الإخراج المسرحي
بواسطة مسارب بتاريخ 2 مارس, 2012 في 12:06 صباح | مصنفة في الإخراج المسرحي | تعليق واحد عدد المشاهدات : 4667.

الإخراج هو فهم النص واستنباط المحتوى منه وتحويله من الحياة المثالية للكاتب إلى حية مادية على خشبة المسرح.أو  بالاحرى هو تحرير الشخصيات الموجودة في سجن المؤلف وتركها حرة على خشبة المسرح ،وارتبط الإخراج المسرحي في بداية الأمر بالمؤلف المسرحي الذي كان يبدع النص ويرفقه بمجموعة من الإرشادات والنصائح والتوجيهات الإخراجية التي توجه الممثلين وتقدم لهم مجموعة من الملاحظات التي قد تنفعهم في التشخيص والأداء والنطق والتحرك فوق الخشبة، وهذا الأمر كان سائدا في المسرح اليوناني والمسرح الروماني والمسارح الغربية وخاصة مسرح شكسبير الذي طعم بالكثير من هذه التوجيهات الإخراجية. وبعد ذلك، انتقلت مهمة الإخراج إلى أبرز عضو في الفريق وأحسن ممثل له تأثير كبير في إدارة الفرقة وتسييرها.

   ومع امتداد القرن العشرين، سيكون المخرج ممثلا فنانا ومعلما مدربا ومديرا إداريا يتولى الإشراف على المسرح الذي يشتغل فيه مؤطرا للممثلين  وباحثا عن أحدث التجارب المسرحية نظريا وتطبيقيا.

ولم يظهر المخرج المسرحي إلا في منتصف القرن التاسع عشر، وسيقترن اسمه بالريجيسور Régisseur ، مع العلم أن مصطلح الإخراج كان متداولا منذ العشرينيات من هذا القرن. أما أول مخرج في تاريخ المسرح الغربي فكان  الدوق جورج الثاني حاكم مقاطعة ساكس ميننجن منذ أن قدم أول عمله الإخراجي سنة 1874م، فحاول بذلك تطوير المسرح الحديث على أسس إخراجية جديدة. إذا، ماهي  أهم المدارس الفنية التي تبناها الإخراج المسرحي الغربي في مسيرته الإبداعية ؟ وماهي أهم المناهج الفنية والتقنية التي اعتمد عليها هذا الإخراج المسرحي؟

1- ساكس ميننجن ودقة الواقعية التاريخية

يعد ساكس ميننجن أول مخرج في تاريخ المسرح الغربي، وقد ساهم في إنتاج الصورة المسرحية التشكيلية ذات البعد الجمالي التي تشمل كل عمليات العرض المسرحي. وقد ثار  ميننجن على مقومات المسرح التقليدي والنظم البالية وفكرة النجومية، واستبدلها بالأسلوب الجماعي في العمل وتنويع المستويات فوق الخشبة تفاديا للرتابة التي تطرحها   الخشبة ذات المستوى الواحد. وطبق كذلك نظام الصرامة والانضباط في تدريب الممثلين وتوجيه أعضاء فرقته. وبالتالي، أوجد نظام الممثل البديل وحركة المجاميع التي تقوم على ممثل بارز يقوم بتأطير مجموعة من أتباعه، وكان لساكس ميننجن تأثير كبير على الكثير من المخرجين الغربيين وخاصة الروسي ستانسلافسكي، والألماني راينهاردت، والبريطاني إرفنج.

ويمتاز ماكس ميننجن بالدقة التاريخية والأصالة الواقعية في التعبير المسرحي، ولاسيما في مسرحيته التاريخية” يوليوس قيصر” التي حاكى فيها القالب التاريخي الروماني على مستوى السينوغرافيا والديكور والإكسسوارات.

2-   أندريه أنطوان بين الطبيعية ونظرية الجدار الرابع:

يمتاز أندريه أنطوان( 1858-1943) صاحب المسرح الحر بالواقعية الفوتوغرافية في المسرح الحديث  متأثرا في ذلك بالمذهب الطبيعي لدى إميل زولا . إذ كان ينقل أندريه أنطوان تفاصيل الحياة الواقعية الطبيعية إلى خشبة المسرح بشكل حرفي ( مسرح طبق الأصل)، وهو كذلك صاحب نظرية الجدار الرابع  التي تنص على احترام علاقة الممثل بالمتفرج من أجل خلق مسرح الإيهام.

