جون سيناك أو يحيى الوهراني: شمس مجهولة في سماء الشعر الجزائري/ كريمة ناوي *
بواسطة مسارب بتاريخ 20 سبتمبر, 2016 في 11:55 صباح | مصنفة في حفريات | لا تعليقات عدد المشاهدات : 1594.

معذب وباحث عن الهوية، ومسافر في دروب الكلمة بحثاً عن روحه التائهة في بلد أحبه حباً غامراً.

هو الذي ظل راكضاً في شوارع المدن يبحث عن وجه يألفه، أو عن أغنية يرددها لمن حوله، فتغني الطيور وتتراقص الجبال، وتأخذ الريح أغنيته إلى كل الجهات.

هو الذي عرف عشق الجزائر وعشق الشعر.

إنه جون سيناك الشاعر والروائي باللغة الفرنسية،صاحب البرنامج الشعري الاذاعي الناجح في الستينيات الذي  حمل عنوان”شعر على كل الجبهات” وصاحب المجموعة الشعرية “صباحية شعبي” ومؤلف رواية ” مشروع أب” التي صدرت عام 1989 عن دار- Galimard-  في باريس بعد وفاته بستة عشر عاماً، والتي تحمل الكثير من جوانب السيرة الذاتية.

ولد جون سيناك  في 29/12/1926 في بني صاف من ولاية وهران ،وتعرض للقتل في الجزائر يوم 29/8/1973. وما زال موته يشكل سراً غامضاً حول الجهة التي وقفت وراء  مقتله، وان كانت هذه الاسباب تتراوح بين بواعث شخصية وبين الانتقام منه لمثليته ، وما زالت حياته يلفها الكثير من الغموض ورغم مولده واقامته في الجزائر فأصوله تعود ال  ى فرنسا وهناك من يردها الى اسبانيا.

 اغتيل جون سيناك دون ان يتمتع بالجنسية الجزائرية وهو الذي قاتل في صفوف جبهة التحرير وتلقى قبل ذلك علومه في معسكر تعليم وتدريب.  يمثل جون سيناك او يحيى الوهراني في تسمية اخرى اطلقها على نفسه ظاهرة شعرية وقبل ذلك حالة إنسانية، جاءت كما قال “صدفة إلى هذا الوجود”. بهذه الصدفة كانت حياته مزيجاً من البحث والحيرة في وطن أحبه وقاطعه وعاد ليحبه من جديد.هكذا كانت نصوصه الشعرية بوحاً في حرقة الذات، وركضاً في كل الجهات بحثاً عن وطن شكل حلماً أراده الشاعر أن يتحقق، وهو الذي أكد: “الكاتب الجزائري هو كل كاتب اتخذ نهائياً الجزائر وطنا”1. فكان بذلك شاعراً متميزاً ، مصراً على كل قناعاته، عاشقاً للحياة بكل ما فيها رغم كل الألم والخيبات التي واجهته، وهو يحاول رسم صورة للوطن كما يراه شاعراً فيقول:”ما أود قوله هو أنني مهيأ فطريا للشعور بالسعادة”2.إنه الشعور الذي يخلقه الشاعر حتى في أوج غربته وبرده.

    جون سيناك كما عرفه الأصدقاء وعلى رأسهم الباحثين:جمال بن الشيخ وحميد ناصر خوجة، شاعر كبير وإنسان مميز مد يده للجميع وخاصة الشعراء.هو من لا يُنسى دفء حديثه وعمق تفكيره، خاصة إذا تعلق الأمر بجزائر الغد التي ظل حالماً بها، وهو الذي كتب أجمل النصوص التي قدمته كأديب عالمي.

     يتحدث عنه الشاعر سعيد خطيبي:”كان يذكرني دائما بآرثر رامبو.عاش مثله حياة تيه ،ألم، غربة ولا أمن.بلا أب ولا هوية.لم يكن يحتمي سوى بنبوغه في الشعر.لم أكن أرى في كتاباتيحي الوهراني سوى ذات ترفض الخضوع والإذلال. كان التمرد شعاره. تمرد على النص أولا ثم على الحياة..”3.هذا هو إذنجون-أو يحيى كما كان يسميه الأصدقاء ،هذا هو الشاعر الذي يقول:

“تتصدى الكلمات للعالم..”.

    وبالكلمات وحدها تصدى للعالم الذي رفضه كثيرا وآلمه أكثر، بالكلمات وحدها رفع شعاره بأنه مُهيأ للسعادة، وهو الذي ظلت كلماته تواجه العالم بكل ظلمه، حتى بعد أن أقدمت أيد خفية على اغتياله، لكن صوت الكلمات لم يمت.

بتفرده في القصيدة  قدم سيناك نموذجاً مميزاً في الشعر الجزائري ، فقد جاءت قصيدته معبرة عن روح جديدة ورؤيا مغايرة للكثير مما يتعلق بجزائر أخرى..برؤى ومفاهيم لم يكن من السهل التخلي عنها بل تمسك بها كثوابت، وهنا يقول خطيبي:”ما زال النقاد يرون بأن أهم مجددين في الشعر الجزائري باللغة الفرنسية هما بلا منازع:كاتب ياسين وجون سيناك”4. فهذه المصادفة التي جاءت بجون إلى هذا الوجود، هي نفسها التي تركت”في قلبه وروحه ونفسه وتفكيره جرحاً صاهلاً ظل صداه يئن ويصرخ في أكوان نصوصه. وكانت المصادفة في أن يصبح جون الفتى جون سيناك ويحي الوهراني”5.

