التقيت بالأستاذ عمر الذي تاه لأزيد من سنة أو أكثر في القفار ؛ باحثا عن الحب و سر الحب . لم يكن أحد يعرف سره إلا من قرأ جبال الحناء تلك الرواية التي قرأتها في يومين و تهت فيها أكثر من سنتين ، التقيته و هو يحمل ملف التقاعد ساعيا من إدارة لأخرى ، لم يعرفني طبعا لأنه لم يرن من قبل ، لكني رأيته في كل زاوية من زوايا الجلفة .
- الأستاذ عمر أليس كذلك ؟
حدق في متعجبا ، و التفت يمينا و شمالا لعلي أقصد شخصا آخر ، أشار بأصبعه لنفسه
- أتعنيني أنا ؟
قلت : نعم … أستاذ التاريخ في ثانوية أول نوفمبر ؟
- و لكني لا أعرفك !
- و لكني أعرفك … ثم همست في أذنه : و أعرف عنك كل شيء .
جفل مني و رجع بخطوة إلى الوراء قائلا : من من أنت ؟ و ماذا تعني ؟
هنا أشحت بوجهي عنه ناظرا للأفق نظرة الحكيم
- أتكر ذلك الشخص الذي كان يجلس قبالتك في شاحنة الترحيل إلى رقان و الجزء العلوي من شفتيه منتفخ إثر الشمة ؟ … كنت تنظر إلي بازدراء و تعجب .
خفض رأسه مبتسما ، مستهزءا ، ثم نظر إلي محدقا :
- و لكن الذي رأيته كان أكبر سنا !
ثم التفت إليه
- أتذكر الثلاثة الذين اعتدوا عليك و جردوك من ثيابك ، و صرعوك و تركوك مغشيا عليك و عندما استيقظت أصبت بلوثة في عقلك و لم يبق من إرادتك شيء غير البحث عن ميرة ؟
قال : هاه !! و فغر فاه ..
قلت : كنت واحدا منهم ، بل بقي حذاؤك الرياضي عندي إلى قريب فقط .
هنا عظمت حيرته و ازداد تعجبه
- و لكن قلت أنك أنت ال الذي …و و … كيف عرفت ؟ . تلعثم و احتار …
مشى قليلا ، أمسك رأسه كأن به ألم ما ، ثم تلفت إلي محملقا … قطعت حيرته و قلت له : لا تتعجب فأنا أكثر مما حيرك الآن ، ألم أقل لك رأيتك في كل مكان ؟ اسمع أتذكر العائلة الأولى التي التقيتها و سقوك ماء و قهوة و خبزا بعد ما أضناك التعب و تورمت قدماك و نمت منهكا ؟
قال : نعم
قلت : أنا الشاب الذي قال لك : نحن نحب الصالحين … و لكن ارتادتك موجة من الهرب فهربت إلى غير وجهة …
هنا استشاط غضبا
- إذا أنت الشيطان اللعين و مهما يكن ما تريده مني فلن تناله … قاطعته
- رويدك رويدك ما أنا الشيطان و لا أرقى حتى لعشر مكائده ، ألم تره يحرض عليك الأولاد ليرموك بالحجارة في سوق الفيض و يعيروك هاهو بودربالة ؟ كنت أنا ذلك المجنون الذي عرفك عليه إنه غير مرئي للناس و لكن الحجاب كان مرفوعا عن عينيك تراه و لا يراه غيرك ، طبعا و أنا أيضا ههه .
- هل أنت من الصالحين إذا الذين تكشفت لهم الحقيقة و صاروا يرون بنور الله ؟
- مهلا علي يا صديقي إنك ترفعني عاليا …لو كنت كذلك ما كنت ذلك الإرهابي الذي جرى وراءك بالمحشوشة و أطلق عليك النار و لم يصبك ، ثم من تظن ترك لك خبز الشعير الساخن و حليب الماعز الطازج في مغارة الشنوفة روبة الاوطان ؟ هه ..
اقترب مني أكثر متوسلا : هل أنت ملاك حارس ؟
- ههه قلت لك إنك ترفعني عاليا …
و بشيء من العصبية : إذا قل لي من أنت ؟
- أيهمك أن تعرف ؟
بلهفة : نعم نعم …
- هل تعرف أنني أعرف قصة المشط و أنك رأيتها ، و احتفظت به إلى أن دفنته في قبرها ؟ لماذ لم تبق علي شيء من ذكراها ، لماذا ؟
- هذا أمر يخصني وحدي و لن أسمح لك تذكرها أمامي …فهمت ؟
- أتظن حقا أنك وحدك من يهيم بعشقها ؟ إنك واهم … بل إن عشاقها لا يحصون عددا …
- و لكني رأيتها و رأيت عينيها و عرفت منهما أنها تهتم لأمري رأيت سواد شعرها المتموج و كيف كان يغرق ذاك المشط بين أمواجه ، شممت ريحها تنسمت عطرها ، كادت أن تخاطبني غير نظرات ذباحة عمقت في الوله و زادت من إصراري … و عذابي ..
ثم جثا على ركبتيه
- لن أزيد من عذابك ، و لن أحكي ما جرى لك في الزاوية و لا حكاية سي رابح و لا حكاية العين الشروب و كيف تفاجأ بك و قال عنك أنك مبروك …و لا قصة المرأة التي كان يجثو على صدرها كلب – أظنه أنه أسود فالجن لا يتمثل إلا بالكلب الأسود – و كيف شفيت بإذن الله … اشتهر بعدها أمرك و خفت على سرك فهربت …
و بشيء من الاستسلام يريد أن ينهي هذا الحوار – خائفا من شيء ما – :
- يبدو أنهم ينادون على اسمي ، عذرا السلام … و هو يهم بالانصراف
قاطعته
- و سي بلقاسم رحمه الله و كلبه الأبيض لم تكن تعرف أنه ميت ؟ … حتى أوقفك على قبره . و الشيوخ الذين تعتقد أنهم يحمون البادية حين صليت معهم الجمعة في ذلك الكوخ البالي … حتى حدثت المفاجأة و دخلت ..
قاطعني بعنف و وضع كفه على في و دفعني حتى ردني الحائط
- إياك أن تذكر اسمها على شفتيك … إياك … لن أسمح لك بالتمادي أكثر …
احمرت عيناه و بدى الغضب عليه
- قل … قل من أنت من أنت ، لن أتركك حتى تعترف هيا
- أنا القارئ أنا القارئ … دعني إنك تخنقني .
- و لكن من فضح أمري …
حاولت الإفلات منه لكنه أحكم قبضتيه على تلابيبي ، كادت روحي أن تفيض بين يديه و الشرار يتطاير من عينيه …
- سأخبرك سأخبرك … أرخي يديه قليلا ثم قال : هيه ؟؟
- إنه عبد القادر برغوث
ارتخى ثم تمطى و تلاشى …
* قاص وكاتب من الجزائر