3-   قنسطنطين ستانسلافسكي والواقعية الداخلية في التمثيل:

اعتمد قنسطنطين ستانسلافسكي المخرج الروسي الكبير في تدريبه على الجوانب النظرية والجوانب التطبيقية، وكان يوفق في منهجه بين المقاربة الواقعية والمنزع السيكولوجي. و كان ستانسلافسكي يستهل دروسه اليومية بكتابة الأهداف والنظريات والتوجيهات عند مداخل أبواب مسرحه الذي يقع في وسط موسكو لتكون بمثابة مداخل أساسية وأهداف إجرائية للتدريب والتمثيل.

وكان ستناسلافسكي يحث ممثليه على الصدق والإيمان والتفاعل مع الدور ومعايشته عن قرب والاندماج في الشخصية ونقل الحياة الواقعية إلى الخشبة وفهم الشخصية فهما دلاليا ونفسيا.

وقد اعتمد ستانسلافسكي على مسرحيات تشيكوف وإبسن ودويستفسكي في التمثيل و التدريب. وكانت المسرحية تقرأ على الممثلين قراءة حرفية ثم تشرح لغويا ودلاليا، وبعد ذلك تحدد مقاصدها السياقية المباشرة وغير المباشرة.

 وبعد الانتهاء من عملية القراءة، تقسم المسرحية إلى أهداف عامة وخاصة وجزئية بطريقة سلوكية تعتمد على الأهداف الإجرائية. وينطلق الممثلون في قراءة أدوارهم المسرحية ودراستها وتقسيمها إلى أفكار وأهداف أدائية قصد فهم الفكرة العامة. وتأتي فرصة التدريب على الدور من خلال الإسقاط النفسي الطبيعي والاعتماد على الذاكرة الانفعالية الطبيعية واستحضار التجربة الشخصية عبر المشابهة واستقطار الذاكرة  وتهييج الانفعالات مع الابتعاد على التوتر النفسي  وتعويضه بالتركيز والانتباه.

هذا، ويستعين المخرج في تدريبه بأسلوب الافتراضات والاحتمالات الشرطية أو السلوكية معتمدا على طريقتي” لو” و” إذا” وذلك لفهم المواقف وتشخيص السياقات الأدائية ومعرفة الدور جيدا والتغلغل في أعماق الشخصية.

ويلتجئ الممثل عند الممارسة إلى الارتخاء العضلي وممارسة مجموعة من الحركات الرياضية والعلوم والفنون المساعدة كالموسيقا والباليه والرقص والترويض النطقي.

وينتقل الممثل من التأمل العقلي لدوره إلى أجرأته ركحيا من خلال الجمع بين الكلمة والحركة والتشخيص الواقعي الحي، ولابد من الارتجال في عملية التمثيل من أجل إتقان الدور ومعايشته.

ويعد ستانسلافسكي أول مخرج أعاد إحياء تقنية الارتجال إلى الخشبة بعد أن استخدمتها الكوميديا دي لارتي الإيطالية في القرن السادس عشر الميلادي.

و كان الممثلون ينتقلون إلى الأماكن التي لها علاقة بالدور المسرحي، أو ينتقلون إلى بعضهم البعض داخل المنازل لمعرفة الظروف الشخصية والنفسية التي يمر منها كل ممثل والتي قد تؤثر سلبا على الدور التمثيلي فوق خشبة الركح  من أجل الحفاظ على الانسجام النفسي والاجتماعي بين أعضاء الفرقة.

ومن هنا، فستانسلافسكي يعتمد على السيكولوجيا الداخلية في التدريب والعمل على نقل الواقع بصدق ومعايشة حقيقية.

4  - ماكس راينهارت والانتقاء المنهجي:

يعد المخرج ماكس راينهاردت Max Rienhardat من المخرجين الألمان البارزين الذي انزاحوا عن النمط الواقعي المباشر، وقد تمثل في إخراجه المسرحي خصائص الواقعية الجديدة أو الحرفية الميكانيكية الجديدة. وقد اقترن راينهاردت بالتمثيل وإدارة الممثلين ، وعرف كذلك بأسلوب الاستعراض المسرحي لذلك لقب بسلطان الاستعراض الكبير. وقد جرب رينهاردت عدة أساليب وأشكال مسرحية؛ مما جعل طريقته تعتمد على الانتقاء والتوليف بين المناهج الإخراجية.

