تتمتع بمنظر أحفادك و تتعجب في اختلاف سحناتهم ،فتتساءل عن محل وجهك بين الوجوه،فله علاقة متينة بطبيعة وجودك يين الناس،يسعدك أحيانا أن تبدو ساذجا ، كما لا تمانع أن تظهر من الطراز الذي يتوجسون منه خيفة ، هكذا شكلك قريب من النوع المتهم ، كنت ببراءتك قبل اليوم تظن أنك تبدو لهم حاملا فوق رأسك كتبا يأكل الناس منها ، و لكن هيهات فهم يرون على ظهرك آلاف الفواتير،لذلك يفرون منك فرارا.. يكفيك زهوا أنك بين معارفك عبارة عن قلب و مجموعة من العادات و الأفكار و ليس وجها ، مصنف أنت عندهم في غرف النحل لا في ألبوم الصور..
أحيانا لا تشعرك أمك و الذين يشرفون على رعايتك و يشهدون نموك بأنك ثمين ، و بأنك محبوب أو أنك قابل لأن تكون محل انتباه و عناية ، إذا حدث هذا ، فلن تقنعك أي أنثى أخرى بذلك ، ستنظر إلى ولعها بك كاندهاش أمام قطعة أثرية عتيقة ، تغلب الغرابة في علاقتها العاطفية بك في رأيك أكثر من أي عاطفة أخرى ..يخيل إليك أن حالة الحب هو دعوة إلى وليمة حزن اختياري ،أو هو اكتشاف بأن حبلك السري لم يقطع بعد ، وأنك ما زلت مرتبطا بأمك إلى درجة أنك لا تستطيع تلقي حبل آخر إلى غاية أن تأذن لك هي بذلك.. تفر الأخرى من شبح أمك أو تتخذه تحد و تفرض نفسها عليك كمرض مزمن لا علاج له إلا جرعات من زيارات لمرتع الصبا و رائحة العطر المتوضئة على حبات سبحة تلتف على يد الحاجة المبتهلة..
تتذكر حينما كنت صغيرا أنك كنت تتدحرج من منزل إلى آخر ، و تتذوق مختلف الحلويات ، كل واحدة منهن كانت تطعمك لترجع إلى ابنتها بعد ما تتوظف ،كن يغرقن في سعادة عظمى و هن يمسحن أنفك ، كم تخجل و هن يذكرنك بنصف الحقيقة ! إلى حد اللحظة لسن عجائز و لست كهلا، هل خيب وجهك أملهن ، أم ما زلت على براءتك؟
ألم يكن يزعجك أن يقلن لك : فيك سر ، و يقلن عن تربك من العائلة بأنه جميل مثل الرومي ، أهي السمرة و البياض من يصنعان الفرق ؟ أحيانا يرضيك لفظ السر، فتضحك حتى البكاء ثم تنام لتجد نفسك بينهن في جنازة تربك ، و لكن هل انتهى التحدي؟ لم ينته ، فعيونهن تزرع بذوره كل يوم و تحصده شفاههن ..و ظللت طول عمرك تتقزز من المقارنة، و تتحسس من أي تخافت ..تحسبه سخرية..
يقولون بأن القابلة الفرنسية التي استقبلتك عند ولادتك بقيت تزورك على غير عادتها مع المولودين الآخرين ، قالت بأنك ستعيش معلولا و حزينا من خلال ما رأته من هزالك وصغر رأسك ، زارتك كثيرا حتى و أنت ابن ثلاث سنوات ، ثم رحلت إلى بلادها ، و لم توكل من يهتم بك إلا تلك اليهودية العجوز التي لم تكن قادرة على صعود السلم، فهي تنادي أمام عتبة المنزل على أي طفل لكي يشتري لها بعض الحاجيات ،أحيانا كثيرة كنتم تتجاهلونها عمدا لتجعلوها تصيح حانقة :أيها اليهود ، فتتهاتفون :نحن هنا، ثم تغرقون معها في هستيريا من الضحك ،بعدها تختارك بينهم كي تأتيها بالقهوة و السكر و أشياء أخرى ،هذه كل الحكاية ،لم تمتدحك يوما..يقولون أنها من لم تسبه فهي تحبه ، المسألة تحتاج إلى تدقيق ..
لست ملزما بإحصاء من تعلقت عيونهن بك مرات عديدة ، ربما خطؤك أنك لم تأخذ توقيعاتهن و أرقام بطاقتهن ، ملامح وجهك ليست فضفاضة ، إنها من نوع خاص ، من السهل الممتنع ، لا نرى صنفك كثيرا، لكنه يبدو أنه يصلح للجد و الهزل ، و يصلح أكثر لتمثيل فلم أسود أبيض فيه دور كله تضحيات و نكران للذات .. كل شيء انتهى الآن ، فقد أسدلت الستائر على أفلام بلا لون و لا طعم و لارائحة إلا رائحة الرضا و الطمأنينة ، فدع الحياة تعيد شريطها أمام هؤلاء الأحفاد الذين سيتنافسون أيهم يكون أشبه بك ، ستعرف ملامح وجهك من اقتراب حذائه من شاهد قبرك ..
* قاص من الجزائر