     كتب الكثيرون عنه وترجمت الكثير من قصائده إلى العربية ، ويؤكد محمد بوطغان أنه أول من ترجم نصوص جون إلى العربية. ولعل من أهم الدراسات التي وضعت في شعر جون سيناك كتاب بعنوان” جون سيناك، غريب بين ضفتين” من تأليف:جمال بن الشيخ وكريستيان شوليه عاشور،كما وضع الباحثحميد ناصر خوجة أطروحة دكتوراه تناول فيها أعمال –جون- وكانت بعنوان:آلبير كامي وجون سيناك أو الابن المتمرد- Albert camus et John Sénac , ou le fils rebelle  دون نسيان دراسة الباحث المتميز-رابح بلعمري- والتي جاءت تحت عنوان”جون سيناك بين الرغبة والألم”.

    من أهم القصائد التي تركها جون سيناك “الجزائر مدينة مفتوحة”و”الأيدي والأرجل مربوطة”و”طوفان فتى”و”أومبلا” وغيرها، وكلها من ترجمة الباحث محمد بوطغان ، الذي يصف قصائدسيناك بأنها “تقول على الدوام ألمًا مبهماً وجرحاً مفتوحاً صارخاً في بكائية متوهجة”6.انه صوت شاعر مسكون بالرغبة والألم، هائم في وجود مفعم بالتساؤلات المضنية والتطلعات المفتوحة.انه صوت الشاعر الذي يؤكد المترجم إعجابه بصنيعه الشعري : “سيناك يصرخ بأعلى ما يمكن للقصيدة، ويهمس كأرق ما يمكن للشعر أن يهمس برؤاه للكون والإنسان، وبرؤاه لجزائر الغد البهي الجميل ضمن مشروع ثوري آمن بمبادئه إيمان الأساطير، ورأى من خلاله جزائر متعددة متصالحة”7.

ظل الشاعر يبحث في أزقة وطنه عن روحه الهائمة  المتشوقة لغد أجمل. وأشير هنا بأن ترجمة النصوص قد أخلت قليلاً بالمعنى الذي قصد إليه الشاعر، لأن المترجم اعتمد ترجمة شبه حرفية قد تفقد النص جماله ومعناه وأجواءه، لكن ذلك لا ينتقص طبعاً من الجهد الذي بذله المترجم محمد بوطغان في ترجمة هذه النصوص وتقديمها للقارئ العربي.

     هكذا بعد رحلة ألم وحب، بعد غوص في الطفولة كما يقول:” يقلقني كثيرا زمن الكتابة..يهمني زمن العيش.ربما ببساطة لأنني في مثل هذا النسيج اللؤلؤي أستعيد روحي الهجينة في أزقة طفولتي”8،  غادر-جون سيناك-هذا العالم عنوة وسكت صوته لكن شعره ظل صداه  يتردد على كل الجبهات.

    في ما يلي مقطع من قصيدته “أومبلا” ومقطع من قصيدته” طوفان فتى”

**أومبلا..

 

كنتُ قريباً جداً منك حتى أني

أتحدث عن سعادتي كما نكبة

مزروعة في السفينة

ها نجمة داخل حلقي

تهز المشانق..

لكن أنتِ التي أضمك

يا ساقا بلا نسغ

يا منفى بلا رفات

يا أنت التي لم تكون سوى نار ذاكرة

للصلصال

يا شعيرتي القربانية

لم لا تتحدثين كما من قبل؟

كما من قبل..

**طوفان فتى

 

لا أعرف منك شيئاً

سوى ثقل بعض الحبر على

رفوف مكتبتي

وضجيج الشاحنات المحملة بالحاويات

على الطريق

اللوح المحدود

وثمالة الطفولة

أوه..حتى لا أدرك شيئا

سأناديك حين تطلعين من جسدي

وفخذاك الأزرقان يسبحان بسرعة

ويضغطان على القصيدة

سأناديك..

 

 

هوامش:

1-شوليه عاشور،كريستيان، جون سيناك،غريب بين ضفتين،صحيفة الجزائر نيوز، عدد13نوفمبر2007،ص16.

2-المرجع نفسه، ص16.

3-خطيبي، سعيد،جون سيناك..الحاضر الغائب، لن تغيب شمسك يا يحي، الجزائر نيوز،ص15.

4-المرجع نفسه، ص15.

5-بوطغان، محمد،المصادفة والوجود، الجزائر نيوز، ص16.

6-المرجع نفسه، ص16.

7-المرجع نفسه، ص16.

8- سيناك، جون،مشروع أب، غاليمار 1989، ص50.عن كريستيان شوليه عاشور.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

* روائية وباحثة جامعية من الجزائر

اترك تعليقا