5-   جاك كوبوه والتمثيل الصامت:

يعد جاك كوپوه  Jacques Copeau  من أهم المخرجين الفرنسيين الذين نهجوا منهج الاعتدال والتعقل في  مجابهة الواقعية التفصيلية. وقد دخل عالم المسرح من باب الصحافة وعتبة النقد الأدبي، وكان إخراجه يعتمد على النطق السليم الواضح والتمثيل الصامت المعبر والاشتغال على الفضاء الفارغ على مستوى الديكور والسينوغرافيا.

 6-   فسفولد ميرخولد  والبيوميكانيكية:

يعتبر فسفولد مايرخولد  Vsevelod Mierhold  من أبرز تلامذة ستانسلافسكي المتميزين في مجال التأطير والإخراج، إلا أنه كان شكلانيا مضادا للواقعية رافضا للدعاية الماركسية والالتزام الاشتراكي وربط الفن بالواقع ، وكان على العكس يربط الفن بالفن وينفتح على الدراسات الشكلانية والمناحي البنيوية في التعامل مع الظواهر الفنية والدرامية.

وقد أقام مايرخولد مسرحه على تدريب الممثل تدريبا شكلانيا آليا روبوتيا وبنيويا معتمدا في ذلك على البيوميكانيك أو الميكانيكا الحيوية ودراسة جسم الإنسان وقوانين الحركة والفراغ.

7- ألكسندر تايروف والسينوغرافيا التجريدية:

اقترن اسم ألكسندر تايروف Alexander Tairov بالسنوغرافيا التجريدية. وجعل تايروف ممثليه يستخدمون ماكياجا غريبا لا يشبهون به أحدا في الواقع، وبهذا يصبحون أشخاصا منفردين في عيون المتفرجين في أزيائهم الغريبة الفانطاستيكية. ومن ثم، يكثرون من الألعاب البهلوانية والماكياج الساخر والشقلبة التهريجية والتشخيص الكاريكاتوري الهزلي.

 8-   إرفين بسكاتور والمسرح السياسي:

ساهم  كل من إرفين بيسكاتور Erwin Piscator وبيتر فايس       Weise وجنتر جراس وكيبارد وفالذر وبريخت والمخرجين الآخرين في تأسيس المسرح السياسي أو ما يسمى بالمسرح التسجيلي أو المسرح الوثائقي.

هذا، وقد استفاد بيسكاتور من السينما في خلق مسرحه الوثائقي، بله عن استخدام الآلات المعقدة الثمينة في مسرحه الشعبي الجماهيري، والاستعانة بالشعارات واللافتات السياسية والحزبية، وتشغيل الأنوار الكاشفة التي تكتسح المسرح جيئة وذهابا ، مع توظيف مكبرات الصوت وآلات الضجيج. ويتحول الممثل عند بيسكاتور إلى رجل آلي روبوتوكي بنيوي.

 9-   ليوبولد جسنر  والعصبية الجنونية:

يعد ليوبولد جسنر Leopold Jessner من المخرجين الألمان الذين استندوا إلى طريقة الجنون العصبي في إخراج مسرحياته التي يندفع فيها الممثلون بشكل جنوني سريع في حالة متوترة مريعة وغريبة كأنهم مجرمون مطاردون، وبعد ذلك يتوقف هؤلاء الممثلون في مكان معين دلالة على حمقهم وخبلهم العصبي.

 ويلاحظ أن المسرحيات التي كان يخرجها جسنر تؤدى بسرعة جنونية. ويعني هذا أن شخصيات مسرحه شخصيات مخبولة شاذة هائجة مريضة نفسانيا تعاني من التوتر النفسي والصراع العصبي، وتعاني من الهذيان السريالي والاغتراب الذاتي والمكاني. ومن هنا، كانت مسرحياته تستند إلى الجنون واللاعقل واللاوعي في تحبيك الأدوار الدرامية وتأزيمها.

ويبدو أن هذا النوع من المسرح كان ثورة ضد المسرح الواقعي الذي كان يوجه إلى البرجوازية، ليستبدل بعد ذلك بمسرح شعبي جماهيري مع مجموعة من المخرجين الوثائقيين والسرياليين في روسيا الاشتراكية وألمانيا الشرقية.

