الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة لمسارب/ أمارس الأدب للتعبير عن ذاتي … والإعلام للتعبير عن الآخرين – حاوره : عبد القادر بوماتع
بواسطة مسارب بتاريخ 29 فبراير, 2012 في 10:38 مساء | مصنفة في حوار مسارب | 2 تعليقات عدد المشاهدات : 3172.

 

عبد الرزاق بوكبة / شاعر وروائي

 

 

الجزائر لا تشكو من أزمة مقروئية بل تعيش أزمة توزيع

 حاوره : عبد القادر بوماتع  

يشير الكاتب والإعلامي عبد الرزاق بوكبة في حديثه لنا أن كتاباته وليدة النزاهة في التعامل مع النزعات الإنسانية التي تلامس الواقع من غير حذف، نافيا في ذات الوقت أن يكون الكاتب قاضيا، مضيفا انه لا يجب أن يكون في ذات الوقت محاكما، تحت أية ذريعة إلا إذا هدد القيم الإنسانية المتعارف عليها- وشأن المقروئية أفاد نفس المتحدث أن الجزائر تعيش أزمة توزيع لا أزمة إستعداد للقراء..وتحدث عن تجربته مصرحا ” وإن لم يكن موجودا بالشكل الكافي فمن الممكنات أن يخلق، لكن المصيبة تمكن في أن الأطراف المعنية برعاية هذا الإستعداد في المستويات كلها لا تقوم بدورها “.. وطرح التساؤل الآتي : لماذا نتقبّل أن تكون هناك مطاعمُ في المدينة ومقاهٍ وحانات ومصحّات مخصّصة لشريحة معينة عادة ما تسمّى نخبوية، ولا نتقبّل أن يكون هناك أدب يوجّه لشريحة معينة من القرّاء، الكتابة حساسيات تختلف باختلاف ذائقات الناس،أما عن روايته ” محيض الزيتونة” أكد أنها لم تكتمل بعد وعبر عن ثقته بتجاوزه بها ومعها نفسه كثيرا…

- الشيء البارز في كتاباتك هو جرأة استحضار المحظورات، وسفرك بالقارئ في عالم متأصل هو مزيج بين الذاكرة الشعبية والواقع.. هل هي استجابة لحاجات لديك؟.

هل نقول عن الكاميرا ـ وهي تنقل لنا مشاهداتها كما هي بغضِّ النظر عن طبيعتها ـ إنها جريئة أم نزيهة؟، لقد فاض الشارع العربي مطالبا بالحرية حين فاضت مكبوتاته المختلفة نتيجة ثقافة الحذف، الحاكم يحذف، والأسرة تحذف، ورجال الدين يحذفون، وبعض الفنانين والكتّاب يحذفون خوفا من ردود أفعال الثالوث الأول، وما يبقى لا يسدّ حاجة الإنسان إلى أن يعيش الحياة كما هي بكل تجلياتها، وما أسميتها أنت جرأة في كتاباتي هي وليدة النزاهة في التعامل مع النزعات الإنسانية في الواقع من غير حذف، الكاتب ليس قاضيا، كما يجب في المقابل ألا يكون محاكَما تحت أية ذريعة إلا إذا هدّد القيم الإنسانية المتعارف عليها إنسانيا، علما أن هناك فرقا بين القيم والأخلاق.

- وظفت في إبداعاتك رموزا لا تموت بأشكال غير مألوفة، هل هي من أعطت لنصوصك عمقها؟.

أرى أن النصّ الذي لا يشتغل على الرموز سواء التي يرثها أو يخلقها نصّ عابر في الذاكرة، تماما كالأشخاص الذين نلتقيهم في مناطق العبور: مطارات ـ أسواق ـ محطات القطار ـ الميترو، لا نذكر منهم إلا الذين لفتوا انتباهنا برمزية معينة، لا زلتُ أذكر لحد الساعة فتاة أفغانية رأيتها لمدة خمس دقائق في مطار إسطنبول قبل ثلاث سنوات، والسبب بيت شعر طرّزته على معطفها الصّوفي، وهنا لا بد من التأكيد على أن الاشتغال على الرمز في الأدب لا يعني الاستعراض كما يفعل الكتاب المؤدلجون بل استكناه الأبعاد الإنسانية التي يكتنزها.

- هل تجد نفسك مدينا لـكتابك الأول “من دسّ خف سيبويه في الرّمل”؟.

