الهوس/ عمار بوزيدي *
بواسطة مسارب بتاريخ 28 يونيو, 2016 في 11:24 مساء | مصنفة في متعة النص | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1128.

التقيت بالأستاذ عمر الذي تاه لأزيد من سنة أو أكثر في القفار ؛ باحثا عن الحب و سر الحب . لم يكن أحد يعرف سره إلا من قرأ جبال الحناء تلك الرواية التي قرأتها في يومين و تهت فيها أكثر من سنتين ، التقيته و هو يحمل ملف التقاعد ساعيا من إدارة لأخرى ، لم يعرفني طبعا لأنه لم يرن من قبل ، لكني رأيته في كل زاوية من زوايا الجلفة .

-         الأستاذ عمر أليس كذلك ؟

حدق في متعجبا ، و التفت يمينا و شمالا لعلي أقصد شخصا آخر ، أشار بأصبعه لنفسه

-         أتعنيني أنا ؟

قلت : نعم … أستاذ التاريخ في ثانوية أول نوفمبر ؟

-         و لكني لا أعرفك !

-         و لكني أعرفك … ثم همست في أذنه : و أعرف عنك كل شيء .

جفل مني و رجع بخطوة إلى الوراء قائلا : من من أنت ؟ و ماذا تعني ؟

هنا أشحت بوجهي عنه ناظرا للأفق نظرة الحكيم

-         أتكر ذلك الشخص الذي كان يجلس قبالتك في شاحنة الترحيل إلى رقان و الجزء العلوي من شفتيه منتفخ إثر الشمة ؟  … كنت تنظر إلي بازدراء و تعجب .

خفض رأسه مبتسما ، مستهزءا ، ثم نظر إلي محدقا :

-         و لكن الذي رأيته كان أكبر سنا !

ثم التفت إليه

-         أتذكر الثلاثة الذين اعتدوا عليك و جردوك من ثيابك ، و صرعوك و تركوك مغشيا عليك و عندما استيقظت أصبت بلوثة في عقلك و لم يبق من إرادتك شيء غير البحث عن ميرة ؟

قال : هاه !! و فغر فاه ..

قلت : كنت واحدا منهم ، بل بقي حذاؤك الرياضي عندي إلى قريب فقط .

هنا عظمت حيرته و ازداد تعجبه

-         و لكن قلت أنك أنت ال الذي …و و … كيف عرفت ؟ . تلعثم و احتار …

مشى قليلا ، أمسك رأسه كأن به ألم ما ، ثم تلفت إلي محملقا … قطعت حيرته و قلت له : لا تتعجب فأنا أكثر مما حيرك الآن ، ألم أقل لك رأيتك في كل مكان ؟ اسمع أتذكر العائلة الأولى التي التقيتها و سقوك ماء و قهوة و خبزا بعد ما أضناك التعب و تورمت قدماك و نمت منهكا ؟

قال : نعم

قلت : أنا الشاب الذي قال لك : نحن نحب الصالحين … و لكن ارتادتك موجة من الهرب فهربت إلى غير وجهة …

هنا استشاط غضبا

-         إذا أنت الشيطان اللعين و مهما يكن ما تريده مني فلن تناله … قاطعته

-         رويدك رويدك ما أنا الشيطان و لا أرقى حتى لعشر مكائده ، ألم تره يحرض عليك الأولاد ليرموك بالحجارة في سوق الفيض و يعيروك هاهو بودربالة ؟ كنت أنا ذلك المجنون الذي عرفك عليه إنه غير مرئي للناس و لكن الحجاب كان مرفوعا عن عينيك تراه و لا يراه غيرك ، طبعا و أنا أيضا ههه .

-         هل أنت من الصالحين إذا الذين تكشفت لهم الحقيقة و صاروا يرون بنور الله ؟

-         مهلا علي يا صديقي إنك ترفعني عاليا …لو كنت كذلك ما كنت ذلك الإرهابي الذي جرى وراءك بالمحشوشة و أطلق عليك النار و لم يصبك ، ثم من تظن ترك لك خبز الشعير الساخن و حليب الماعز الطازج في مغارة الشنوفة روبة الاوطان ؟ هه ..

اقترب مني أكثر متوسلا : هل أنت ملاك حارس ؟

-         ههه قلت لك إنك ترفعني عاليا …

و بشيء من العصبية : إذا قل لي من أنت ؟

-         أيهمك أن تعرف ؟

بلهفة : نعم نعم …

-         هل تعرف أنني أعرف قصة المشط و أنك رأيتها ، و احتفظت به إلى أن دفنته في قبرها  ؟ لماذ لم تبق علي شيء من ذكراها ، لماذا ؟

-         هذا أمر يخصني وحدي و لن أسمح لك تذكرها  أمامي …فهمت ؟

-         أتظن حقا أنك وحدك من يهيم بعشقها ؟ إنك واهم … بل إن عشاقها لا يحصون عددا …

-         و لكني رأيتها و رأيت عينيها و عرفت منهما أنها تهتم لأمري رأيت سواد شعرها المتموج و كيف كان يغرق ذاك المشط بين أمواجه ، شممت ريحها تنسمت عطرها ، كادت أن تخاطبني غير نظرات ذباحة عمقت في الوله و زادت من إصراري … و عذابي ..

ثم جثا على ركبتيه

-         لن أزيد من عذابك ، و لن أحكي ما جرى لك في الزاوية و لا حكاية سي رابح و لا حكاية العين الشروب و كيف تفاجأ بك و قال عنك أنك مبروك …و لا قصة المرأة التي كان يجثو على صدرها كلب – أظنه أنه أسود فالجن لا يتمثل إلا بالكلب الأسود – و كيف شفيت بإذن الله … اشتهر بعدها أمرك و خفت على سرك فهربت …

 و بشيء من الاستسلام يريد أن ينهي هذا الحوار – خائفا من شيء ما – :

-         يبدو أنهم ينادون على اسمي ، عذرا السلام … و هو يهم بالانصراف

قاطعته

-         و سي بلقاسم رحمه الله و كلبه الأبيض لم تكن تعرف أنه ميت ؟ … حتى أوقفك على قبره  . و الشيوخ الذين تعتقد أنهم يحمون البادية حين صليت معهم الجمعة في ذلك الكوخ البالي … حتى حدثت المفاجأة و دخلت ..

قاطعني بعنف و وضع كفه على في و دفعني حتى ردني الحائط

-         إياك أن تذكر اسمها على شفتيك … إياك … لن أسمح لك بالتمادي أكثر …

احمرت عيناه و بدى الغضب عليه

-         قل … قل من أنت من أنت ، لن أتركك حتى تعترف هيا

-         أنا القارئ أنا القارئ … دعني إنك تخنقني .

-         و لكن من فضح أمري …

حاولت الإفلات منه لكنه أحكم قبضتيه على تلابيبي ، كادت روحي أن تفيض بين يديه و الشرار يتطاير من عينيه …

-         سأخبرك سأخبرك  … أرخي يديه قليلا ثم قال : هيه ؟؟

-         إنه عبد القادر برغوث

ارتخى ثم تمطى و تلاشى …

* قاص وكاتب من الجزائر

اترك تعليقا