10-إدوارد جوردون كريج والمنهج الانتقائي في المسرح:

يتبنى إدوارد گوردون كريگ Edward Gordon Craig المخرج الإنجليزي الثوري منهجا انتقائيا في إخراجه المسرحي مركزا على الفرجة الجمالية الفنية التي تعتمد على الحدث والكلمات والخط واللون والإيقاع. وبالتالي،يعطي أهمية كبيرة لما هو حركي على ماهو  منطوق. وزيادة على ذلك ،يرتبط اسمه بالمسرح الشامل أو بالمنهج الانتقائي في تجريب جميع النظريات المسرحية والإخراجية السائدة في الساحة الفنية سواء أكانت قديمة أم جديدة. وكان كريگ يعتمد في إخراجه المسرحي على الجمالية المشهدية ، وفضاء الفراغ (على غرار جاك كوبوه )، والأنظمة الضوئية الملونة . واهتم كذلك بالتصاميم والسينوغرافية التشكيلية. كما استدعى في أعماله الدرامية ذات البعد الفني والجمالي المسرح الشرقي والمسرح القديم، ورفض الواقعية التفصيلية وعوضها بالفن البصري وتشكيل الصورة المسرحية الدرامية، وثار في نفس الوقت على الممثل المدير. واعتبر كريگ الممثل بمثابة ماريونيت يمكن التحكم فيها كما يشاء المخرج.

وعلى أي حال، يعرف كريگ في تاريخ المسرح الحديث والمعاصر بكونه مخرجا دراماتورجيا مجتهدا يتعامل مع روح النصوص ويخرجها من منطلقات خاصة.

11- أدولف آبيا والمنظور الثوري للإضاءة:

اهتم أدولف آبيا  Adolph Appia المخرج السويسري بالإضاءة المسرحية بعد أن اكتشف الكهرباء من قبل توماس أديسون في أواخر القرن التاسع عشر. وقد اعترض آبيا على الفضاءات المسطحة المتعادلة الناتجة عن استخدام الإضاءة الأرضية وتعويضها بالإضاءة المتموجة ذات الظلال الشاعرية غير المركزة أو الإضاءة العامة. وقد اهتم بالسينوغرافيا التجريدية كما يظهر ذلك واضحا في مسرحية ” فاوست” لجوته، وبالإيقاع البصري والجسدي الوظيفي المتناغم مع كل مكونات العمل المسرحي..

 12- بتواف والاقتصاد في السينوغرافيا:

يعد بيتواف من أهم المخرجين التجريبيين في المسرح الحديث والمعاصر إلى جانب لويس جوڤيه، وأريان مينوشكين صاحبة ” مسرح الشمس”، وتشارلز ديلان Charles Dullin  ، وگاستون باتي Gaston Baty، وفيودوركوميسارجفسكي Komissargevski، وإڤرينوڤ Evrinov ،  ويوجين فاكتانجوڤ Vakhtangov ، وبيتر بروك Peter Prook،وجرزي گروتوفسكي  صاحب نظرية “المسرح الفقير” gerzi Grotowski ، وجوليان بيك Julian Bec  ، وآخرين .

ويعتبر بيتواف مخرجا تجريبيا متميزا في أعماله الدرامية التي أخرجها للجمهور. فكان يلتجئ في عرض فرجاته الدرامية إلى الاقتصاد في السينوغرافيا نظرا لحاجته إلى الإمكانيات المادية والمالية؛ مما يدفعه الأمر إلى تشغيل الديكور الفقير واستخدام السينوغرافيا المقتصدة واستعمال أساليب مبتكرة في الإخراج الدرامي.

 وقد عرف بيتواف أيضا بتوقيف الأحداث المسرحية بطريقة مؤقتة عند مشهد معين للتركيز عليه بطريقة فوتوغرافية مبأرة مستخدما في ذلك  تقنية الوقفة la pause الإخراجية.

هل من هب ودب يستطيع أن يكون مخرجا؟

                                                                                           يتبع…

التعليقات: تعليق واحد
قل كلمتك
  1. سليم شنة قال:

    تحية طيبة الى الأخ و الاستاذ عيسى نشكرك على هذا الشرح وهذه المعلومات القيمة و التي شملت كل ما كنا نبحث عنه ووضعت مقاييس التعلم فن الاخراج .
    والاجابة عن سؤالك بالطبع لا . الممارسة والحياة و البحث و دراسة الاتجاهات المدرسية حتى الجانب الفكري لكل مخرج أو لكل مدرسة لهولاء العباقرة . لكي يستطيع أن يصبح متبعا لطريق الاخراج لا أن يكون مخرجا .
    نرجوا منك اتمام هذا في أقرب الأجال وشكرا
    عيدكم مبارك و كل عام وأنت و طاقم مجلة مسارب بألف خير أعاده الله علينا بالخير و البركات .

اترك تعليقا