بات عمره الآن عشرَ سنوات، أي أنني استطعت أن أعيش بعد كتابته المدة نفسها، وأنا الذي كنت أفكّر قبيل كتابته في مقاطعة الحياة، قد ينسى الإنسان من أطعمه أو سقاه أو حتى من علّمه، لكنه لا يستطيع أن ينسى من أنقذ حياته، حين ينقذ كتاب حياتك يتحوّل إلى قطعة منك، والرهان حينها: هل تكتب تجاربك القادمة على منواله وفاءا له، أم أن الوفاء يعني تجاوزَه بتجاربَ تختلف عنه تماما؟، شخصيا اخترت الثانية، فإذا بكل تجربة إبداعية جديدة باتت تلعب معي الدورَ نفسَه الذي لعبه الكتاب المذكور، وهو مصالحتي مع الحياة.

- من يحرّضك على الكتابة؟.

لو حُبسْتُ مدى الحياة، وقيل لي: سنعطيك أوراقا وقلما لتكتب لكننا سنحرق ما ستكتبه فور انتهائك منه في كل مرة لقبلت، لأن حاجتي إلى التطهر لا تنتفي حتى في حالة الحبس المؤبّد، الكتابة تطهرني، وعليه فأنا أكتب كلما ألحّت علي تلك الحاجة الجميلة، بغضّ النظر عن عدد وطبيعة من يقرأ لي.

- على ذكر المقروئية، هل ترى أنها ذريعة لتبرير كساد أعمال بعض الكتاب؟، وهل هناك فعلا عزوف عن القراءة؟.

أرى أن هناك أزمة توزيع في الجزائر لا أزمة استعداد للقراءة، الاستعداد موجود ـ وأنا أتحدث هنا عن تجربة ـ وإن لم يكن موجودا بالشكل الكافي فمن الممكنات أن يُخلق، لكن المصيبة تكمن في أن الأطراف المعنية برعاية هذا الاستعداد في المستويات كلها لا تقوم بدورها، كم حيّزا مخصّصا مثلا للقراءة في خمس قنوات تلفزية وأكثر من أربعين قناة إذاعية وحوالي مئة جريدة يومية وأسبوعية؟، الغريب أن هذه المنابر البخيلة عن وعي وعن غير وعي هي نفسها تطرح سؤال المقروئية في بعض ندواتها وحواراتها، ليس صحيحا أن غياب القارئ هو من جعل الكتاب الأدبي نخبويا.

- ماذا تقول إذن للذين يصرّون على إبقاء الإبداع والأدب داخل الصالونات، ويكتبون لطبقة معينة؟.

لماذا نتقبّل أن تكون هناك مطاعمُ في المدينة ومقاهٍ وحانات ومصحّات مخصّصة لشريحة معينة عادة ما تسمّى نخبوية، ولا نتقبّل أن يكون هناك أدب يوجّه لشريحة معينة من القرّاء، الكتابة حساسيات تختلف باختلاف ذائقات الناس، فالرواية مثلا أنواع: بوليسية وتاريخية ورومانسية حالمة موجهة للفتيان وتجريبية تشتغل على المعرفي، ولكل نوعٍ مقاييسه وجمالياته، إذ من التعسّف أن نحكم على نوع منها بمقاييس نوع آخر، من الأخطاء التي وقعنا فيها في السنوات الأخيرة أين بتنا نفتقد إلى مشروع مجتمع واع سيادة الانطباع بأن الأدب لا يتعاطاه إلا الهامشيون إنتاجا واستهلاكا.

- لكن ألا ترى أن بعض الكتاب الجزائريين يستخفّون بالقارئ من حيث نوعية إبداعاتهم التي أحيانا يعجز عن تصنيفها هل هي شعر أم نثر أم رواية؟.

لكن لا تنسَ أن هذا القارئ نفسه يملك جهازا يلعب في الوقت نفسه دور الهاتف والكاميرا والمصورة والمنبه والمؤذن والمسجلة والإذاعة والتلفزيون والإنترنيت، وهو يُقبل عليه بناءً على خاصية التعدّد هذه، فلماذا يقرأ تعدّدية الكاتب على أنها استخفاف به؟، هنا لا بد من الإشارة إلى أن المنظومة التربوية لا تملك وعيا بمواكبة عقلية الجيل الجديد، إذ لو تأمّلنا القيم الجمالية التي تتضمنها النصوص الأدبية المقرّرة لوجدناها قد ترهّلت، وبالتالي فلن ننتظر منها أن تخلق لنا قارئا يطالب بالموضة في الأدب مثلما يطالب بها في المجالات الأخرى لحياته، هناك جرعة زائدة من القدامة في مناهجنا التربوية والجامعية.

- يعاب عل النخبة المثقفة في الجزائر ارتباطها بالسلطة، وخيانة أمانة المثقف الجزائري ما رأيك؟.

