بمعنى أنها تعري الواقع من وشائجه،ليس بدافع التهكم أو الإبتذال بل لتستقرأ بواطنه و تدرك مكامن النقص و الخلل،ثم تلبسه لبوسا جماليا بواسطة ما تتيحه عملية الكتابة من ميكانزمات وتصنيفات.النص الأدبي بهذا المعنى يصبح مدينا للواقع بأسباب نجاحه ما دام نابعا منه.إن الإتكاء على عضد الواقع من منطلق الكتابة يحتم على الكاتب وظيفة أخرى ليتمكن من بلوغ مسيرته على الورق و من دونها سيفشل في عملية التعرية و ينتهي به المطاف الى إعادة صياغة الواقع كواقع و تصبح كتابته إجترارية لما هو موجود أصلا و يخرج في النهاية من عملية الكتابة منهك / و قد قدم للمتلقي نصا بعيد كل البعد عن الأدب الخالص.إذن ليتجنب هذه المحنة، و هي في الحقيقة محنة النص في حد ذاته، كان لا بد ان يطرح السؤال و هو ما نعني به :الكتابة بالسؤال.و السؤال أحد الأدوات التي يستعملها الكاتب لتعرية الواقع أي تعرية الواقع بطرح مزيدا من الأسئلة و كل سؤال يبنى جوابه صرحا في شساعة الكتابة.
الثابت أن القراءة المشوشة في ساحتنا الأدبية كثير ما تنساق وراء تقاليد موروثة منذ زمن الحلاق الحاكي و سمر المقاهي،حيث يقوم الحكي على مطابقة الواقع و على الحقيقة الحقيقية بدلا من الحقيقة الأدبية أي المتخيلة و بذلك نكون أمام كاتب تقارير تدور كتاباته حول ما يحدث له على وجه الخصوص و ما يحدث للناس من حوله على وجه العموم .إن إتباع مثل هذه النمطية في الكتابة بالتقرير تنتج عنها ولادة نصوص على الهامش حتى و إن كانت تنهل من الواقع ،حتى و إن حاول كاتبها إقناعنا بحكايته فقط من باب أنها تعتمد على قرائن واقعية كذكره عناوين او مدن أو تواريخ حقيقية أو نقل وقائع حكايته على لسان أناس ثقات و مع ذلك تبقى غير مستساغة للقارئ الذكي الذي يدرك كنه العملية الأدبية التي لا تخرج عن كونها في ألأخير لعبة يختلط فيها الجد مع الهزل و يلعب فيها الخيال المحفز اللذيذ لسبر أغوار النص الذي نريده بهيجا وممتعا لا يكاد ينتهي كي لا نستفيق من سحره المخدر.
إن الكتابة الأدبية الخالصة هي تلك المجردة من كل سند حقيقي،فهي من إبتكار النص الأدبي الذي يعرف كيف يروض الحياة و يعريها من مضامينها و دلالاتها المباشرة التي يكاد يعرفها القاصي و الداني.إن مراوغة الواقع لا تتم إلا بالخيال الذي يملك نصيبه من الحرية في الكتابة الأدبية .بهذا الشكل يمكن أن تمارس الكتابة وجودها كلعبة بإمتياز.
محمد عاطف بريكي
mohamedatefb@yahoo.fr




