ,وتخرجين ثانية معافاة , وتعودين للثرثرة التي ستخلب الألباب ,و تبهر العقول ..وهذا سيبعدنا عن غايتنا اخترعي ميتة أخرى يا ناري .
قلت ببهجة طفل غرير:
– إذاً الذبح فلا هواء ولا دخان ولا أرواح قصب تفشي سري للريح والشجر
كاد أن يعدَّ المذبح كي يقطع عنقي لكنه تراجع وقال:
– الذبح ؟؟ لا يا منتهى اشتهائي ..الدم سيتدفق, وينغرس في رحم الأرض وسوف تشربه شجرة التفاح العطشى ..سيأتي الرجل ويجلس تحت ظلالها ,وسوف ينتقي تفاحة أملودة براقة , سينهشها بجوع الذكور كلهم..و ستقف حروفك في حلقه, وتقفزين كجنية في ذرات دمه التي ستغلي تحت وابل من ثرثرتك..لن ينفع الذبح.. اختاري ميتة لا حياة بعدها ..
تجولت أمامه وأنا أفرك جبيني ..قلت له بصرخة من اكتشف قارة من الرحيق :
– إذاً الشنق ..حيث لا عواء ريح , ولا دم يجري ولا شجرة خطيئة تثمر , ولا أرواح قصب تهذي ..
قال وهو يطيل النظر في احتضار الليل:
– الشنق …الشنق ..لا ..لا ..ماذا تخرّفين يا شمسي ؟ ستلتف حبال القنب الحنون المغمسة بزيت الزيتون حول عنقك .. وهذه الحبال هي ابنة شجرة القنب التي تحيكون من خيوطها مفارش اللذة والألم .. والزيت هو من شجرة لا غربية ولا شرقية.. سيتصارع الأقنومان على أكل لحمك… وهنا التصاق اللحم والدم , .. يعني ثرثرتك ستعمر آلاف السنين..وستضرب جذورها في الأعماق …ما بك يا ريقي اخترعي ميتة لا حياة ولا ثرثرة بعدها ..
جلست مثل أرنب يرتجف.. قلت بتردد يشبه تردد جندي حسم معركته :
– الغرق …. لا قنب, ولا زيت, ولا أرواح شيطانية تتراقص .
كاد أن يربطني, ويكمم وجهي , ويقودني إلى بحر متلاطم الأمواج لكنه توقف على حافة جرف شاهق..ثم عاد بي إلى زمهرير الوقت .. كنا نمشي منكسي الرؤوس .. لم أسأله لما عاد بي ..لكنه انتحى مكاناً دائرياً أدخلني في طلاسمه.. ثم قال وكأنه يهذي :
– الغرق ممكن جداً … لكن يا سمكة شهوتي ستتحولين إلى زبد أبيض يسبح فوق الموج , ويحكي لعشاق الشواطئ عنك .., وتصبحين عروسة الحرف من جديد, تسبحين ضد التيار , وتلهمين النوارس المتمردة على شواطئك , وسيعود جنون ضجيجك وشغبك يخترق الآفاق …لا ..لا .. أعيدي التفكير الوقت يمضي وأنا لا قدرة لي على الصبر …
– حل صبحُ الاصباح وما زلنا داخل جبة هندسية ترشقنا نحو المركز تارة ونحو المحيط تارة أخرى دون أن تساعدنا أفكارنا على طريقة يقتلني بها ولا يبقى لي أي أثر ..
قال بعد لأي وهو يدثرني بجبته , ونصبح اثنان في واحد :
– سأقتلك حباً .
ثم اختفينا ولم يبق منا أيُّ أثر ..
(أصل الحكاية)
صاحب الجبة :
قلت له :من أنت؟
قال لي : ادخلي . ثم رمى سهماً , ومضى ..
دخلت ..ثم خرجت ..بحثت عن السهم الخفي ..سمعت صوتاً يقول لي:
– ادخلي ثانية , فأنت سنائي , وعتمة نوري , ووهم الحقيقة في أضلعي.. ادخلي فالسهم هناك وهنا .. يرصد نقطة بيضاء في قلبك ..
قلت له: مولاي أين أنت فأنا لا أراك ..
قال لي : لن تريني .. المسيني .. ففي اللمس أربع فوائد ..تحريك وجع , وفتح جرح , وانتصاب ألم , وانتفاخ ثغر .
قلت له : مولاي كيف ألمس مالا أراه ؟
قال لي : ادخلي جبتي , فالظمآن يأتيه صوت السَّقاء .. فأنا الظمآن وأنت ريقي
كانت الرمال تغطي جبهته …
دخلتْ روحي عارية إليه, وغطستْ إلى عنقها في الكوثر ..
جاء صوت ليس من الداخل ولا من الخارج , ليس من اليمين ولا من الوراء , ليس من الأمام ولا من الخلف (إلى أي جهة أتوجه؟) سألته وأنا أغرق برمال حروفه ..
قال لي : حيث تكونين أنت, أنا أكون .. وحيث خلاصة نبيذي, يسيل شهد عسلكِ .
قلت له وأنا أتشبث بوهمه :
– مولاي يا صاحب الجبة , حللّ كيميائي فقد ضاقت روحي هنا ,فكك أضلعي وأعد تشكيلي, وغيِّر صفاتي فأنا ما عدت أطيق ملامحي , ومجلسي , وناسي ..اقتلني ..اقتل حروفي, واقتل هذا التوق الساكن في لهفتي ..أعدني راعية لا حدود لها سوى الغيم ,ولا لغة لها سوى حروف اسمك الأربعة, ولا لحن لها سوى أجراس المراعي.. أعدني إلى كهف لا ضوء فيه سوى عينيك , ولا زاد فيه سوى صدرك , ولا شيء يغطي بدنك, وبدني سوى عشب قاربه الوجّدُ فاحترق , حطم أسواري , واقتحم ساحاتي الغبراء ,احفر لي جحراً تحت قدميك , لا أريد نوراً سوى نور خطواتك , ولا صوتاً سوى صوت صهيلك فوق جثتي , ازرع في سكينتي بذرة الخلق, ومارس عليّ مخاضك الطويل, ثم ضعني مولودة جديدة في حضن أمومتك, وأرضعني حليب الضوء الذي ينثال مطراً فوق رمال غربتك , واحشو أبجديتي بثقوب بردك وجوعك .. ولا تخف سأعطيك سري كي تعيد خلقي بعد قتلي … وهذه أربع طرق لقتلي … فاختر واحدة.
——————-
* شاعرة وباحثة من الجزائر
َ
َ