في هذا الحكم تعميم يشكّل تعسّفا ساهم في تشويه صورة المثقفين الحقيقيين، لم يرتبط كل المثقفين بالسلطة ولم يزكِّ جميعُهم الفاشلَ من خياراتها، كما أنه ليس كل المثقفين الذين ارتبطوا بالسلطة فعلوا ذلك، ولو كان الأمر معمّما فعلا لكنا قد وصلنا إلى انحطاط أكبرَ مما نحن عليه الآن، المثقفون الذين ارتبطوا بالنظام وسايروا مقولاته القاصرة ينتمون إلى الطبقة الهشة إبداعيا حمت نفسها من هشاشتها بذاك الارتباط، مثلما حمى النظام نفسه بها على أساس أنها تمثل شريحة المثقفين، ولك أن تتصوّر كيف استغلّ هذا النوع من المثقفين هذا الارتباط بالنظام في محاربة الجودة والجيدين باسم الدولة الجزائرية.

  

- قلت ذات مرة أنك لا تصلح للسياسة،  بينما تدخل السياسة حتى في خبزنا اليومي، إلى أي مدى ترى نفسك بعيدا عنها؟.

قصدتُ أنني لا أصلح للعمل الحزبي لأنني كاتب تعنيه وجوه الحقيقة جميعها، والتحزّب في الفضاء العربي عموما يعني التشيع لوجه واحد منها فقط، أما السياسة فنحن نمارسها حتى ونحن نبدي امتعاضنا من الزحمة في الطريق، أو من نفاد الخبز في المحلات قبل الساعة العاشرة.  

- أين يجد عبد الرزاق بوكبة نفسه أقدر كأديب أم كإعلامي؟.

أمارس الأدبَ للتعبير عن ذاتي، والإعلامَ للتعبير عن الآخرين، وأنا أتغذى من التعبيرين كليهما، غير أن الأدب جوهر يستمر حتى بعد رحيلنا، أما الإعلام فنضال قد نستقيل منه في يوم من الأيام.

- كيف ترى موقع الرواية الجزائرية في الخريطة العربية؟، وهل ترى أن المفرنسين يحضون بامتيازات معينة؟.

 كانت الرواية الجزائرية تسوّق في المشرق من باب ما يمكن أن نسمّيه النصرة الإيديولوجية، أما اليوم فهي تسوّق لدواعٍ جمالية وفنية عزّزت مكانتها في السوق بمنطق السوق، أصبحت رواية تنافس بعيدا عن أية عقدة نقص، وقد باتت دور نشر كثيرة تترجم المكتوبة منها بالفرنسية إلى العربية، في انتظار أن تتفتح دور النشر الفرنسية أكثر على المكتوبة منها بالعربية، ذلك أن هناك جيلا أدبيا جزائريا لم يعد معنيا بالصراع الذي قام على مدار عقود بين اللغتين.

 - متى نقرأ “محيض الزيتونة “؟.

تقصد روايتي الثانية؟، أرجوك تعالَ واطرح عليها هذا السؤال فقد وعدتها منذ السطر الأول منها بألا أنشرها حتى تعطيني انطباعا بأنها اكتملت وتكاملت، وهي لم تفعل ذلك إلى غاية إجراء هذا الحوار، لن أستعجل لأنني أدرك كوني تحت المحكّ بحكم أنها الرواية الثانية، غير أنني واثق من أنني سأتجاوز بها ومعها نفسي كثيرا جدا.

- إذن ستموت هنا ولن تهاجر.. لماذا؟.

لأنني أرغب في ذلك لا أكثر.

- كلمة لقرائك.

بل أنا من يريد أن يسمع كلماتهم، لذلك أضع بريدي الإلكتروني تحت تصرّفهم.

abdezak@hotmail.com

الكاتب عبد الرزاق بوكبة في سطور:

الكاتب عبد الرزاق بوكبة..أو المزيج المتفجر بين اللغة والخيال، كاتب خارج الأعراف الثابتة والقوالب الجاهزة والفرضيات الموجهة، نهم بشكل غريب للقراء، نصه يلجأ للماضي ليحكي به المستقبل..ينفلت به من كل الأحكام والتناقضات، الكتابة بالنسبة له فرض يستغرق كل حياته..بداياته كانت بالمقهى الأدبي بإتحاد الكتاب الجزائريين ثم بالمكتبة الوطنية وعمل بالإضاعة والتلفزيون والصحافة المكتوبة، حاز على عدة جوائز أدبية جزائرية وعربية، من أعماله: من دسّ خف سيبويه في الرّمل ؟، أجنحة لمزاج الذئب الأبيض، جلدة ظل، من قال للشمعة أف ؟.  

                                                                              

حاوره : عبد القادر بوماتع  

التعليقات: 2 تعليقات
قل كلمتك
  1. حنان قال:

    حوار راقي أعجبني حين قال أكتب للتعبير عن نفسي لأن هناك من يكتب للتعبير عن الغير

  2. طاهر قال:

    أعجبني الحوار : فهو شيق و هادف، يتمتع بالأسئلة الهادفة وبالدقة في الأجوبة

اترك تعليقا